رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

افتتاح متحف الفن المعاصر وفلسفة العروض التشكيلية

7-2-2026 | 12:47

د. هبة الهواري

طباعة
د. هبة الهواري

مع بدايات العام الجديد 2026 شهدت القاهرة حدثًا ثقافيًا هامًا، وهو افتتاح متحف الفن المعاصر بمجمع الفنون والثقافة بجامعة العاصمة، بحضور د. أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ومحمد عبداللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، ود. إبراهيم صابر محافظ القاهرة، ود. السيد قنديل رئيس جامعة العاصمة، ود. أشرف رضا المدير التنفيذي لمجمع الفنون والثقافة، والأنبا ميخائيل أسقف إيبارشية حلوان، ود. مصطفى رفعت أمين المجلس الأعلى للجامعات، وعدد من رؤساء الجامعات ونواب رئيس الجامعة، ولفيف من قيادات وزارة التعليم العالي، وأعضاء هيئة التدريس، وعدد من الشخصيات العامة.

يبدو لنا بوضوح حين نبدأ رحلتنا الجمالية في تذوق وتلقي هذا العرض بطلًا بارزًا، ألا وهو السيناريو والتخطيط للعرض من الناحية المفاهيمية والناحية السينوغرافية؛ هذا السيناريو الذي صممه الناقد محمد إبراهيم توفيق، حيث استطاع تنسيق هذا العرض الضخم، عدد 128 فنانًا وما يقرب من 150 عملًا فنيًا، فجاءت الأعمال منسقة في ست قاعات بالدور الأول، والدور الثاني تم تخصيصه للأعمال الأبيض والأسود. وتنوَّعت الأعمال التشكيلية ما بين التقنيات والأساليب الفنية والمجالات المختلفة، وكذلك جمعت بينها روح المكان وفلسفة العرض في تشكيلات مفاهيمية متعددة.

يُعَدّ مكانُ العرض التشكيلي فضاءً للحلم، وهو لمصمِّم العروض التشكيلية كمثل الاسكتش التصويري الورقي الأبيض للفنان التشكيلي، ينفتح ليستقبل كافة المعاني، ولكنه على وجه الخصوص بمثابة باب ينفتح على الخيال زمانيًا ومكانيًا. فتلك المساحة الخاصة التي تم ذكرها – سواء تم الإيحاء بوجودها (لتحديد المساحة) أو أكثر من ذلك إذا تم تشكيلها بالفعل (على هيئة مسطح مرتفع) – فإنها تظل فضاءً مجردًا، لا يتم إكسابه تعريفًا ما إلا من خلال اختيار ورؤية مجموعة من العناصر. وبوصفه دلالةً فإنه يشير إلى الانفصال على مستوى الاستمرارية الزمانية والمكانية، وبوصفه صفحةً بيضاء فإنه يبدو قابلًا لكافة الأنظمة البصرية، ويصبح متاحًا لكل إبداعات الخيال. فالإضاءة، والتمثال، واللوحة التصويرية، والتجهيز في الفراغ، وما يحتمل وجوده فيما عدا ذلك من عناصر رمزية أو تصويرية تُعَدّ مكملة للنص التشكيلي، ما هي إلا الصور المتعاقبة أو المتصلة لبثٍّ سردي ذي قنوات إرسال متعددة، ولكن بالتأكيد مرة أخرى على فكرة أن هذا السرد الدرامي لا يحتاج في الواقع سوى إلى فضاء مختلف – فضاء قاعة العرض – وحامل للرسالة (العمل المسطح أو المجسم) حتى يؤكد وضعه ويتم تفعيله في مواجهة المتلقي.

قدَّم الفنان محمد إبراهيم توفيق قاعات العرض في متحف الفن المعاصر كساحة للفعل المتتابع والمتنقل، تقدم شكلًا ولونًا متحركين، في المثال الأول في جانبهم الأساسي كأشكال منفصلة أو فردية متحركة، وملونة أو غير ملونة، وخطية أو مسطحة أو مرنة، ولكنها كذلك مساحة متقلبة ومتحركة، وهياكل تشكيلية قابلة للتحويل. إن هذا التخطيط المفاهيمي لسيناريو العرض التشكيلي يمنح المتلقي متغيرات لا نهائية وشديدة التنظيم في نفس الوقت.

