رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الإرهابى الذى لا يعرفه أحد ولا يعرف أحدًا


26-2-2026 | 15:53

.

طباعة
بقلم: طارق أبو السعد

مع بدء القنوات الفضائية إذاعة مسلسل رجال الظل  رأس الأفعى، الذى يتناول تفاصيل عملية اصطياد محمود عزت، الرجل الأقوى والأكثر غموضًا داخل تنظيم الإخوان، اندفعت لجان الجماعة الإلكترونية فى هجوم هستيرى على العمل الدرامى، حتى قبل عرض أولى حلقاته، هذا الهجوم لم يكن دفاعًا عن شخص، بقدر ما كان دفاعًا عن آخر أسطورة تروّج لها الجماعة وتتشبث بها، لتجد ما تجدد به الثقة بالتنظيم، بعد سلسلة هزائم متلاحقة.

 

هل كان هروبُ عزت، وهو يرتجف مذعورًا، انتصارًا؟

أى انتصارٍ هذا القائم على الاختباء، والتوارى، والفرار من المواجهة؟ فحين اختبأ عزّت عن أعين الأجهزة الأمنية، كان هاربًا وفارًا مذعورًا، فحوّلته الجماعة إلى بطولة زائفة، ونصر مصنوع من الوهم، فالإخوان، كما خبرهم الناس، لا يعيشون على الحقائق، بل على قلب الحقائق، وصناعة الأساطير من الفشل، والاحتماء بالأكاذيب لتعويض هزيمةٍ ساحقةٍ لم يملكوا شجاعة الاعتراف بها.

استمرار هروب عزت جاء نتيجة طبيعية لانشغال الدولة بالمعركة الأهم وهى حماية المصريين من جرائم وإرهاب الإخوان، والرعب الذى أطلقه عزّت بنفسه حين حرّض وموّل ووجّه اللجان المسلحة لتنهش فى أبناء الوطن انتقامًا من المصريين، لأنهم تظاهروا ضد الجماعة.

أدركت الدولة أن المدنيين الأبرياء هم الهدف الأسهل، فكان من البديهى أن تُقدَّم معركة تفكيك اللجان النوعية وإبطال مفعولها على اصطياد شخصٍ هارب. فالأولوية كانت –وستظل– لإنقاذ الأرواح، لا لملاحقة فأرٍ يختبئ فى الجحور، أما اصطياده، فلم يكن غايةً مؤجَّلة، بل خطوةً محسوبة، وكانت ضربة قاصمة بالفعل، نفذتها الدولة بنجاح بعد أن تم كسر أنياب الجماعة، وجففت منابع العنف والإرهاب، وإبعاد خطره عن المصريين.

لماذا كانت الضربة قاصمة؟

كان اصطياد الفأر المذعور «محمود عزّت» ضربة قاصمة ونجاحًا أمنيًا على أعلى مستوى، فقد جاءت فى وقت ظنت الجماعة أنها قاربت على الانقضاض على الدولة المصرية وأن خطة الإنهاك قاربت على الحصاد، فجاء اصطياده فى 28 أغسطس 2020 فى شقة كانت تُستخدم كـ«مخبأ» له فى شرق القاهرة، نتيجة معلومات استخباراتية دقيقة تُشير إلى مكان تواجده، وتمكنت الأجهزة من مداهمة الشقة وضبطه مع أجهزة اتصال وأدلة تدعم الاتهامات الموجهة إليه، بصفته نائب المرشد والقائم بأعماله ومنها تكوين وتوجيه الذراع المسلحة للجماعة، كان يُشرف من مخبئه على التخطيط أو الإشراف على عمليات عنف داخل مصر بعد 2013، بما فى ذلك اغتيالات واستهداف عناصر أمنية، إضافة لإدارة الاتصالات والموارد مع قيادات الإخوان داخل وخارج مصر.

أدى اصطياده لانهيار نفسى وتنظيمى شامل لجميع عناصر الجماعة، فبعد أن نجحت قوات الأمن فى إلقاء القبض على محمد بديع المرشد العام للجماعة وخيرت الشاطر بملابسه الداخلية، وعصام العريان من مخبئه ومحمد البلتاجى من أعضاء مكتب الإرشاد ومجلس الشورى وأغلب قيادات المكاتب الإدارية بالمحافظات فى عمليات متتالية، تمسك الإخوان بـ«محمود عزّت» كرمز أخير للانتصار على الملاحقات الامنية، ونسجوا حوله الأساطير باعتباره «الحبل الأخير» الذى تتعلق به الجماعة، ليثبتوا لأنفسهم بأنهم ليسوا مهزومين تمامًا لكن حين سقط هذا الحبل الأخير، ظهرت الحقيقة العارية فلا عبقرية خارقة، ولا تنظيم عصى، بل شبكة إرهابية منسوجة من الحقد والغلّ والكراهية وخوف والارتياب والانغلاق، سقط عزت فسقطت الجماعة، وتفكّكت، تشظّت، تناحرت، وتبدّدت أساطيرها واحدة تلو الأخرى.

من هو محمود عزّت؟

وُلد محمود عزّت إبراهيم فى القاهرة عام 1944. عاش فترة قصيرة مع والده، ثم انتقل –لأسباب لا تزال غامضة– للإقامة مع جدّه لأمه فى حى السكاكين. لا نعرف الكثير عن حياته المبكرة؛ فالرجل تعمّد أن يكون بلا ملامح، وبلا تاريخ علنى، وبلا حضور اجتماعى.

انضم إلى جماعة الإخوان فى سن مبكرة، ونشأ داخلها نشأةً سرّيةً بحتة، لا تعرف العمل العام، ولا الانفتاح على المجتمع، ولا الخطابة، ولا السياسة العلنية. ثم تكوّنت شخصيته التنظيمية فى مرحلة الستينيات، وهى المرحلة التى يخشى الإخوان دائمًا ذكرها أو تناول أحداثها؛ إذ عملت الجماعة خلالها بعقلية صدامية صريحة مع الدولة. وهنا يمكن استدعاء ما يعدّه كثيرون «القانون غير المكتوب» داخل الجماعة: «ما خُيِّر الإخوانى بين أمرين، إلا اختار أشدّهما ضررًا على الدولة والمجتمع» فالإخوانى، منذ تلقيه تعاليم التنظيم، يسعى بكل ما أوتى من قوة وبيان إلى هدم الدولة وتفكيكها من الداخل، ولو أدّى الأمر إلى الاستعانة بالأعداء.

لذا، عندما تشكّل تنظيم 1965 بقيادة سيد قطب، وبمعاونة بقايا الإخوان والمفرج عنهم من عناصر النظام الخاص فى قضايا التنظيم المسلح، كان الانتقام من الدولة المصرية هو الشاغل الأساسى، وهو ما عبّر عنه سيد قطب بوضوح فى كتابه الشهير «لماذا أعدمونى؟». فى هذه الأجواء المسمومة تربّى عزّت، وتلقّى تعاليمه الإخوانية السرّية.

كان عزّت فى الحادية والعشرين من عمره، ويدرس فى كلية الطب بجامعة عين شمس، حين أُلقى القبض عليه ضمن المتهمين فى القضية رقم 12 لسنة 1965. وجاء ترتيبه رقم 33 فى القضية، بعد محمد بديع سامى، وقبل صلاح عبدالحق. ووفقًا لبيانات بطاقته الشخصية آنذاك، كان مقيمًا فى 1 شارع عاطف بركات بمصر الجديدة. حُكم عليه بالأشغال الشاقة عشر سنوات، وأُفرج عنه فى مطلع السبعينيات، ثم استكمل دراسته حتى حصل على بكالوريوس الطب عام 1975.

