في عام (897هـ – 1492م) كان كريستوفر كولومبس يقف على شاطئ بحر الظلمات، أو ما يسمى الآن بالمحيط الأطلسي، ممسكًا بخريطة الإدريسي للعالم. وكان الإدريسي قد رسم هذه الخريطة قبل ذلك بثلاثة قرون، وهي الخريطة الأولى للكرة الأرضية كاملة في العالم المعروف وقتها بقاراته الثلاث الكبرى (أفريقيا وأوروبا وآسيا)، وكان كولون على وشك أن يحل معضلة.
كان كريستوفر كولومبس مغامرًا إيطاليًا جاء من جنوة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، أو ما سُمِّي بعد ذلك بـ(إسبانيا)، وأراد أن يبدو اسمه أشبه بالأسماء الإسبانية دون أن يظهر على الاسم علامات الانتساب إلى أرض أخرى، أو ربما أراد له سكان إسبانيا ذلك، ولذلك كان النطق الإسباني له كريستوبال كولون، لأن الإسبان ينطقون حرف (V) نطقًا قريبًا من حرف (B)، ولأنهم لا يضيفون اللاحقة اللاتينية (US) في نهاية الأسماء، وهكذا استقر اسمه على كريستوبال كولون.
كان الهدف أن يصل إلى الهند لكي يحصل على التوابل الضرورية لسكان أوروبا في حفظ الطعام، دون أن يمر في البحر المتوسط؛ لأنه بذلك يعرِّض سفنه للموت أو الوقوع في أسر المدن الإسلامية التي يمر بها، ذلك أن عام 897هـ – 1492م كان العام الذي وقعت فيه غرناطة وثيقة الاستسلام، وسُلِّمت الأراضي الأندلسية كلها إلى الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا، وكان مرور السفن الإسبانية في المجالات القديمة يعني ضياع هذه السفن في الذهاب أو الإياب، ووقوعها في مرمى المدافع اللومباردية للممالك الإسلامية، سواء عند المماليك أو العثمانيين، لذا كان على كولون أن يجد طريقًا آخر غير الذي يمر في البحر المتوسط، وغير الذي يمر عبر رأس الرجاء الصالح، طريقًا يبتعد كليًا عن الممالك الإسلامية.
كانت خريطة الإدريسي تقدم الحل، وتحتاج إلى مغامر لكي يقوم بالتجربة. كانت خريطة الإدريسي تقول إن الأرض كروية، هذه المعلومة البسيطة التي كانت تمثل طفرة جغرافية في العالم القديم، المعلومة التي دفع كوبرنيكوس (1473–1543)، الذي قال بلامركزية الأرض، وجاليليو (1564–1642)، الذي قال بكروية الأرض، أقول دفعا ثمنًا باهظًا حين قالا بها. هذه المعلومة أثبتها الإدريسي في كتابه وخرائطه ببساطة، ونستطيع أن نستنتج من هذه المعلومة أننا لو ذهبنا من الجهة المقابلة لبحر الظلمات لوصلنا إلى الهند دون أن نمر عبر البحر المتوسط أو رأس الرجاء الصالح.
استأذن كولون الملكين الكاثوليكيين في أن يخوض التجربة، وأن يبحر صوب الغرب كي يصل إلى الشرق، كما تشير خريطة الإدريسي، فأذنا له على أن يوافيهما بالنتائج تباعًا. كانت الرحلة شاقة، وتشير الوثائق إلى أنه استعان بالبحارة العرب الذين بقوا في غرناطة بعد التسليم.
أبحر كولون نحو الغرب أملًا في الوصول إلى الشرق، وعندما ارتطمت سفنه بأول أرض ظن أنه وصل إلى الهند، وما المشكلة إن كان هؤلاء الهنود مختلفين عن غيرهم من الهنود الذين كان الإنسان الأبيض يذهب إليهم من الناحية الأخرى من العالم؟ لا مشكلة إن لم يكونوا هم، فيمكن أن نميزهم بالهنود الحمر.
الحقيقة إن هذه القصة تُعد أكبر نكتة في التاريخ، لأن القبائل التي وجدها كولون في الأرض الجديدة – وبالطبع لم تكن جديدة – لقد كانت قديمة قدم العالم نفسه، وكان يسكنها سكانها القدامى، ولكن الجديد بالنسبة للمغامر الأوروبي كان جديدًا بالنسبة للعالم.
