واجه كل رسول أرسله الله إلى الأرض الكثير من الصعوبات والتحديات أثناء تبليغ رسالته، غير أن الله سبحانه وتعالى هيأ لهم من يعينهم ويقف إلى جانبهم في نشر الدعوة وتحمل أعبائها، وحظي رسول الله ﷺ بهذه النعمة، إذ التف حوله عدد كبير من الصحابة الكرام الذين آمنوا به وساندوه، وكان لهم دور كبير في نشر الإسلام والدفاع عنه.
والصحابة هم كل من آمن برسول الله ﷺ، ورآه، وثبت على الإسلام حتى وفاته، ولازم كثير منهم النبي ﷺ بعد البعثة، فكانوا سندًا له في نشر الدعوة وتبليغ رسالة الإسلام.
وخلال شهر رمضان المبارك، تصحبكم بوابة «دار الهلال» في رحلة يومية للتعرف على سير بعض صحابة رسول الله ﷺ الذين قدموا الكثير لنصرة الدين وترسيخ دعائمه. وفي هذه الحلقة من رمضان 1447 هـ نسلّط الضوء على سيرة الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان.
وُلد حذيفة بن اليمان العبسي الغطفاني القيسي في مكة، وهو من كبار الصحابة الذين عُرفوا بفضلهم ومكانتهم في التاريخ الإسلامي، واشتهر بلقب «حافظ سر رسول الله»، وقد اضطر والده، اليمان، إلى مغادرة مكة بسبب بعض الخلافات، فانتقل إلى يثرب المدينة المنورة لاحقًا واستقر فيها مع أسرته.
وعندما بدأ النبي ﷺ دعوته في مكة، كان والد حذيفة ضمن وفد من أهل يثرب من الأوس والخزرج الذين بايعوا النبي ﷺ على الإسلام، وبعد هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة، جاء حذيفة إليه وسأله إن كان يُعد من المهاجرين أم من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: «أنت يا حذيفة من المهاجرين والأنصار».
وقد عُرف حذيفة بن اليمان بلقب حافظ سر النبي ﷺ، لأن الرسول أخبره بأسماء المنافقين في المدينة، وأوصاه بكتمانها، فحفظ السر ولم يفشِه لأحد، مما دلّ على عظيم أمانته وثقة النبي به.
وشارك حذيفة مع رسول الله ﷺ في معظم الغزوات والمعارك، باستثناء غزوة بدر. ومن المواقف المؤثرة في حياته ما حدث في غزوة أحد، حين قُتل والده اليمان خطأً على يد بعض المسلمين في ساحة القتال، ومع ذلك لم يطالب حذيفة بالدية، بل تصدق بها على المسلمين، فازداد تقدير النبي ﷺ له وعظمت منزلته لديه.
وبعد سنوات من الجهاد والعلم، توفي حذيفة بن اليمان بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه بأربعين يومًا تقريبًا. وعندما شعر بدنو أجله بدا عليه الخوف والبكاء، فسأله من حوله عن سبب بكائه، فقال: إنه لا يبكي حزنًا على الدنيا، فالموت أحب إليه، لكنه يخشى أن يلقى الله ولا يدري هل هو مقبل على رضاه أم على سخطه.
وعندما أحضر له أصحابه الكفن، وجده فاخرًا جديدًا، فابتسم وقال إن ذلك ليس له، ويكفيه لفافتان بسيطتان من البياض، لأنه لن يبقى في القبر إلا قليلًا حتى يُبدل خيرًا منهما أو شرًا منهما. ثم قال كلماته المؤثرة: «مرحبًا بالموت، حبيبٌ جاء على شوق، لا أفلح من ندم».
وفي النهاية صعدت روحه إلى بارئها سنة 36 هـ في المدائن، بعد حياة مليئة بالإيمان والجهاد والصدق، ليبقى اسمه واحدًا من الأسماء المضيئة في سجل الصحابة الكرام.