رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كوكب الشرق.. وحكايات من كواليس الروائع الغنائية

7-2-2026 | 13:23

كوكب الشرق.. وحكايات من كواليس الروائع الغنائية

طباعة
نانيس جنيدي
تظل قصة صعود كوكب الشرق «أم كلثوم» واحدة من أكثر الملاحم الفنية إلهاماً فى تاريخ الفن؛ فهى لم تكن مجرد صوتٍ عذب مر بسلام على آذان المستمعين، بل كانت كياناً ثقافياً وفنياً متكاملاً، نبت بصبر وإرادة من قلب الريف المصرى، وخلال مسيرتها الفنية الطويلة التى تجاوزت أكثر من نصف القرن من الزمان مرت كوكب الشرق وسيدة الغناء العربى أم كلثوم بعدة محطات فنية مهمة ويحسب لها أنها فى كل محطة أو مرحلة نجحت فى التعامل معها بذكاء سواء علي صعيد الموسيقيين والشعراء الذين كانت تتعاون معهم أونوعية الأغنيات والقصائد التى كانت تختارها بما يتوافق مع المرحلة الجديدة التى تعيشها مع مراعاة تغيّر أذواق الجماهير... وفى ذكري رحيلها نسترجع معاً هذه المسيرة الفنية.
نشأت أم كلثوم فى أسرة متواضعة، وكان لوالدها الشيخ إبراهيم البلتاجى، إمام ومؤذن مسجد القرية، الدور الأكبر فى اكتشاف موهبتها الفطرية.. بدأت طفولتها فى «الكُتّاب» حيث حفظت أجزاء من القرآن الكريم، وهو ما منحها مخارج حروف سليمة وقدرة فائقة على نطق اللغة العربية بتمكن قلّ نظيره.. لاحظ الوالد قوة حنجرة ابنته وهى تردد الأناشيد خلفه، فقرر أن يشركها فى فرقة الإنشاد الدينى التى كان يقودها لإحياء الموالد والأفراح فى القرى المجاورة.. ولأن التقاليد وقتها كانت تمنع ظهور الفتيات فى المحافل العامة، اضطرت أم كلثوم فى صباها لارتداء ملابس تضم «العقال والبالطو» لتتمكن من الغناء، وهى البداية التى صقلت شخصيتها الفنية ومنحتها ثقة الوقوف أمام الجمهور. تحديات البدايات لم يكن الطريق إلى القمة مفروشاً بالورود؛ فواجهت أم كلثوم فى بداياتها تحديات اجتماعية وثقافية هائلة.. كان خروج المرأة للغناء فى المحافل العامة أمراً مستهجناً آنذاك، كما واجهت فى القاهرة بعد قدومها إليها منافسة شرسة من أصوات نسائية مستقرة ومعروفة، وكان عليها أن تختار بين الموجة السائدة أو التمسك بـ«فنها الطربى الأصيل»، لكنها اختارت الطريق الأصعب، وهو «تثقيف الجمهور» والارتقاء بذوقه، وهو ما بنى لها أساساً فنياً ثابتا حتى الآن. «لقاء العمالقة» بالقاهرة فى بداية العشرينيات، وتحديداً عام 1923، كانت نقطة التحول الكبرى فى حياتها حين انتقلت مع أسرتها إلى القاهرة، قلب الفن والثقافة فى ذلك الوقت، كانت الساحة الفنية مليئة بالمنافسة، لكن أم كلثوم استطاعت بذكائها الفطرى أن تجذب انتباه كبار المثقفين والموسيقيين حيث إلتقت بالشيخ أبوالعلا محمد، الذى يعد أستاذها الأول، حيث علمها أصول المقامات وكيفية تذوق القصائد بالفصحى، مما جعلها تتميز عن غيرها بتقديم فن رصين. شهدت بداياتها الغنائية تعاونات فنية شكلت هويتها، فكان أول لقاء لها بالشاعر