رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مع التلويح بضربة أمريكية لطهران .. هل الاقتصاد العُماني قادر على التكيف وامتصاص الصدمة؟


24-2-2026 | 00:43

.

طباعة
بقلم: أحمد تركي... خبير الشؤون العربية

رغم إعلان وزير خارجية سلطنة عُمان، بدر بن حمد البوسعيدي أن مدينة جنيف بسويسرا ستستضيف يوم 26 فبراير 2026 المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وأنها ستكون مدفوعة بجهود إيجابية نحو إتمام الاتفاق بين الطرفين. إلا أن الغطرسة الأمريكية المتمثلة فى ضغط المهلة النهائية التى حددها البيت الأبيض، والتصريحات الملوحة بخيار الحرب تتصدر المشهد بوضوح.

وقد أجرت واشنطن وطهران فى وقت سابق، بجنيف الجولة الثانية من المحادثات التى ترعاها سلطنة عُمان، والتي بدأت جولتها الأولي في مسقط أوائل فبراير، بهدف تجنب احتمال شن عمل عسكرى أمريكى ضد إيران، بعد أن أرسلت واشنطن حاملتى طائرات وقطعا عسكرية مختلفة إلى المنطقة لزيادة الضغط على طهران.

في ظل هذه الأجواء المشحونة من الحرب النفسية التي تمارسها واشنطن على طهران، تبقى التساؤلات، هل اقتصادات دول المنطقة قادرة على التكيف ومواجهة الصدمات، على وجه العموم، وهل الاقتصاد العُماني قادر على ذلك، وإلى أي مدى تستطيع الاقتصادات امتصاصها والتكيّف معها دون الإخلال بمسارات النمو والاستقرار؟ 

هنا تبرز الخبرة التاريخية لسلطنة عُمان بوصفها نموذجًا لاقتصادٍ اختبر خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا استثنائية متعددة، من تقلبات أسعار النفط إلى تداعيات جائحة كورونا، وصولًا إلى موجات عدم اليقين العالمي المتجددة، لكنه واصل في وجه ذلك كله تنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية عميقة، أعادت ترتيب الأولويات وعزّزت أدوات الصمود الاقتصادي. 

والواقع فإن الاقتصاد العُماني أظهر قدرة جيدة على الصمود في مواجهة تصاعد حالات عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وتجدُّد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وترجع قدرة الاقتصاد العُماني على التكيف ومواجهة الصدمات العالمية بالنظر إلى عدد من الأمور الإيجابية وهي:

أولاً: لا شك أن النجاح الذي تمكنت الحكومة العُمانية من تحقيقه من خلال تبنيها لبرنامج إصلاح واسع للوضع المالي خلال السنوات الأخيرة، قد عزز بشكل كبير من درجة المرونة والقدرة على التكيّف، إذ أثبت النهج الذي تم تبنيه في مواجهة التحدي المالي الذي تصاعدت مخاطره بشدة خاصة في خضم فترة الوباء، إن منظومة العمل الحكومي في سلطنة عمان قادرة على إعادة ترتيب أولوياتها وتنفيذ برامج الإصلاح اللازمة عندما تقتضي الضرورة.

ثانياً: توسعت رقعة الإصلاحات لتلامس البنية المؤسسية بهدف رفع كفاءتها وتحسين درجة الحوكمة المتوفرة فيها مع الالتزام بتطبيق مؤشرات أداء تتصف بدرجة عالية من المصداقية والشفافية. وفي هذا السياق، جاءت المبادرة بالسماح بنشر تقرير صندوق النقد الدولي عن أداء وآفاق الاقتصاد الوطني كمؤشر آخر على السعي نحو ترسيخ نهج الشفافية والحرص على تعزيز الثقة المتبادلة مع مختلف الأطراف ذات العلاقة. 

ثالثاً: على صعيد الإصلاح الهيكلي والمؤسساتي في عُمان، تم الشروع في برامج وطنية تهدف إلى تحسين بيئة الاستثمار وممارسة الأعمال في البلاد وتعزيز القدرة التنافسية على جذب أنشطة الاستثمارات الأجنبية المباشرة خاصة في القطاعات الاقتصادية الواعدة مثل الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية والثروة السمكية وغيرها، ابتعادا عن أنشطة الريّع النفطي التقليدية المتمثلة في أنشطة التنقيب وإنتاج النفط والغاز.

رابعاً: بحكم دورها في الارتقاء بالكفاءة التشغيلية وتعزيز منظومة الابتكار، تم توجيه قدر جيد من الاستثمار في تقنية المعلومات والاتصالات وجهود التحول الرقمي. وحظيت الجهود المبذولة في ترسيخ منظومة الحماية الاجتماعية بأولوية في اهتمامات الحكومة في السنوات الأخيرة، وذلك في مسعى لبناء شبكة أمان اجتماعي فعالة تتصف بالعدالة والديمومة وتكفل التضامن والتماسك المجتمعي.

وقد أسفرت هذه الجهود عن وضع الاقتصاد العُماني على طريق الاستقرار المالي وتحقيق الاستدامة من خلال تعزيز وتيرة نمو الأنشطة غير النفطية (سجلت نموا بلغ معدله 3.4 بالمئة خلال الفترة يناير- سبتمبر 2025م، على سبيل المثال) وزيادة معدل صادرات البلاد من قطاعات الصناعة والثروة السمكية والزراعة والتعدين وغيرها.

خامساً: يعتمد البنك المركزي العُماني نهجًا متوازنًا يهدف إلى مواءمة نمو الائتمان واتساقه مع معدلات نمو الناتج المحلي الحقيقي المستهدف. وفي هذا الشأن يُولي البنك المركزي العماني أولوية قصوى لمساهمة الائتمان المقدم في رفع جودة نمو الأنشطة غير النفطية. وعلى سبيل المثال، فقد قام البنك المركزي العُماني وتماشيًا مع التوجهات الوطنية بشأن القطاعات ذات الأهمية الاقتصادية، بإطلاق مبادرة رئيسية في 29 يناير 2025، تهدف إلى توجيه الائتمان المصرفي لقطاعات اقتصادية مُختارة وذات أهمية استراتيجية، مع تقديمه حوافز تنظيمية ورقابية، منها التدابير المتعلقة بتخفيف أعباء رأس المال، وتطبيق أوزان تفضيلية للمخاطر في حالات حدوث انكشاف في القطاعات المذكورة للمصارف التي تلتزم بالمستهدفات الواردة في التعميم.

وتأسيساً على ذلك، أكد البنك المركزي العماني في أحدث تقاريره أن التحسن المتواصل في مؤشر الاستقرار المالي المركب يشير إلى قوة النظام المالي في سلطنة عمان بدعم من البيئة الاقتصادية المواتية والتدابير والسياسات الحكيمة التي عززت الاستقرار المالي ودفعت الدين العام إلى تراجع متسارع وخفضت التعرض للتحديات المحتملة، وقد سجل مؤشر الاستقرار المالي المركب 4.3 في الربع الأخير من عام 2024 ويعزى ذلك إلى الأداء القوي للقطاع المصرفي، وتحسن استدامة الدين، وانخفاض المخاطر النظامية، وكان المؤشر قد تراجع إلى 3.4 في عام 2021، ثم اتجه نحو تحسن مستمر مما يشير إلى استمرار التطورات الإيجابية ماليا واقتصاديا وقوة أداء القطاع المصرفي في سلطنة عمان على مدار السنوات الماضية.

سادساً: محافظة القطاع المصرفي العُماني على مسار نمو قوي ويتمتع بمستويات جيّدة من رأس المال والسيولة وبمعدلات أعلى بكثير مما تفرضه المتطلبات التنظيمية، إذ شهد القطاع المصرفي خلال عام 2025 انتعاشًا ملحوظًا في مستويات الربحية نتيجة تحسن صافي هوامش أسعار الفائدة. كما سجل إجمالي الائتمان نمواً مطردًا خلال العام المذكور بمعدل بلغ نسبته 8.8 بالمائة ليصل إلى 35 مليار ريال عُماني. كما تظهر البيانات أن الغالبية العظمى من المحفظة الإقراضية أي ما يعادل 82 بالمائة، وُجّهت إلى تمويل القطاع الخاص أفرادا ومؤسسات. ويتسق النمو القوي في معدل الإقراض للقطاع الخاص مع التحسن العام في أوضاع الاقتصاد العُماني. 

 سابعاً: بالنظر إلى حجم الوساطة المالية السائد، والذي يُقاس في المتوسط بنسبة التمويل الممنوح للقطاع الخاص والقطاع الحكومي والقروض الشخصية إلى الناتج المحلي الإجمالي، فقد ظل مرتفعاً في سلطنة عُمان مقارنة بنظيراتها من البلدان الأخرى، وذلك نظرا لأهمية النظام المصرفي والدور الحيوي الذي يلعبه في النهوض بالاقتصاد الوطني عن طريق توفير خدمات الوساطة المالية وتوفير سُبل الادخار لمختلف شرائح المجتمع.

وبالرغم من ذلك، تتوافر فرص مواتية لإيجاد قنوات بديلة من خلال تعزيز التكامل والشراكة بين القطاع المصرفي وأسواق رأس المال والتي من المأمول أن تسهم في ضمان استمرار توفر تدفقات ملائمة من الائتمان الممنوح من قبل القطاع المالي تكفل تسريع وتيرة النشاط الاقتصادي في البلاد، ويمكن كذلك تشجيع مصادر التمويل غير المصرفي من خلال تطوير سوق الأوراق المالية وسوق الدين المحلي الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تنويع مصادر تمويل الأنشطة الاقتصادية وتحفيز دور القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة. 

وبدأت سلطنة عُمان في حصاد ثمار الجهود المبذولة من خلال تأكيد وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية على استحقاق سلطنة عمان على درجة الجدارة الاستثمارية وتدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ومن المتوقع أن يسجل نمو الناتج الإجمالي الحقيقي نسبة 3.5 بالمائة في العام الجاري (2026م) وفي المجمل، يعكس هذا النمو محدودية تداعيات التوترات التجارية والنزاعات الإقليمية على الاقتصاد العُماني. 

وبناءً على ما تقدم، فإنه بالرغم من تزايد حالة عدم اليقين والتطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة بسبب التعنت الأمريكي الإسرائيلي بتوجيه ضربة عسكرية كبيرة لإيران، لتفتيتها وإعادة هيكلة نظامها السياسي، وانخفاض أسعار النفط، تستطيع سلطنة عُمان الحفاظ على وتيرة الإصلاحات الحالية من أجل تعزيز القدرة على الصمود وتسريع وتيرة التحول الاقتصادي المنشود.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة