أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لـ مجلس الوزراء تحليلًا جديدًا تناول فيه دور العقود الذكية في إعادة تشكيل منظومة التعاقدات في عصر الرقمنة، باعتبارها إحدى أبرز تطبيقات الثورة الرقمية التي أعادت صياغة مفهوم الالتزام القانوني والمالي داخل بيئة افتراضية قائمة على الشفافية والموثوقية.
وأوضح التحليل أن العقود الذكية هي عقود رقمية تُنفذ تلقائيًا بمجرد تحقق شروط محددة مسبقًا، دون الحاجة إلى وسيط تقليدي مثل البنوك أو الجهات القانونية، وهو ما يسهم في اختصار الوقت وخفض التكاليف وتقليل مخاطر التلاعب.
وأشار إلى أن انتشار تقنيات البلوك تشين واعتمادها المتزايد في مختلف القطاعات عززا من حضور العقود الذكية، لتتحول من مجرد أداة تقنية إلى تحول جوهري في إدارة العلاقات التعاقدية، بما يخلق بيئة أكثر كفاءة وعدالة ويعزز الثقة بين الأطراف.
وفيما يتعلق بالمؤشرات السوقية، أشار التحليل إلى أن حجم سوق العقود الذكية عالميًا بلغ نحو 2.02 مليار دولار في عام 2024، وارتفع إلى 3.69 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بوصوله إلى ما يقارب 815.86 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يُقدر بنحو 82.21% خلال الفترة من 2025 إلى 2034، مدفوعًا بالتوسع في المعاملات الرقمية بمختلف القطاعات.
واستحوذت أمريكا الشمالية على أكثر من 34% من السوق خلال عام 2024، تلتها أوروبا بنسبة 29%، ثم آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 25%، فيما سجلت أمريكا اللاتينية 8%، والشرق الأوسط وأفريقيا 4%. وعلى مستوى المنصات، استحوذت منصة Ethereum على نحو 50% من الحصة السوقية، في حين شكل القطاع العام 61% من السوق، واستحوذت الشركات الكبرى على 69% منه، مع توقعات بنمو متسارع للشركات الصغيرة والمتوسطة.
كما حقق قطاع الخدمات المصرفية والمالية والتأمين 38% من الاستخدامات خلال عام 2024، مع توقعات بزيادة ملحوظة في قطاع التجزئة.
ولفت التحليل إلى أن فكرة العقود الذكية تعود إلى عام 1994 على يد عالم الحاسوب الأمريكي Nick Szabo، الذي عرّفها بوصفها بروتوكولات معاملات رقمية تُنفذ شروط العقد تلقائيًا، كما ابتكر لاحقًا العملة الرقمية Bit Gold عام 1998، قبل إطلاق Bitcoin بنحو عقد.
وقد استهدف من خلال هذه الفكرة توسيع إمكانات أنظمة الدفع الإلكتروني، وطرح في أبحاثه دمج المشتقات المالية بالسندات لإنشاء أدوات مالية جديدة يمكن تداولها بتكاليف منخفضة عبر التحليل المحوسب، وهي تصورات تحققت لاحقًا مع تطور الأسواق الرقمية.
وبيّن التحليل أن آلية عمل العقود الذكية تعتمد على منطق برمجي بصيغة “إذا/عندما… فإن…” يُكتب في صورة شفرة على شبكة البلوك تشين، بحيث تقوم الشبكة بتنفيذ الإجراءات المتفق عليها تلقائيًا فور تحقق الشروط، سواء بتحويل أموال أو تسجيل ملكية أو إصدار إشعارات أو غرامات، وبمجرد تفعيل العقد، يصبح غير قابل للإلغاء مع إمكانية تتبعه، علمًا بأنه لا يُعد عقدًا بالمعنى القانوني التقليدي القائم على النصوص المكتوبة، بل هو في جوهره شفرات مبرمجة تُخزن وتُنفذ عبر شبكة موزعة.
وأكد التحليل أن العقود الذكية توفر مجموعة من المزايا، من بينها السرعة والكفاءة والدقة نتيجة التنفيذ الفوري المعتمد على الأتمتة، وتعزيز الثقة والشفافية من خلال تسجيل المعاملات في سجلات مشفرة وموزعة، فضلًا عن ارتفاع مستويات الأمان وصعوبة التلاعب بالبيانات، إلى جانب خفض التكاليف عبر تقليل الاعتماد على الوسطاء التقليديين، وإنشاء سجل دائم غير قابل للتغيير يمكن الرجوع إليه في أي وقت.
وأشار إلى أن أبرز مجالات الاستفادة من هذه العقود تتمثل في القطاع المصرفي، لا سيما في معاملات الرهن العقاري المعقدة، والقطاع الحكومي بما يسهم في تقليل الإجراءات الورقية وربط الموافقات والتوقيعات داخل منظومة رقمية أكثر شفافية، فضلًا عن قطاع التأمين الذي يمكنه تسريع تسوية المطالبات عبر منصة موحدة تجمع جميع الأطراف المعنية.
واختتم التحليل بالتأكيد على أن العقود الذكية تمثل خطوة متقدمة في مسار التحول الرقمي، إذ لم تعد مجرد تقنية مساندة، بل منظومة تعاقدية متكاملة قادرة على إعادة تشكيل أسس التعاملات المالية والقانونية.
كما شدد على أن نجاح انتشارها مستقبلًا يظل مرهونًا بوضع أطر تنظيمية وتشريعية توازن بين دعم الابتكار وضمان الحماية القانونية، بما يعزز الثقة في الاقتصاد الرقمي العالمي.