أحمد رامى عام 1924 بداية لرحلة طويلة من الرومانسية الراقية، حيث قدمت من كلماته أغنية «الصب تفضحه عيونه» التي حققت انتشاراً واسعاً، كما كان للملحن الكبير محمد القصبجى دور محورى فى تحديث أسلوبها الغنائى، حيث قدم لها ألحاناً تمزج بين الأصالة والتجديد، مثل أغنية «إن كنت أسامح وأنسى الأسية» التى صدرت عام 1928، وحققت مبيعات قياسية في سوق الأسطوانات وقتها، لتثبت أقدامها كواحدة من نجمات الصف الأول. لم تكن أغنيات البدايات مجرد استعراض للصوت، بل كانت تعبيراً عن شخصية فنية تزداد نضجاً يوماً بعد يوم، قدمت أم كلثوم فى تلك الفترة قصائد لغوية معقدة مثل «وحقك أنت المنى والطلب»، وأغنيات تميزت بالخفة والرقى فى آن واحد مثل «يا كروان غنى» و«خايف يكون حبك ليّ» هذا التنوع ساعدها فى كسب ثقة النخبة المثقفة وبسطاء الناس على حد سواء، كان سر استمرارية أم كلثوم فى هذه المرحلة يكمن فى دقتها المتناهية فى اختيار الكلمات والألحان، وحرصها الدائم على تطوير أدائها، لقد انتقلت من منشدة بسيطة إلى أيقونة للغناء الراقى والناضج. مدرسة الانضباط لم تكن علاقة أم كلثوم بفرقتها الموسيقية مجرد علاقة عمل عابرة، بل كانت علاقة قائمة على الترابط الفني، كانت تعتبر أعضاء فرقتها ومن بينهم عباقرة مثل القصبجى والحفناوى، بمثابة عائلتها الكبرى؛ لذا كانت تحرص على دعمهم والحفاظ على كافة حقوقهم، وفى المقابل كانت تحرص على الدقة والانضباط التام أثناء أداء البروفات معهم حيث كانت تعيد الجملة الموسيقية الواحدة عشرات المرات حتى تصل إلى حد الكمال الذى يرضى ذوقها الخاص، هذا الانضباط هو ما جعل الفرقة تعمل كجسد واحد مع صوتها، مما أعطى حفلاتها هيبة خاصة يشعر بها الجمهور بمجرد صعود العازفين إلى خشبة المسرح. كما كانت تحرص على اختيار الكلمات وتطلب تعديل بعض الأبيات الشعرية، وكانت تجمع بين ذكاء المنتج ورؤية الفنان؛ فعندما غنت من ألحان رياض السنباطى، استخرجت منه كلاسيكيات القصيدة العربية، وعندما تعاونت مع بليغ حمدى فى مرحلة لاحقة، أدركت بحدسها أن الجمهور يحتاج إلى دماء جديدة وألحان تقترب من روح الشباب، فكانت النتيجة روائع مثل «سيرة الحب» و«بعيد عنك». تطوير التخت لم يقتصر دور أم كلثوم على الغناء، بل كانت مهندسة حقيقية لشكل المسرح الغنائى، فقبل ظهورها كان التخت الموسيقي صغيراً ومحدود الآلات، لكنها بمرور الوقت وسعت هذا التخت ليتحول إلى «أوركسترا» شرقية كاملة، كما أدخلت آلات لم تكن مألوفة فى الغناء الطربى وقتها مثل «التشيلو» و«الكونترباس»، ثم لاحقاً «الجيتار الكهربائى» و«الأورج»، وحرصت دائماً على أن تظل هذه الآلات فى خدمة المقام الشرقى لا أن تطمس هويته، كما كانت تراقب توزيع العازفين على المسرح بدقة، وتحدد مسافات وقوفهم لضمان نقاء الصوت ووصوله إلى أبعد زاوية فى الصالة، وهو ما جعل من حفلاتها تجربة سمعية وبصرية فريدة لم يسبقها إليها أحد ولم يستطع أحد تكرارها أيضا بهذا الشكل. أنت عمري وأمل حياتي لم تكن أغنيات أم كلثوم وليدة الصدفة، بل كانت نتاج «مطبخ فنى» شديد التعقيد، فلو تأملنا قصة أغنية «الأطلال»، لعرفنا حجم الصبر الذى كانت تتحلى به فهذه القصيدة للشاعر إبراهيم ناجى ظلت حبيسة الأدراج لسنوات وعندما بدأ رياض السنباطى فى تلحينها، استغرق الأمر منه وقتاً طويلاً ليصل إلى تلك المقدمة الموسيقية المهيبة، وفى الكواليس، يُحكى أن أم كلثوم طلبت تغيير بعض الكلمات لتناسب الأداء الغنائى، وكانت تتدخل فى أدق التفاصيل الموسيقية، مما جعل السنباطي يبذل جهداً مضاعفاً ليرضى ذائقتها الفنية. أما أغنية «إنت عمرى»، فلها كواليس تاريخية حيث شهدت «لقاء السحاب» بين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، فلسنوات طويلة كان الجمهور يتوق لهذا التعاون، وبدأت كواليس العمل بجلسات عمل سرية ومطولة كان عبد الوهاب يخشى من الدقة الشديدة لـ أم كلثوم، وهى كانت تخشى من حداثة عبد الوهاب الزائدة، حيث دخلت آلة «الجيتار الكهربائى» لأول مرة فى تخت أم كلثوم بتنويه من عبد الوهاب، وهو ما أثار قلقها فى البداية، لكن بمجرد أن بدأ العزف واندمج صوتها مع الألحان المبتكرة، ولدت تحفة فنية كسرت كل الأرقام القياسية. وفى سياق مختلف، تأتى أغنية «أمل حياتى» لتعكس جانباً آخر من كواليس التعاون مع بليغ حمدى، الشاب الذى أحدث ثورة فى موسيقى أم كلثوم كان بليغ يمثل الروح العصرية والمرحة، وكان يجلس مع «الست» ليعرض عليها ألحانه الجريئة، أما كواليس هذه الأغنية فقد شهدت نقاشات حول «اللازمة الموسيقية» التى كانت تتسم برتم سريع لم تعتد عليه أم كلثوم من قبل، لكنها بذكائها الفنى وافقت على هذا التجديد، مما أثبت أنها قادرة على التلون الموسيقى وتوصيل صوتها لكل الأجيال. الصمود خلف النظارة السوداء فى قمة مجدها، لم تكن تتوقع أن جسدها سيخذلها؛ حيث بدأت معاناتها مع مرض الغدة الدرقية، الذى أثر على عينيها وسبب لها حساسية تجاه الضوء القوى.. وهنا ظهرت قوة إرادتها، فاختارت ارتداء «النظارة السوداء» التى أصبحت علامة مسجلة لشخصيتها، كما عانت فى سنواتها الأخيرة من مشكلات مرضية أخري، ورغم الآلام المبرحة، كانت ترفض إلغاء حفلاتها إخلاصاً لجمهورها، وتقف على المسرح لساعات وهى تخفى أوجاعها وسط ثبات انفعالى وأداء صوتى مذهل لا يكشف عن حجم المعاناة التى كانت تمر بها. الوداع الأخير.. جنازة شعبية مهيبة فى الثالث من فبراير عام 1975، توقف القلب الذى نبض بالفن لأكثر من نصف قرن، وتوفيت أم كلثوم بسبب أزمة صحية، ليعم الحزن أرجاء الوطن العربى، خرجت جنازتها فى مشهد مهيب وسط حشود بالملايين، حيث حُمل نعشها على الأعناق فى تعبير ضخم عن الحب والتقدير، كانت الجنازة استفتاءً شعبياً على مكانتها، وتصدر رحيلها عناوين الصحف العالمية التى وصفتها بأنها «صوت العرب الذى لا يهدأ» والظاهرة التى لن تتكرر فى التاريخ الموسيقي.