تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة توتر غير مسبوقة، يغذيها حشد عسكري أمريكي ضخم نُظر إليه كتمهيد لعملية عسكرية محتملة ضد إيران في حال تعثر المسارات الدبلوماسية؛ وهو خيار لم تتوانَ واشنطن عن التلويح به مرارًا بوضوح، وذلك المشهد وضع المنطقة بأسرها في حالة ترقب شديد لـ«ساعة الصفر»، خاصة في ظل التعقيدات التي تكتنف المفاوضات الجارية وتضارب المصالح الجذري بين الطرفين، ما يجعل الوصول إلى صيغة اتفاق أمراً بالغ الصعوبة.
وعلى وقع طبول الحرب التي بدأت ملامحها تلوح في الأفق، اشتعلت حرب كلامية حادة انخرطت فيها إسرائيل كحليف استراتيجي للولايات المتحدة؛ فبينما تواصل واشنطن إرسال رسائل الوعيد، تطلق تل أبيب تحذيرات صارمة لطهران من مغبة الإقدام على أي تحرك عسكري تجاهها.
وفي المقابل، رفعت إيران من سقف تحديها بالرد على هذه التهديدات، مؤكدة أنه رغم البعد الجغرافي عن الأراضي الأمريكية، فإن القواعد العسكرية بالمنطقة والعمق الإسرائيلي يمثلان «بنك أهداف» متاحاً لصواريخها في أي مواجهة قادمة.
حرب كلامية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من جانبه، لم يتوقف منذ مطلع يناير الماضي عن بعث رسائل التهديد إلى إيران، مخيّرًا النظام الإيراني بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تبرموا معنا اتفاقًا أو أن تستعدوا لتلقي ضرباتنا.
وجاءت رسائل الرئيس الأمريكي بالتزامن مع إنزال بلاده حشداً عسكرياً ضخماً في المنطقة على المستويين الدفاعي والهجومي، ما أظهر بشكل واضح جدية واشنطن في تهديداتها العسكرية.
وتنوع هذا الحشد العسكري الأمريكي ليشمل 23 سفينة حربية موزعة بين البحر المتوسط وخليج عدن والخليج العربي وبحر عُمان، وتتضمن حاملات طائرات، ومدمرات صواريخ موجهة، وسفن إمداد، وقطع قتال ساحلي.
وأسفر هذا الضغط الأمريكي عن استئناف الجولات التفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي جُمدت بعد حرب «الأيام الـ12» في يونيو الماضي؛ إذ عُقدت أولى الجولات في العاصمة العمانية مسقط في السادس من الشهر الجاري، وأتبعتها جولة أخرى في مدينة جنيف السويسرية، بينما من المرتقب أن تُعقد الجولة الثالثة يوم الخميس المقبل في المدينة ذاتها.
ورغم استئناف المحادثات، فإن الرئيس دونالد ترامب لم يتوقف عن توجيه رسائل التهديد إلى إيران، والتي بات يرسلها بشكل يومي، جامعًا فيها بين التخيير للتوصل إلى اتفاق، وبين التهديد أحيانًا بإسقاط النظام الإيراني نفسه.
وفي آخر تهديد وجهه ترامب لإيران، الاثنين، أكد أنه يفضل التوصل إلى اتفاق، ولكن «إذا لم يحدث ذلك فسيكون يومًا سيئًا للغاية لذلك البلد، وللأسف لشعبه».
وفي إيران، النبرة لا تتبدل أو تتغير، إذ تؤكد أن أي هجوم سيُقابل بـ «رد قاسٍ» ستمتد شظاياه إلى المنطقة بأكملها، وترسل رسالة تتلخص في: «سِلْم من سِلْم المنطقة، وحربي من حربها».
فقد أكد المسؤولون الإيرانيون، من مختلف المستويات السياسية والعسكرية، أن أي هجوم عليهم سيقابل باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية الموزعة في دول المنطقة، أو حتى بضرب إسرائيل نفسها.
وأعلنت إيران أنها سترد «بحزم وبصورة متناسبة»، إذا تعرضت لأي عدوان عسكري، وأن جميع القواعد والمنشآت العسكرية التابعة للقوة المهاجمة في المنطقة ستكون «أهدافًا مشروعة» في إطار ردها الدفاعي، وفق ما جاء في رسالة أرسلتها بعثتها في الأمم المتحدة إلى الأمين العام للمنظمة أنطونيو جوتيريش.
أما إسرائيل، ففي الوقت الذي تحرض فيه الولايات المتحدة على تنفيذ ضربات على إيران، تحذر طهران من مغبة أي هجوم عليها.
ويأتي هذا الموقف الإسرائيلي نتيجة سعي تل أبيب إلى تحقيق تنازلات من إيران تتجاوز الملف النووي، لتشمل البرنامج الصاروخي وحلفاء طهران في المنطقة، وهو ما لم يشمله المسار التفاوضي حتى الآن.
وكانت إسرائيل هي من فجرت حرب «الأيام الـ12» في يونيو الماضي، حين شنت بدعم أمريكي عدوانًا على إيران شمل مواقع عسكرية ونووية ومنشآت مدنية واغتيال قادة وعلماء، وردّت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على الداخل الإسرائيلي.
وفي خضم الحرب، هاجمت الولايات المتحدة منشآت إيران النووية، ثم أعلنت لاحقًا وقفًا لإطلاق النار بين تل أبيب وطهران، لتتوقف الحرب في 24 من الشهر ذاته.
وخلال الحرب، ظهر فشل واضح من منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي في اعتراض الصواريخ الإيرانية، وهو ما يفسر تخوفها من أن تتعرض لأي هجوم إيراني حال اندلاع التصعيد، إذ جعلت قواتها في حالة تأهب.
وقد قال رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الاثنين، إن «بلاده تمر بأيام معقدة وصعبة للغاية تمس حياة البلاد، لا أحد يعلم ما يخبئه لنا الغد»، في إشارة إلى حالة التصعيد مع إيران.
وتوعد إيران بالرد بقوة «لا يمكن أن تتخيلها»، حال ارتكبت ما وصفه بـ «أكبر خطأ في تاريخها» وهاجمت بلاده.
جولة تفاوضية
وفي سياق متصل، تنعقد في مدينة جنيف السويسرية، يوم الخميس المقبل، الجولة التفاوضية الثالثة بين الولايات المتحدة وإيران منذ استئنافها الشهر الجاري، فيما يبدو أنها «الفرصة الأخيرة» للتوصل إلى تفاهم بين البلدين، قبل أن تُفَعِّل واشنطن خياراتها العسكرية.
وأعلنت سلطنة عُمان، التي تتولى بدورها الوساطة بين الجانبين، أن «الجولة الجديدة من المفاوضات» بين الولايات المتحدة وإيران تُعقد في جنيف يوم الخميس المقبل، في وجود ما وصفته بـ «دفع إيجابي لبذل جهد إضافي» من أجل التوصل إلى «اتفاق نهائي».
جاء هذا الإعلان بعد أن رجحت إيران أن يلتقي وفدها المفاوض بنظيره الأمريكي يوم الخميس، مؤكدة أنه لا تزال هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى «حل دبلوماسي» بشأن «برنامج طهران النووي».
ومن جانب الولايات المتحدة، قال مسؤول أمريكي كبير إن «ستيف ويتكوف» مبعوث البيت الأبيض و«جاريد كوشنر» صهر الرئيس الأمريكي سيلتقيان بوفد إيراني يوم الخميس في جنيف، بحسب ما نقلته عنه وكالة رويترز للأنباء.
يأتي ذلك في ظل «حشد عسكري أمريكي كبير» في المنطقة يهدف، بحسب المسؤول، إلى الضغط على طهران لتقديم تنازلات بشأن «برنامجها النووي».
وحدد الرئيس الأمريكي، يوم الخميس الماضي، «سقفًا زمنيًا» للمفاوضات الجارية مع إيران بين «10 و15 يومًا»، قبل أن يلجأ إلى توجيه «ضربات عسكرية».
ويعيد هذا السقف الزمني إلى الأذهان ما حصل العام الماضي خلال المفاوضات، إذ أمهل ترامب إيران «شهرين» للتوصل إلى اتفاق، قبل أن يمنح إسرائيل «ضوءًا أخضر» لضرب «المنشآت النووية» بعد انتهاء هذه المدة.
تركز المفاوضات بصورة أساسية على «البرنامج النووي الإيراني»، إذ تريد الولايات المتحدة وقف طهران عن «تخصيب اليورانيوم»، فيما ترد إيران مؤكدة أن ذلك «حق أساسي لها وغير قابل للتفاوض»، ما يجعل إنجاز أي اتفاق أمرًا «شديد الصعوبة».
وسيعتمد قرار ترامب في شن «ضربة على إيران» على تقييمات وفده المفاوض حول ما إذا كانت طهران تتمسك باتفاق للتخلي عن قدراتها النووية، طبقًا لصحيفة الجارديان البريطانية.