كما قدَّم نصًا مركزًا في صدارة خطة العرض لكل قاعة، فيما يشبه المفهوم المسيطر على اتجاه العرض وعنوانًا لهذه القاعة. فمثلًا في القاعة رقم (1) قدَّم مجموعة من 20 فنانًا مثل مريم عبد العليم، وزينب الدمرداش، وعلية عبد الهادي، ومحمد أبو النجا، ووائل درويش، وأمل نصر، ومحمود عبد العاطي، وفاروق وهبة، ونجيب معين، وغيرهم، حيث حملت تلك القاعة عنوان «ما بين الماضي والحاضر، بين الجذور وروح التجديد». وفي القاعة رقم (3) بالدور الأرضي قدَّم تسعة من الفنانين المصريين الذين تميزوا بلغة التجريد، كالفنان مصطفى عبد الوهاب، والفنان محمد رزق، والفنان رضا عبد السلام، والفنان مصطفى عيسى، والفنانة ريم حسن، والفنان وليد قانوش، والفنان يسري القويضي، والفنان سام شندي، تحت عنوان «لغة الروح».

ولقد قدَّمت لمحاتٍ سريعة التقطتها من قاعات العرض بمتحف الفن المعاصر؛ فالتجريد التشكيلي عند الفنان محمد رزق هو فن الالتقاط الدال، كما قال علماء النفس، حيث يتعامل مع لحظة أو فكرة أو انطباع أو إحساس أو انفعال أو موقف أو زاوية من زوايا الحياة أو لمحة من لمحاتها، ومضة من ومضاتها، مع لحظة الإنسان أو ساعته في مقابل عمره كله. لكن اختيار المبدع لهذه اللحظة لا يكون بفصلها أو عزلها عن سياق اللحظات التي ظهرت فيها، بل بدمج وتجميع هذه اللحظات في عقله، بل واستقطابها في دفقة تشكيلية مركزة. فمن خلال جودة الالتقاط، ثم براعة التشكيل الفني لها، يستطيع الفنان أن يوفر استمرارًا أو امتدادًا وشمولًا وديمومة وانتظامًا للقطته الفذة في الإطار الكلي الذي ظهرت فيه، وفي نفس الوقت يحقق من خلالها استقلالها الخاص وجوهريتها وذاتيتها. وهكذا بدأت في الاقتراب من أعمال الفنان محمد رزق ومن هذا المنطلق.

وقد رصد علماء النفس أن هناك سلسلة من العمليات العقلية والنفسية التي تتحقق في سبيل صياغة الفكرة جماليًا، وهو ما ناقشتُ فيه الفنان محمد رزق، وحاولت تقصي مدى تحققه في هذه المراحل أثناء الصياغة الإبداعية، حيث «يلجأ الفنان خلال محاولته تنظيم مدركاته بطريقة إبداعية إلى عمليات الإدراك والإحساس، والتذوق، والفهم، والمضاهاة، والتحليل، والتركيب، والاستدلال، والاستقراء، والتخطيط، والتذكر، والحذف، والإضافة، والتحوير، والقراءة، والتأمل، والتجول في الواقع لاستكشاف أسراره والتعرف على أبعاده وخباياه. وخلال ذلك يحاول المبدع بشتى الطرق، وبتأثير من عوامل الأصالة والمرونة ومواصلة الاتجاه الذي يبلغ بالمبدع طريق التحقق للفكرة. كما أن الحساسية للمشكلات وغيرها من العوامل الإبداعية تمكِّن الفنان من أن يتحرر من أسر الأنماط المتجمِّدة والقوالب المغلقة، وأن ينفذ إلى أعماق الظواهر المعطاة لاكتشاف دلالاتها وإمكاناتها ومدى قابليتها للتطوير والامتداد».

الفنان مصطفى عبد الوهاب: حيث نشهد إحدى تلك المخلوقات العضوية التي تسبح في فضاء أثيري يمتد بلون السماء، وقد اتخذت هيئة كروية متفجرة تحتل صدر اللوحة، وقد صنعها الفنان بنسيج خطي متتالٍ ومتكرر باستخدام خيوط قوسية تؤكد الجسم الكروي الحي الذي يتشكل عبر سريان قنوات اللون الأبيض السميك، الذي ربما أتى مباشرة من أنبوب اللون. تلتقي مع تلك الخيوط تهشيرات متتالية أيضًا من نفس النسيج الحركي واللوني المشرب بترقرات الرمادي المخفف كالألوان المائية في تداخلاتها وتشرب سطح التوال لها. تنفلت من أسر الجذب وتخف وتحلق في سديم لوني، وهي تبث شذرات من لون الذهب. وتكثيف العمل بالخطوط المقوسة البارزة إلى حدٍّ ما يعطي المتلقي إحساسًا بالملمس الخشن الثري الذي يعظم من قدر التجسيم والتكتل الكروي في قلب الفضاء التشكيلي. وقد جعلها مصطفى عبد الوهاب تتخذ مكانًا مائلًا في صدر المسطح، ومنح اللون الذهبي المنطلق من قلب الجوهر الكروي اتجاهًا نحو يسار اللوحة، وفتح المساحة النسيجية البيضاء كالأغشية الرحمية نحو اليمين، وكأنها بذرة الخلق في كمونها الكوني، وقد انشقت عن بذور ستملأ العالم بالحياة.

قدَّم الفنان محمد إبراهيم توفيق في القاعة الثانية من الدور الأرضي، تحت عنوان «وجوه وأجساد»، مجموعةً من 19 فنانًا، منهم الفنان حمدي عبد الله، والفنان مدحت نصر، والفنان كمال عبيد، والفنان السيد عبده سليم، والفنان خالد سرور، والفنان محفوظ صليب، والفنانة هند الفلافلي، حيث كتب في النص المصاحب للعرض: «من الواقعية إلى التعبيرية الحرة».

محفوظ صليب.. بناء الجوهر ودأب التشكيل: نراه يمارس النحت والتشكيل من العمق كشكلٍ من أشكال الوعي، وتعبيرًا عن «الشفافية المتبادلة» بين ذهنين؛ ذهن المتلقي وذهن المبدع. فهو ينشغل حتمًا باستجابة المتذوق (reader-response)، كما ينشغل بتلامذته في قاعة الدرس. ومن ثم يمضي محفوظ صليب في فحصه للهيئة البشرية الخالدة لحضن الأم، ذلك الكيان الوارف المطل على من حوله في حنان. يشكلها الفنان مستلهمًا كل طاقات الأيقونات القديمة للأم التي يستدعيها الوعي الجمعي عند تلقي أعمال صليب، فيتحقق الوجود الهادر للعمل الفني في وجداننا وأبصارنا معًا، كما يقول إيزر عما يسميه «فعلية العمل الفني» (virtuality)، ويقصد به أن العمل الفني ذو وجود فعلي لا يتحقق إلا بخبرات القراءة المتعددة، مثل النص المسرحي الذي يمكن إخراجه بطرق لا تُعد ولا تُحصى. فالفنان هنا يمارس درجة عالية من درجات الصهر والصياغة النغمية العالية للجسد الأنثوي المسربل بالرداء، ويستخدم غطاء الرأس الذي رأيناه عند الفلاحات، وفي ملابس السيدات في صعيد مصر، وفي تماثيل العذراء والقديسات. ويتماهى جسد الأنثى بغلالتها المتموجة المرنة، التي تتحول ككتلة صاخبة بالحركة تحتضن كيانات صغيرة طيرية، مزج فيها تشكيل الرأس الآدمية للمرأة واستدارتها ودقة تفاصيل وجهها بانحناءات جسد اليمامات المختبئة في حضنها، وهي تحوطهم وتتحد بهم. ونرى القدرة على تركيز المعطيات البصرية دون إسراف، ودون لجوء إلى حكي تفصيلي، وباستخدام درجات عالية من الحذف والتجريد للكفين وللنصف السفلي من الجسد.

أما في القاعة رقم (4) فقد جاء تنسيق العرض تحت عنوان «خريطة للذاكرة»، في مجموعة من ثلاثة عشر فنانًا، منهم ناجي فريد، وعبد العزيز الجندي، وعبد الله جوهر، وتهاني العادلي، ومحمد رضوان.

يعرف الفنان عبد العزيز الجندي قيمة الصمت، ويعرف قيمة الغناء، فيغني إذا فاض به الوجد ويبوح، يبحث في اختراق مسطح اللوحة الأكاديمية ليحطم لغتها الكلاسيكية، ويقوم بتفكيك العالم وبنائه من جديد، يصنع تلك البعثرة الحكيمة في براحه الجديد، وتلك الومضات التي تفوح منها تأثيرات فن الجرافيك وتقاليد المنظر الطبيعي القديم والعقود المعمارية السابحة في براح وعيه الفني، وسريان اللون مع الماء بين الوريقات الذهبية والمخرمات والملصقات الدقيقة المنمنمة. نجده يفتح عتبات وبوابات ودرجات ترقى بالساري حتى الوصول إلى المدى المفتوح، لم يسد مجال الرؤية، ولم يضع حلاً أو وسيلة للسلوك، بل فتح مسارات وفروعًا لا متناهية تكاد تؤدي إلى بعضها، وتؤدي إلى حقيقة البراح، حيث مصب ذلك السيل الجارف الذي يحلم به.

وفي القاعة رقم (5) في الدور الأرضي قدم منسق العرض سيناريو يدور حول مفهوم: «نبض الطبيعة في حوار بين الرقة والقوة»، في مجموعة من ثلاثة عشر فنانًا، مثل أشرف مهدي، وناثان دوس، وحازم فتح الله، وجميل شفيق، وسعيد حداية، ونعيمة الشيشيني، وطارق زبادي، وأحمد عبد الكريم.

الفنانة أمل نصر تخلق لوحاتها كأنها بقايا وشظايا انفجار عظيم تلف وتدور، هدير متتابع وصخب، تفاصيل كثيفة، عالم قديم قد صنعته يداها قبل أن يولد اللون، قبل أن تعرف الأشياء أسماءها، فيوض تمور في محيطات اللجة الأولى، قبل أن يبزغ الخلق من تلها الأزلي، وروح الرب ترف على الماء. تلك المجموعات التي أنجزتها الفنانة أمل نصر على ورق قطن مقاساته 50 سم × 70 سم، وهي منفذة باستخدام خامات مختلطة مثل الأحبار الصينية، وأحبار الإيكولين، وأصابع الفحم، وألوان الجواش، والتي جاء عنوانها «ظل الماء»، أيقظت تلك الأعمال الجياشة ذائقتي التشكيلية، ودفعتني للقراءة والتفاعل البصري معها بصورة تشبه الممارسات التي كان يفضلها السيرياليون حين يطلقون العنان للعقل الباطن للتعبير اللحظي وقت التعرض للمؤثر النفسي، وهو ما حدث لحظة تلقي تلك اللوحات الست بشكل متدفق وسريع، ومشابه أيضًا للحالة الإبداعية التي أنتجت هذه الأعمال. هذا التجريد المحرض على القراءة، وتلك الفجوات، والدفقات المتتالية، هذا النقصان، تلك الهيئات المعلقة، السابحة في البين بين، عدم الاكتمال يخلق الشجن، ترى كيف كانت تلك المخلوقات قبل أن يمزقها الانفجار!

الفنانة أسماء الدسوقي: استدعاء الروح بعد أن يصمت العالم. لحظات فارقة في رحلة التشكيل لدى أسماء حين تقوم بتحويل المبنى إلى كتل من الطاقات الحركية النابضة، وتسمو بروح المكان وتخاطبه، وهي تنجلي في وجد صوفي، وتتحاور معه تلك الأرواح القديمة منذ بدء التكوين، وكأنهم سوف يردون حديثها، وهي تستدعيهم كي ينعقد المشهد الروحي المكتمل في تجربتها، حيث تفكيك الارتباط بين العناصر، وبث قواعد جديدة للتجاذب والالتقاء والتزاوج بين الثنائيات، فها هو قطاع يثبت، وقطاع آخر ينفلت من المكان. تلك الطاقات الروحية الخلابة التي تكسبها أسماء لعناصرها وتتحاور معها، وذلك التبادل بين الأنوار والإشراقات الروحية التي تطوف بالمكان.

قدمت الفنانة فاطمة عبد الرحمن تلك التعاريق النباتية التي أنجزتها مستخدمة فيها استراتيجيات تقترب من الارتجال اللحظي والتداعي الحر، المؤطر في امتدادات زمنية طويلة قد تصل إلى ثلاثين يومًا أو يزيد، في مثابرة التعاطي والتحاور والمشقة بين ذاتها والمسطح التشكيلي، مستخدمة نوعًا وحيدًا ومحددًا من أقلام الحبر الجاف الخفيف اليابانية، على ورق كانسون ذي ملمس خشن ثري، ذي نقاط عالية الكثافة. استخدمتها فاطمة ببراعة في تسلسلات من التكوينات الطبيعية النباتية، ورأيت في أعمالها تلك الطبقات التاريخية من دراسة الطبيعة النباتية، وإتقان اللغة التي تتحقق بها تلك العناصر في البيئة الواقعية، ثم صهرها في درجات عالية من التأمل والعشق، بحيث تتحول القدرة على الصياغة إلى لغة شديدة التفرد والخصوصية، وفي الوقت نفسه شديدة التوافق مع المنطق الذي بُنيت عليه في الخلق الأول، حيث الطبيعة البكر، وهذا المنطق الصوفي الذي يسمح فيه الرب للسالكين بالبوح من نفس نسيج الروح الكلية المتحكمة في الناموس. فتتشكل أمام أبصارنا كائنات شاهقة من التلافيف والتعاريق والجذور والتشابكات والانسدالات المنمنمة بعناية وصمت بليغ.

الاكثر قراءة