أقول إن هذه القصة أكبر نكتة في التاريخ، لأن هؤلاء الأقوام من قبائل الأباتشي والأزتيك والمايا واللاما ونافاجو وشيروكي وغيرها لم يكونوا هنودًا ولم يكونوا حمرًا.
كولومبس، الذي وصل إلى هذه الأرض، لم يعرف أنه في أرض مختلفة عن الهند، وأن عليه أن يعبر محيطًا آخر هو المحيط الباسيفيكي قبل أن يصل إلى الهند، وأن المحيط الأطلسي، أو بحر الظلمات، الذي عبره ليس إلا خطوة واحدة في هذا السبيل.
لقد تطلب الأمر أعوامًا أخرى كي يصل بحارة آخر ليعرف أن هذه الأرض ليست الهند، وإن كان اسم الهنود الحمر قد استقر إلى الأبد. كان ذلك المستكشف هو الإيطالي أمريجو فيسبوتشي، الذي شارك في رحلتين على الأقل خلال عصر الاستكشاف بين عامي 1497 و1504، والذي سُمِّيت القارتان الأمريكيتان باسمه.
أما كولومبس، الذي غيّر اسمه إلى كولون، فقد ظل الاسمان في صراع دائم، وبقي هذا الصراع إلى يومنا هذا؛ فـ(كولومبيا) أخذت اسمه القديم، في حين أخذت مدينة (كولون)، وهي أهم مدينة في بنما، اسمه الجديد، وكذلك كان حظ عملة كوستا ريكا التي سُمِّيت (كولون).
أما الشريف الإدريسي أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحسني الطالبي، المعروف بالشريف الإدريسي، فقد كان عالمًا جغرافيًا وُلِد في القرن الثاني عشر الميلادي، الخامس الهجري، وتحديدًا في عام 493هـ – 1100م، في مدينة سبتة التي يتنازع حكمها الإسبان مع المغاربة، وإلى الآن تقع تحت الحكم الإسباني. وسافر إلى قرطبة، حيث كانت مدينة العلم في ذلك الوقت، وتلقى تعليمه هناك على يد مجموعة من أهم علماء عصره، ثم انتقل إلى صقلية، وبدعوة من الملك روجر الثاني، ملك صقلية، أنشأ الإدريسي خريطته، التي سُمّيت بالخريطة الفضية؛ لأن الملك روجر الثاني اقترح عليه أن يرسم خريطة العالم على كرة من الفضة الخالصة، رسم عليها الأقاليم السبعة. وبعد أسابيع قليلة من إهداء نسخة الخريطة إلى الملك روجر مات الملك، ليكون مصير الخريطة مجهولًا؛ فقد فُقدت النسخة الأصلية اللاتينية من الخرائط التي أُهديت إلى الملك روجر الثاني، لأن الملك مات بعد انتهاء العمل بفترة وجيزة، وخلفه على الملك ابنه، الذي قامت ضده ثورة أدت إلى حرق المكتبة التي كانت تشمل نسخة الكتاب والخرائط، ما اضطر الإدريسي إلى الهرب بالنسخة العربية من الكتاب إلى شمال أفريقيا.
ورغم أن الباحثين يؤكدون أن النسخة اللاتينية من الكتاب كانت أفضل من النسخة العربية، فما بقي لدينا عبارة عن نسخ من الخريطة الأصلية، الخريطة التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة في زماننا هذا بعد انتشار خرائط الأقمار الصناعية. استغرق العمل فيها حوالي خمسة عشر عامًا من العمل المتواصل، وكان الإدريسي قد بدأ في كتابه منذ أن كان في الخامسة والثلاثين، وانتهى منه وهو في الخمسين. وكان نتاج هذه الأعوام كتابه المعروف بـ(نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)، الذي وضع له سبعين خريطة للكرة الأرضية، وكان الكتاب عبارة عن شرح لهذه الخرائط؛ فقد كانت الخريطة هي أساس عمل الإدريسي.
فقد جاء في مقدمة الكتاب وصف عن عمله في وضع الخرائط: «فأُحضر إليه لوح الترسيم، وأقبل يختبرها بمقاييس من حديد شيئًا فشيئًا، مع نظره في الكتب المقدَّم ذكرها، وترجيحه بين أقوال مؤلفيها، وأمعن النظر في جميعها حتى وقف على الحقيقة فيها، فأمر عند ذلك أن تُفرغ له من الفضة الخالصة دائرة مفصَّلة عظيمة الجرم، ضخمة الجسم، في وزن أربعمائة رطل بالرومي، في كل رطل منها مائة درهم واثنا عشر درهمًا، فلما كملت أمر الفعلة أن ينقشوا فيها صور الأقاليم السبعة».
الكتاب، الذي كان أشبه بدليل جغرافي للمسافرين، فقد أوضح مواقع الدول ومسالكها وعادات أهلها وأنماط معيشتهم، ولا شك في أن الخرائط التي وصلتنا كانت خلاصة جهد كبير لخرائط كثيرة لم تصلنا عمل عليها الإدريسي. والخريطة التي وضعها الإدريسي ليست مجرد خريطة للعالم المعروف آنذاك، بل إن فيها وصفًا تفصيليًا للأماكن والبحار والأنهار.
ومما يميز هذه الخريطة أنها رسمت العالم بالمقلوب، بحيث يكون الجنوب في الأعلى والشمال في الأسفل، وكأنها تقول لمن يراها إنه لا فرق بين شمال وجنوب بالنسبة لكرة تسبح في فراغ الكون.
أو ربما – وهذا وارد أيضًا – أن يكون قد رسمها من منظوره في صقلية، وربما يكون هذا الشكل صحيحًا في رسم الخرائط، وأن الخرائط المستحدثة أرادت أن تجعل أوروبا في منتصف العالم وكأنها مركز العالم.
إن دقة الإدريسي في تحديد محيط الأرض بحوالي 22,900 ألف ميل كانت تمثل طفرة في ذلك الزمن، حتى وإن كان الرقم ليس دقيقًا جدًا.
وكذلك الدقة التي رُسمت بها الخرائط، والتطابق المذهل بين ما أثبتته من مواقع والمواقع كما نعرفها اليوم، تجعل السؤال مطروحًا: كيف استطاع الإدريسي رسم هذه الخريطة في وقت لم يكن من الممكن النظر إلى العالم عبر الأقمار الصناعية؟ وما الوسائل التي اعتمدها الإدريسي من أجل رسم هذه الخريطة للعالم؟
والدقة التي وصف بها الأرض دليل على تفكير عبقري يسبق زمنه؛ فقد وصف الأرض للملك روجر بأنها بيضة تسبح في الفراغ، وجاء في كتابه في وصف الأرض بأنها «مدوَّرة كتدوير الكرة، والماء لاصق بها وراكد عليها ركودًا طبيعيًا، لا يفارقها، والأرض والماء مستقران في جوف الفلك كالمحّ (الصفار) في جوف البيضة، ووضعهما وضع متوسط، والنسيم محيط بهما من جميع جهاتهما، وهو جاذب لهما إلى جهة الفلك أو دافع لهما، والله أعلم بحقيقة ذلك، والأرض مستقرة في جوف الفلك، وذلك لشدة سرعة حركة الفلك، وجميع المخلوقات على ظهرها، والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل، بمنزلة حجر المغنطيس الذي يجذب الحديد إليه».
إن هذا النص يشير إلى اكتشاف الإدريسي لحركة الأرض والأجسام عليها، وإلى قوة الجاذبية الأرضية التي قيل إنها اكتشفت بعده بقرون.
كما أن هناك أسئلة أخرى تتعلق بالنِّسب التي رسم بها الإدريسي خريطته؛ فقد رسم أفريقيا في حجم أكبر بكثير مما تظهره الخرائط الحالية، فهل كان يعرف الحجم الحقيقي للقارة الأفريقية التي حاولت الخرائط الحالية التقليل منه؟
أم أنه رسمها بهذا الحجم لتعويض نسبة اليابسة المعروفة في ذلك الوقت بالقياس إلى مساحة الأرض؟
والسؤال الأهم: ما العلاقة بين اهتمام روجر الثاني، ملك صقلية (المدينة الإيطالية)، الذي استدعى الإدريسي ووفر له كل السبل لإنجاز خرائطه، والبحارة الإيطاليين الذين اكتشفوا الأرض الجديدة، سواء أكان كولون أو أميريجو أو غيرهما؟
والسؤال الأكبر: ماذا لو كان الإدريسي مع كولون في رحلته الاستكشافية؟ هل كان سيعتقد أنه وصل إلى الهنود الحمر؟ أم أنه كان سيعرف – وهذا مؤكد – أنهم وصلوا إلى أرض ربما، في هذه الحالة، ستسمى القارة الإدريسية؟