عزت.. رجل التنظيمات السرية

لم يكن محمود عزّت «العقل الخارق»، بل كان النموذج النهائى للتربية التنظيمية المريضة، تلك التى تُقدِّس السرية، وتعادى المجتمع، وتؤمن بالهدم لا بالبناء. لذلك أصبح قليل الكلام، شديد الانغلاق، حتى إن أقرب المقرّبين إليه لم يكونوا يعلمون عن حياته الأسرية إلا القليل. فلم يدعُ عزّت أيًّا من الإخوان إلى زواج أبنائه، وهم ثلاثة ذكور وبنت، وكان من النادر جدًا أن يستقبل أحدًا فى بيته بمصر الجديدة، أو فى معمله بشارع السبق.

كان يؤمن بالعمل السرى المطلق، لا يثق بالمجتمع، ولا يرى فى الدولة إلا عدوًا، ولا يرى الناس إلا فى صورتين: إمّا قابلين للتجنيد، أو خصومًا وأعداء. لم يُعرف عنه يومًا أنه شارك فى عمل عام، أو خطاب جماهيرى، أو نشاط مجتمعى. لم يكن خطيبًا، ولا مفكرًا، ولا صاحب رؤية، ولا ذا شرعية فكرية أو فقهية. تحكّمت فيه الجرثومة التنظيمية، فأُصيب عقله بجنون الارتياب والخوف؛ لذلك لم يُقرّب منه إلا القليل، ولم يثق فى أحد، وكان يضع خططه التنظيمية على هذا الأساس، حتى تحوّلت السرية من وسيلة إلى غاية فى ذاتها.

آمن بالتنظيم لا باعتباره أداة، بل باعتباره وسيلة وغاية معًا. وكان يدرك، بوعى بارد، أن الغايات المعلنة لجماعة الإخوان – الدولة، والتمكين، والخلافة، والإصلاح الشامل – بعيدة المنال، عسيرة التحقيق، وربما وهمية، أمّا الشيء الوحيد الحقيقى، الملموس، القابل للحفاظ والاستمرار، فهو التنظيم ذاته. فعاش من أجله، يبنيه ويحافظ عليه، ويستخدم كل وسيلة، مشروعة كانت أم غير مشروعة، ما دامت تخدم بقاء التنظيم واستقراره، حتى تحوّل إيمانه بالتنظيم إلى درجة التماهى معه شكلًا وموضوعًا..

قضية 1982 المنسية

عندما خرج فى بداية السبعينيات، كان الإخوان يعيدون تموضعهم فى المجتمع بتأسيس الجماعة الإسلامية فى الجامعة. شاهدها محمود عزّت وهى تنمو، ولم يشترك فيها ولا فى أنشطتها، لكنه انتظر حتى تستكمل مسارها، ليتولى مسئوليتها التنظيمية بمساندة رفقائه فى السجن، وعلى رأسهم مصطفى مشهور.

ومع بداية الثمانينيات، حاول محمود عزّت إعادة تأسيس الجماعة التى شكّلها عمر التلمسانى على أسس وقواعد التنظيم السرى المسلح، وقد اكتُشف التنظيم من واقع التحقيقات فى القضية المعروفة رقم 122 لسنة 1983. فى هذا الوقت، اتصل مصطفى مشهور بعزّت، وطالبه بمغادرة البلاد، وهناك أقنعه أن إعادة التنظيم المسلح لن تكون بهذه الطريقة، ولكن عبر التسلل إلى الجماعة، وتحت ستار العمل الدعوى والتربية، يتم تشكيل الجماعة كما يريدون.

عاد عزّت إلى مصر منتصف الثمانينيات، وفى عهد محمد حامد أبو النصر، تمكّن أصحاب التنظيم السرى المسلح فى الخمسينيات والستينيات، بالاتفاق فيما بينهم، من قيادة الجماعة.

خرج عزّت من تلك التجربة بدروس حاسمة: الخطوات البطيئة الواثقة أفضل من القفزات المغامِرة، والهدوء أنفع من الضجيج، والتنظيم الصامت أطول عمرًا من التنظيم الصاخب. وكان محمود عزّت هو رجل مرحلة التنظيم الصلب مع مصطفى مشهور، بل كان «أمين التنظيم» فعليًا قبل أن يكون أمينًا عامًا رسميًا، ووصل به الحد إلى أنه كان يخشى على التنظيم حتى من أفراده؛ فقرّب الموثوقين فقط، الذين يؤمنون بأن التنظيم غاية، وأن الأفراد مجرد قوالب قابلة للاستبدال بلا تردد.

صنع عزّت ما يمكن تسميته بـ«الحرس الحديدي» للتنظيم: فى المركز العام، وفى المحافظات، وحتى فى المراكز. وأبعد بهدوء شديد كل مَن ظن أن أفكاره، حتى وإن بدت حميدة، قد تمثل خطرًا محتملًا. كان يواجه أى فكرة تحمل شبهة خطورة، وكان قادرًا على ذلك بفضل سيطرته التنظيمية.

الكابوس الحقيقى ما بعد 2013

توقّع عزّت السيناريو الأسوأ، واستعدّ لمواجهة الدولة والشعب والجيش، ولو بالاتصال والاتفاق مع الأعداء. فلم يكن يحتمل فشلًا جديدًا يماثل فشل أستاذه سيد قطب، فقرّر أن الخطة التى لم تُنفَّذ فى فبراير 1965 يجب أن تُنفَّذ فى 2013. ومن هنا، أصدر أوامره بتشكيل «اللجنة الإدارية» بقيادة محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد عن أسيوط، والدفع بالجماعة إلى مسار العنف المنظّم.

انتشرت الجماعة عبر لجانها المسلحة (العقاب الثورى/ حسم/ كتائب حلوان / وغيرها من اللجان المسلحة) مستهدفة المواطنين والبنية التحتية، فاغتالوا النائب العام هشام بركات، وحاولوا اغتيال النائب العام المساعد واستهدفوا المفتى السابق وبعض الشخصيات العامة، كما حاولوا تفجير خطوط السكك الحديدة، وتعطيل الشوارع الرئيسية، وتفجير أبراج الكهرباء وحرق أقسام الشرطة، ونشر الرعب بين المصريين، بهدف الإرباك والتشتيت واستنزاف الدولة. وهى فى جوهرها الخطة ذاتها التى صاغها سيد قطب، لكن بعناصر جديدة وفكر قديم متجذّر منذ حسن البنّا.

وعندما فشلت الخطط المسلحة من تحقيق الغرض منها، بفعل رجال الأمن، انتقلوا لخطط بديلة وهى خطة الشائعات والإعلام الموجه، وبالتوازى مع محاولات إسقاط مصر فى أزمات اقتصادية وافتعال أزمات فى السلع وغيرها، بغرض تحريض الشعب على قيادته، وعندما فشلت أيضا تلك الخطة، وانتهى وجود الجماعات المتحالفة مع الإخوان، قررت الأجهزة الأمنية قطع رأس الأفعى بعد أن حاصرت كل أدواته، ووُجّهت إليه اتهامات من بينها: قيادة جماعة أُسِّست على خلاف أحكام القانون، والتحريض على العنف، وتمويل ودعم تشكيلات مسلّحة، والتخطيط لعمليات إرهابية استهدفت قوات الأمن والمنشآت العامة، إضافة إلى التورّط فى قضايا اغتيال وتخريب، ونشر الفوضى، وبثّ الرعب بين المواطنين. وقد صدرت بحقه أحكام غيابية ثم حضورية بالسجن المشدّد والمؤبّد فى عدد من القضايا، باعتباره أحد العقول التنظيمية التى أدارت العنف من خلف الستار، ووفّرت له الغطاء والتمويل والتوجيه. وحين سقط، لم يسقط وحده، سقط معه وهم الإخوان، وأساطيرهم، وآخر ما تبقى لهم من ادعاء القوة.

يتحمل عزّت، ولجانه، خطّ العنف المعلن بعد فضّ الاعتصامات دون شك، كما يتحمّل كُلفة الدم الذى أُريق منذ عام 2013 وحتى اللحظة. لذلك، لا ينبغى الانخداع بوداعته المصطنعة، ولا بادّعائه الكاذب بالسلمية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة