رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الفيلسوف عبدالرحمن بدوى حذرنا سنة 73 من الأفاعى.. الأفعى ومخططات هدم البلاد


26-2-2026 | 15:51

.

طباعة
بقلـم: حلمى النمنم

وضع الفيلسوف الراحل عبدالرحمن بدوى يده على جذور العنف لدى الجماعات والتيارات المتسربلة ببعض الشعارات الدينية، وفى زماننا انطلق معظم هذه الجماعات من جماعة إخوان حسن البنا، رغم أن «بدوى» لم يدرس تلك الجماعة تفصيلا ولا تخصص فيها، لكنه بالتأكيد كان على دراية كافية بها، ذلك أنه كان فى شبابه عضوًا بجماعة مصر الفتاة، ثم انضم إلى الحزب الوطنى الجديد، قبل قيام ثورة يوليو 1952.

 

فى سنة 1973، فاجأ د.«بدوى» الأوساط العلمية والثقافية بكتابه المرجعى الضخم، «مذاهب الإسلاميين» الذي يقع فى أكثر من 1100 صفحة، خصص المجلد الثانى منه لتناول جماعات وتيارات العنف والإرهاب فى التاريخ والفكر الإسلامى، منذ عهد الفتنة الكبرى وحتى انهيار الدولة العباسية، صدور ذلك الكتاب فى تلك السنة كان لافتا وكأنه كان يتوقع ما جرى لنا عبر عقود، لسنا نحن فى مصر فقط، بل فى المحيطين العربى والإسلامى، حتى يومنا هذا، ونحن فى مصر كانت لدينا الجماعة الإرهابية الأم؛ جماعة حسن البنا.

قبل كتابه «مذاهب الإسلاميين» عكف د.»بدوى» منتصف الستينيات على تحقيق كتاب أبو حامد الغزالى «حجة الإسلام».. فضائح الباطنية، والذى خصصه الغزالى لتفنيد دعاوى وأفكار جماعة حسن الصباح، أو الحشاشين.

فى حديثه عن جماعات التشدد والعنف، يقول د.»بدوى» فى كتابه «مذاهب الإسلاميين» بالحرف الواحد «ارتبطت هذه التيارات باتجاهات سياسية واجتماعية واقتصادية خطيرة وعنيفة»، هنا أشار «بدوى» إلى السياسة والاجتماع والاقتصاد، وهو ما نلمسه إلى يومنا هذا فى الجماعات التى سارت على نفس النهج، ثم يحاول «بدوى» أن يشرح لنا مصدر الخطورة ومداها لدى تلك الجماعات بالقول «خطورتها ترجع إلى كونها تمثل انحرافا عن المجرى التقليدى للأمور»، بالإضافة إلى ذلك فإنها تفتقد.. «ضوابط راسخة أو معايير يمكن التفاهم فيها».

باختصار ليس هناك موقف فكرى عام، يمكن الاتفاق أو الاختلاف حوله، ليست هذه الجماعات والتيارات مثل الأشاعرة أو المعتزلة مثلا وسائر الفرق الكلامية الأخرى، سوف نلاحظ أن «بدوى» لم يصنفها داخل الفرق، لأنها ليست كذلك، فلا موقف عقائدى واضح، يحدد القضايا الكبرى التى تنشغل بها الجماعة.. هؤلاء كانوا مجموعات فوضى وهدم فى المقام الأول.

أما عن العنف، فيراه د.»بدوى» ضروريا أو أساسياً فى تكوين تلك التيارات، على النحو التالى».. لا تستطيع أن تحقق أهدافها بالوسائل الشرعية المقررة..» الأدوات الشرعية لاتجيز أهدافهم ولا تقرها، فلا تقر الوسائل الشرعية السرقة والتضليل والكذب والاغتيال وغير ذلك.

ويلاحظ «بدوى» على مسار تلك الجماعات أنها «تلجأ إلى البطش أن تمكنت والاستتار المتآمر فى دور التمهيد، والتقية الغادرة فى ظل سلطان الخصوم، المواصفات التى حددها «بدوى» ويقصد بها جماعات مثل القرامطة والحشاشين وغيرهما، تنطبق حرفيا على الجماعات التى نعانى منها، البطش حين يتمكنون وقد رأيناه فى العام الذى حكمت فيه جماعة الإرهاب مصر، ونعرف كذلك «الاستتار المتآمر» أو ما يطلق عليه حالياً الخلايا النائمة، ورأينا منهم الغادر حين يكونوا ضعفاء، الفارق أن الجماعات التى عرفها التاريخ الإسلامى فى معظمها لم تكن سنية المذهب، أما فى زماننا نحن فهى سنية تحت مسمى «الإسلام السياسى».

ما قاله الراحل عبدالرحمن بدوى يضعنا مباشرة أمام قصة الإرهابى الخطير محمود عزت الذى أنتجت الشركة المتحدة عملا دراميا عن إجرامه يعرض منذ بداية الشهر الفضيل.

تفاصيل كثيرة وعديدة حول حياة محمود عزت، المولود فى حى مصر الجديدة سنة 1944. والتحق بكلية الطب وانضم مبكرا إلى جماعة إخوان حسن البنا، كان هو الذى سعى إلى الجماعة بعد أن مر سريعا بجماعة الدعوة والتبليغ، وهى جماعة كانت تطوف بالبلاد، يعيشون فى بعض المساجد، مهتمون بالصلاة والصوم وسائر الفرائض والدعوة إلى الخلق القويم وتقوى الله، مع تجنب الاشتغال بالسياسة أو الاصطدام بمؤسسات الدولة، لذلك كله تركهم محمود عزت سريعا واتجه إلى الجماعة التى تنشغل بالسياسة وتسعى للوصول إلى السلطة، وفى فترة مبكرة انضم إلى مجموعة سيد قطب، التى ألقى القبض عليهم سنة 1965، وانكشاف المخطط الذى كانوا يسعون إليه، وكان من أصغر المتهمين فى هذه المجموعة، وقد اعترف سيد قطب بكافة التفاصيل فى التحقيقات، ثم فى مذكرة مطولة كتبها وقد أرسلت إلى الرئيس جمال عبدالناصر ويبدو أن المحققين أقنعوه بأنه لو اعترف إلى الرئيس بكل شيء، فقد يصدر عنه عفو عام، خاصة أن الرئيس عبدالناصر كان قد أصدر قبل سنة فقط عفوا صحيا عن سيد قطب.

كانت خطط تنظيم سنة 1965، تقوم على عدة محاور.

الأول.. خلخلة الدولة باغتيال أكبر عدد من القيادات، بدءا برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ونواب رئيس الجمهورية وقائد الجيش (القائد العام).

الثانى.. تعطيل حياة المواطنين بما يدفعهم للتمرد على الدولة، وعقابا لهم على تأييدهم سياسات الدولة، وكان التركيز هنا على تفجير القناطر الخيرية لإغراق محافظات الدلتا تماما، وإتلاف المحاصيل الزراعية كلها.

الثالث.. العمل على الوصول إلى المفاعل الذرى فى أنشاص، كانت مصر تعمل على تأسيسه آنذاك، كان هدف التنظيم تفجيره من الداخل، بما يدمر المنطقة المحيطة، خاصة أنه قريب من منطقة قناة السويس، بما يهز صورة مصر تماما فى الساحة الدولية.

من حسن الحظ أن التنفيذ تأخر، نظرا لأنهم كانوا ينتظرون أسلحة يتم تهريبها عبر الحدود الجنوبية، والذى حدث أن الأسلحة لم تصل فى الموعد المتفق عليه بسبب وعورة الطريق.. وفى تلك الأثناء كانت أجهزة الأمن قد أمسكت بطرف الخيط وتم التوصل إلى كافة أطراف التنظيم.

أحد المدانين فى هذا التنظيم هو الراحل على عشماوى، كان مقرباً من سيد قطب، وبعد خروجه من السجن سنة 1975 بعفو من الرئيس السادات ابتعد عن الجماعة، بينما ظل رفيقه محمود عزت يمارس نفس الدور.. كتب على عشماوى مذكراته بالتفصيل، وقمنا فى مجلة «المصور» بنشرها على حلقات ثم جمعت فى كتاب أصدرته دار الهلال، روى على عشماوى الكثير من التفاصيل المهمة والدقيقة، وبمراجعة مذكراته نجد أن الجماعة ما تزال إلى اليوم سائرة فى طريق الغى، طريق تدمير البلاد.

مشروع وفكرة سيد قطب لم تبرح ذهن محمود عزت يوما واحدا، وهذا المشروع فى جوهره يقوم على آمرين.

الأول.. العداء المطلق والجذرى للدولة المصرية، أيا كان شكل النظام الحاكم وتوجهه وأيا كان رئيس الجمهورية، يستوى عنده عبدالناصر مع السادات ومع مبارك، ثم الرئيس السيسى مرورا بالمستشار عدلى منصور، وقد نجح العمل الدرامى أن يثبت ويركز على ذلك البعد، الذى تشربه محمود عزت من سيد قطب وراح يغرسه هو فى باقى أعضاء الجماعة الذين التقى بهم وتعامل معهم، جعله عقيدة الجماعة حين آلت أمورها إليه منذ صيف سنة 2013.

الثانى.. الإدراك العميق أن الجماعة لا يمكنها إسقاط الدولة ولا فى مقدورها محاربتها، ولذا اتجه هو واتجهت الجماعة إلى نظرية الإسقاط من الداخل، ذلك أنه يمكن لدولة أن تسقط بخوض حرب ثقيلة لا تصمد فيها، حدث ذلك فى بلدان عديدة، لكنه لم ينجح أبدا فى مصر.. فى العهد الملكى لم ينتصروا على الدولة وكذلك الحال فى العهد الجمهورى، سواء فى زمن الرئيس عبدالناصر أو السادات.

وإذا كان الفشل محققا فى هذا الجانب، فالبديل هو العمل على إضعاف الدولة من داخلها، بحيث تتآكل من الداخل فيشعر المواطنون بعدم الأمان ويفقدون الثقة بها، وساعتها تتقدم الجماعة فى جنح الظلام وتنتزع كل شيء يمكنها الوصول إليه.

هم فى ذلك قاموا بالعديد من الخطوات.. منها زرع خلايا نائمة فى مؤسسات الدولة وجهات العمل الحكومية، هذه الخلايا يمكن أن تقوم ببعض عمليات التعطيل المقصود لمصالح المواطنين، كى يكرهوا الدولة، يكمن أن يقوموا بتخريب المؤسسات من الداخل وقد حدث ذلك سنة 2013 وسنة 2014، بعد ثورة 30 يونيو ثم تولى الرئيس السيسى سنة 2014.

بخلاف الخلايا النائمة، وجدنا العمليات الإرهابية، واغتيال أى عدد من قيادات الدولة، كما حدث مع النائب العام الشهيد هشام بركات، ومحاولة إسكات صوت الدولة بالعمل على اغتيال الإعلاميين والكتاب المدافعين عن مدنية الدولة.

قاموا أيضا بعمليات تخريب، مثل تفجير أبراج ومنشآت كهربائية وأقدموا على محاولة قطع خطوط الغاز، وتفكيك بعض خطوط السكك الحديدية، وتعطيل المرور وغير ذلك، مما عايشناه سنوات المواجهة مع الإرهاب.

والحق أن هذه العمليات كلها، كان يخطط لها محمود عزت، ولم يتورع عن العمل على إخراج كل العملات الصعبة من مصر، كى ينهار الاقتصاد الوطنى كل ما يمكن القيام به، حاوله.

وهنا لا بد أن نتوقف عند بعض الأمور التى تورط فيها محمود عزت وهو شاب ثم وهو كهل.

تخريب المؤسسات من الداخل وهدم المنشآت فى مصر، كان دائما هدف الأعداء فى الصراعات الكبرى، مثلا أرادت بريطانيا تدمير القناطر الخيرية وإغراق الدلتا سنة 1942، لمنع دبابات روميل من اجتياز الحدود المصرية، ومن حسن الحظ أن هذه الخطوة لم تجد موافقة من الحكومة البريطانية، لأن حجم الدمار سيكون كبيرا، فضلاً عن نجاح مصطفى النحاس رئيس الحكومة وقتها فى أن ينقل لبريطانيا خطورة ذلك العمل على المصريين ولكن تنظيم سيد قطب ومحمود عزت كان أحد الضالعين فيه أراد أن يفعلها.

التخريب الذى أراده فى هيئة الطاقة الذرية بأنشاص، كانت إسرائيل فى الفترة نفسها تخطط لما خطط له سيد قطب وتنظيمه ، الأمر الذى يدعونا للتساؤل هل كان ذلك محض صدفة وتوارد خواطر، أم اختراق وتعاون متبادل؟! كل الاحتمالات قائمة.

أما تخريب المنشآت من الداخل، فقط أقدمت عليه إسرائيل فى فترة حرب الاستنزاف، ما بين سنة 1967 وحتى صيف سنة 1970.

باختصار هذه أفعال خارج الخلاف والصراع السياسى، لكنها خطط وأفعال هدم وطن بأكمله، إنها خطط جماعة البنا.

يحسب للعمل الدرامى أنه حاول تجسيد كل ذلك، وتنشيط الذاكرة الوطنية بالمخاطر التى تمثلها جماعة البنا علينا جميعا، حتى لا ننسى.. لأنهم لم يتوقفوا، والدليل ما قاموا به ضد مصر حتى الصيف الماضى، أثناء حرب غزة، وإلى اليوم لم يتوقفوا.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة