تأتى وديتا السعودية وإسبانيا فى توقيت يمنح الجهاز الفنى للمنتخب المصرى فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أوراقه، واختبار أفكار تبدو فى ظاهرها أقرب إلى محاولة جادة لبناء ملامح فريق أكثر توازنا، قائمة حسام حسن تحمل إشارات إيجابية لا يمكن تجاهلها، فى مقدمتها الانفتاح على عناصر جديدة والسعى لكسر حالة الثبات التى لازمت بعض المراكز، إلى جانب توجه واضح لرفع الجاهزية البدنية وتحسين سرعة الأداء، وهى متطلبات أساسية فى كرة القدم الحديثة، ومع ذلك يظل هذا التحرك فى حاجة إلى قدر أكبر من الوضوح، فالتجديد مهما كانت دوافعه يفقد قيمته إذا لم يرتبط برؤية فنية محددة تحدد أدوار اللاعبين وترسخ أسلوب لعب يمكن البناء عليه،كما أن طبيعة المواجهتين أمام منتخب من طراز إسبانيا وآخر منظم ومتطور كالسعودية تفرض اختبارا حقيقيا لقدرة المنتخب على التكيف، لا مجرد الأداء. وبين مؤشرات إيجابية تستحق الدعم، وتساؤلات مشروعة حول عمق المستقبل الفنى للفراعنة، تقف هذه المرحلة كفرصة نادرة إما أن تتحول الوديتان إلى خطوة فى طريق واضح، أو تبقى مجرد محطة أخرى فى مسار لم تتحدد ملامحه بعد.
ضياء السيد، مدرب المنتخب السابق، أكد أن استعدادات المنتخب لمباراتى السعودية وإسبانيا تبدو وكأنها محاولة لإعادة ترتيب السطح دون مراجعة الجذور، الجهاز الفنى ركز وفق المعطيات المتاحة على الجوانب البدنية ورفع معدلات الجاهزية الفنية للاعبين، مع بعض التعديلات التكتيكية التى تميل إلى اللعب المباشر والتحولات السريعة، وهى سمات ارتبطت تاريخيا بمدارس تدريبية ترى فى «الاندفاع» حلا لتعويض نقص «التحكم»، وهذا بناء على قراءة قائمة اللاعبين التى أعلنها حسام حسن، لكن مواجهة منتخب مثل إسبانيا، الذى تجاوزت نسبة استحواذه فى بعض مبارياته الكبرى فوق 65 فى المائة، لا تحسم باللياقة وحدها، ولا حتى بالحماس، التجربة القريبة لمنتخب «الماتدور» فى مباراته الأخيرة أمام بلغاريا فى التصفيات الأوربية، حين فرضت إسبانيا إيقاعها على معظم مجريات المباراة والتى انتهت بفوزه 4-0، ومن هنا يصبح السؤال، هل أعد حسام حسن فريقه ليجرى خلف الكرة، أم ليفهم كيف يستعيدها ويحتفظ بها؟
«السيد» أشار إلى أن «ودية الفراعنة أمام المنتخب السعودى الشقيق ستكون أكثر تعقيدا مما تبدو»، وقال: المنتخب السعودى لم يعد ذلك الفريق الذى يكتفى بالأدوار الدفاعية، بل أصبح وتحديدًا منذ مونديال قطر يمتلك شجاعة المبادرة والانضباط فى آن واحد لاسيما بعد فوزه التاريخى على الأرجنتين الذى لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تنظيم دفاعى دقيق وقدرة على استغلال المساحات، وهو درس لا ينبغى تجاهله أن الاسم الكبير لا يكفى، وأن التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق.
وأوضح أن «إعلان قائمة منتخب الفراعنة حمل بدوره دلالات متباينة، فضم عناصر جديدة خطوة تحسب للجهاز الفنى، لكنها تظل منقوصة إذا لم تكن جزءا من تصور متكامل، التاريخ القريب للمنتخب المصرى يكشف نمطًا متكررا من إدماج لاعبين جدد دون منحهم أدوارا واضحة، ثم التخلى عنهم سريعا عند أول اختبار حقيقى، وهو ما يحول التجديد إلى مجرد عنوان، لا سياسة تخطيط فنى، ولعل أبرز هذه الأسماء المهاجم أسامة فيصل الذى انضم للمنتخب فى كأس أمم إفريقيا الأخيرة ولم يكن له دور واضح، والآن لم يتم ضمة فى القائمة التى أعلنت مؤخرا، والأمثلة على ذلك عديدة، ففى فترات سابقة تم استدعاء لاعبين شباب بعد تألقهم المحلى، لكنهم جلسوا على مقاعد البدلاء أو شاركوا دقائق معدودة، قبل أن يختفوا من المشهد، فى المقابل استمر الاعتماد على عناصر بعينها بدعوى الخبرة، حتى مع تراجع المستوى، هذه الازدواجية لا تنتج فريقا، بل تخلق حالة من عدم اليقين داخل المجموعة، وإذا انتقلنا من الملعب إلى ما هو أبعد، سنجد أن هذه الإشكالية ليست فنية فقط.
بدوره، قال أسامة نبيه، مدرب المنتخب السابق: فى ضوء ذلك، يصبح تقييم أداء المنتخب أمام إسبانيا والسعودية مرهونا بمدى قدرته على تجاوز هذه الفجوة بين التجديد والبناء أمام إسبانيا، قد ينجح المنتخب فى الصمود فترات، وربما يخلق فرصا عبر المرتدات، لكن الخطر يكمن فى فقدان السيطرة الذهنية قبل التكتيكية، وأمام السعودية، قد تبدو الفرصة أكبر لفرض الإيقاع، لكن ذلك يتطلب شجاعة فى امتلاك الكرة، لا الاكتفاء بمطاردة الخصم.
وتابع: كما يجب على الجهاز الفنى لمنتخبنا القومى أن تكون الرؤية الفنية واضحة خلال الفترة القادمة، حيث لا تبدأ من تغيير طريقة اللعب فقط، بل من إعادة حسن اختيار مراكز اللاعبين داخل الملعب وتغييرها حسب مجريات المباراة مع تطبيق الخطة التكتيكية كما يجب أن تكون، والمطلوب ليس مجرد قائمة أفضل، بل فلسفة اختيار واضحة، لماذا هذا اللاعب وما دوره وكيف ينسجم مع بقية العناصر، هذا فضلا عن أن الاستثمار فى بناء هوية تكتيكية قابلة للتطور ضرورة لا رفاهية، فى النهاية قد تمر وديتا إسبانيا والسعودية دون أثر مباشر على النتائج، لكن أثرهما الحقيقى سيظهر فى الإجابة عن سؤال أبسط وأعمق،هل سنتعامل مع مثل تلك المباريات على أنها مباراة نريد الفوز بها، أم كجزء من استرجاع هوية المنتخب القومى التى نريد أن نحياها، ومع هذين الخيارين تتحدد قيمة القائمة ومعنى الأداء، وربما قبل كل شيء مستقبل الفراعنة فى كأس العالم المقبل.