رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حافظ إبراهيم .. ولد بمرساه فحمل اسم «شاعر النيل»

24-2-2026 | 13:27

حافظ إبراهيم

طباعة
همت مصطفى

على متن سفينة ذهبية ترسو على شاطئ النيل في أسيوط، وُلد من سيصبح صوت مصر الشعري ولسان حالها في أعز أوقاتها وأحلك أيامها. لم يكن ميلاده على اليابسة كسائر البشر، لكنه جاء إلى الدنيا محمولًا على الماء، كأن القدر أراد أن يربطه منذ لحظته الأولى بالنيل، فلُقّب بـ  «شاعر النيل»، وحين انحاز للبسطاء والفقراء والمقهورين أضيف إليه لقب آخر «شاعر الشعب».

 ومن يُتم مبكر وفقر مدقع، ومن رعاية خال متعسر الحال، نبتت موهبة استثنائية صقلتها المعاناة وشحذها الألم، حفظ القرآن صبيًا في بيت خاله بطنطا، وحفظ معه إيقاع اللغة وجلال المعنى، فكان الشعر بالنسبة له ليس مجرد كلمات موزونة، لكنه  روحًا تتنفس ووجدانًا ينبض.
تدرّج في وظائف الحكومة من الحربية إلى الداخلية حتى استقر في دار الكتب المصرية، حيث وجد ضالته بين الكتب والمخطوطات،  وفي مجالس الأدب التي كان يحضرها عند إسماعيل صبري «شيخ الشعراء»، احتك بعمالقة عصره: أحمد شوقي، وخليل مطران، ومحمود سامي البارودي، وعلي الجارم، فصقلوا موهبته وشحذوا قريحته.

وكتب عن حادثة «دنشواي» الأليمة فهزّ الضمائر، وكتب عن مصر فأيقظ الهمم، وعرّب البؤساء لفيكتور هوجو فأهداها للعرب تحفة أدبية خالدة، وكان إذا أنشد شعره خُيّل للسامعين أن الكلمات تتحول إلى أنفاس وأن المعاني تتجسد أشباحًا إنه  واحد من  أشهر شعراء مصر في العصر الحديث، وأحد أعضاء المدرسة المصرية في  الشعر «الإحياء والبعث» والتي انتمى إليها العديد من كبار الشعراء إنه  الشاعر الكبير حافظ إبراهيم.

ميلاد على الشاطيء

ولد حافظ إبراهيم في  24 فبراير 1872، لأب مصري وأم تركية الأصل  في محافظة أسيوط  بسفينة «ذهبية»  والتي كانت حينذاك ترسو على على شاطئ النيل.

توفي والد «حافظ » وهو صغير السن،  وقبل وفاة والدته سافرت به إلى القاهرة، ونشأ بها يتيما تحت رعاية خاله والذي كان متعسر الحال، وكان يعمل مهندسًا في مصلحة التنظيم، ثم انتقل خاله إلى مدينة طنطا وأخده معه،  وكان يسمع قارئ القرآن الكريم في بيت خاله يتلو بعض السور مثل «الكهف» أو «مريم» أو «طه» ، فيحفظ  ما يُقرأ ويؤديه مثل القارىء  تماماً،  وهناك بدأ الدراسة في الكتاب،  ولوحظ  عليه  حبه واهتمامه الشديد بالشعر.

من المعاناة إلى  الوظيفة 

عاش «إبراهيم» حياة متعسرة الحال والرزق، وذلك بسبب نشأته، فكان يعاني أثر هذا الأمر ويشعر بأنه ثقيل على خاله، وبسبب ذلك زاد إحساسة بالأسى وشعوره بالاختناق من حياته، ولكنه  تجاوز هذه المحنة وانتقل إلى مدينة القاهرة والتحق بمدرستها الحربية حتّى تخرج منها عام 1891م، ثم عين في وزارة الحربية، فبقي فيها لمدة ثلاثة أعوام، وبعد ذلك  عمل في وزارة الداخلية عامًا وأكثر قليلًا، ثم عاد ليعمل في الحربية، وفي عام 1911م،  عين، في القسم الأدبي بدار الكتب المصرية، والتي ظل فيها حتّى عام 1932م  وكان لوظيفته أثر عظيم على كتاباته الشعرية،

و اكتسب «إبراهيم» المعرفة وأساسيات الشعر من أشهر  الكتاب والأدباء والمفكرين  في عصره، حيث كان يحضر مجالس أهل العلم والتي تواجد فيها العديد من العلماء، والشعراء، والأدباء، وكان يستمع دائما لهم بحرص شديد، ومنهم: السيد توفيق البكري.

وكان حافظ إبراهيم يتردد إلى مجالس الشعر والأدب في منزل إسماعيل صبري «شيخ الشعراء»، ليتعلم من الشعراء الذين كانوا يحضرون مجلس أستاذهم، فكانوا يستشيرون إسماعيل صبري  في أشعارهم، ومن هؤلاء الشعراء: أحمد شوقي،  وخليل مطران، وأحمد نسيم، كذلك محمد عبد المطلب، وعبد الحليم المصري، وغيرهم من الشعراء الشباب آنذاك، كما كان لـ محمود سامي البارودي، والإمام محمد عبده فضل كبير على  الشاعر حافظ إبراهيم.

طريقة خاصة  متفردة

امتلك حافظ إبراهيم طريقة خاصة في كتابة الشعر، فهو استبدل  الخيال  بأسلوبه المنمق، وإحساسه الكبير، واتسم  بحسن صياغتة للكلمات،  واتفق  الجميع اتفق على أنه كان  من أحسن منشدي  الشعر في عصره.

حافظ إبراهيم .. الشاعر والمترجم

  كتب«حافظ» العديد من الشعرو المؤلفات في مجالات مختلفة سياسية، واجتماعية وغيرها،  ومنها : قصيدة دنشواي، قصيدة مِصر، و وقام حافظ إبراهيم بتعريب وترجمة أشهر الروايات العالمية  منها  رواية البؤساء للفرنسي والأديب العالمي فيكتور هوجو عام 1903م

 وقام حافظ إبراهيم أيضًا بترجمة وتعريب كتاب «الموجز في علم الاقتصاد» الذي كتبه بمشاركة خليل مطران، والذي تكون من جزئين وذلك في عام 1913م، وكتاب «التربية والأخلاق» مكون من جزئين،  كتاب عُمر، والمسمى بـ «عمرية حافظ»  عام 1918م، سؤال وجواب، المؤلفات الكاملة،  و قدم كتاب «ليالي سطيح في النقد الاجتماعي».

رحيل شاعر النيل وصوت شعري خالد

رحل  حافظ إبراهيم عن عالمنا في مثل هذا اليوم  21 يونيو 1932م،  وكان في اليوم السابق قد استدعى اثنين من أصدقائه لتناول العشاء معه، ولم يشاركهما لمرض شعر به، وبعد مغادرتهما شعر باشتداد المرض عليه، فنادى غلامه لاستدعاء الطبيب وعندما عاد كان حافظ في لحظاته الأخيرة، ودُفن في مقابر السيدة نفيسة.

 رحل حافظ إبراهيم بعد أن كتب للشعب أجمل ما في الشعر، وللنيل أعذب ما في القوافي، وللوطن أصدق ما في الوجدان، رحل الجسد لكن بقي الصوت، صوت شاعر وُلد على الماء وعاش للكلمة ومات وهو ينادي غلامه طالبًا طبيبًا لم يدرك منه إلا اللحظات الأخيرة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة