رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

تبسيط نظريات قراءة العمل النحتي: بين الكتلة والفراغ والتشابك المعرفي

7-2-2026 | 12:37

د. حاتم شافعي

طباعة
د. حاتم شافعي

يمثل النحت أحد أقدم وأعمق أشكال التعبير الإنساني، ليس بوصفه ممارسة تشكيلية فحسب، بل بوصفه فعلًا معرفيًا ووجوديًا، يضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع المادة والفراغ، ومع أسئلة الحضور، والغياب، والخلود. فمنذ اللحظة التي أمسك فيها الإنسان الأول بالحجر وشكّله، لم يكن يسعى إلى محاكاة شكل طبيعي بقدر ما كان يحاول تثبيت معنى، أو استدعاء قوة غيبية، أو تأكيد وجوده في عالم ملتبس. ولهذا ارتبط النحت، عبر تاريخه الطويل، بالمقدّس، والسلطة، والجسد، والموت، أكثر مما ارتبط بالزينة أو المتعة البصرية.

إن قراءة العمل النحتي ليست نشاطًا وصفيًا أو تذوقيًا، ولا يمكن اختزالها في تحليل تقني للخامة أو الأسلوب، بل هي فعل تأويلي مركّب، يتقاطع فيه الجمالي بالفلسفي، والتشكيلي بالأنثروبولوجي، والنفسي بالاجتماعي. فالنحت، على خلاف الفنون المسطّحة، لا يُشاهد فقط، بل يُعايش؛ يُدرك بالجسد كما يُدرك بالعين، ويُفهم من خلال الحركة حوله، والاحتكاك بفراغه، والإحساس بثقله أو هشاشته. من هنا، يصبح العمل النحتي فضاءً مفتوحًا لتشابك المعارف، لا يمكن مقاربته من خلال نظرية واحدة أو منظور أحادي.

شهد القرن العشرون، على وجه الخصوص، تحولات جذرية في فهم النحت وقراءته، تزامنت مع تحولات كبرى في الفكر الإنساني ذاته. فقد تراجعت فكرة التمثال بوصفه كيانًا مكتملًا وثابتًا، لصالح رؤى أكثر انفتاحًا على التفكيك، والاختزال، والتجريد، بل والتشكيك في وجود التمثال نفسه. ومع هذه التحولات، ظهرت نظريات متعددة حاولت تأطير فعل قراءة العمل النحتي، كل منها انطلق من مرجعية معرفية مختلفة.

ركزت القراءة الشكلانية على البنية الداخلية للعمل، معتبرة أن المعنى يكمن في العلاقات بين الكتلة والفراغ، والتوازن والإيقاع، والنسب والتماثل. يظهر هذا المنظور بوضوح في أعمال النحات الروماني–الفرنسي كونستانتين برانكوزي – Constantin Brâncuși (1876–1957)، الذي سعى إلى اختزال الشكل إلى جوهره، متجاوزًا الوصف الخارجي نحو الفكرة الخالصة. في أعمال مثل Bird in Space، لا يعود الطائر موضوعًا، بل حالة وجودية، تتحول فيها الكتلة إلى فكرة طيران، ويصبح النحت أقرب إلى تأمل فلسفي في الحركة والسمو.

في المقابل، انطلقت القراءة التعبيرية من افتراض أن العمل النحتي هو امتداد مباشر لانفعالات الفنان وصراعاته الداخلية. ويُعد أوغست رودان – Auguste Rodin (1840–1917) أحد أبرز ممثلي هذا الاتجاه، حيث تتسم أعماله بتوتر داخلي واضح، وتبدو الكتلة فيها وكأنها في حالة تشكّل دائم. في المفكر أو بوابة الجحيم، لا تُفهم الخشونة أو عدم الاكتمال بوصفها نقصًا تقنيًا، بل بوصفها لغة تعبيرية تعكس قلق الإنسان الحديث وصراعه مع الفكر والمصير.

أما القراءة السياقية، فقد رأت في العمل النحتي نتاجًا مباشرًا لبنيته الاجتماعية والتاريخية. فالنحت، من هذا المنظور، لا ينفصل عن السلطة، أو العقيدة، أو الأيديولوجيا. ويمكن قراءة التماثيل الفرعونية الجالسة، ذات الوضع الأمامي الصارم، بوصفها تجسيدًا لفكرة الاستقرار والخلود، حيث تُختزل الحركة لصالح الثبات، ويُمحى الفرد لصالح الوظيفة الرمزية. وبالمثل، حمل النحت الواقعي الاشتراكي في القرن العشرين خطابًا أيديولوجيًا واضحًا، مجّد الجسد العامل بوصفه رمزًا جماعيًا، لا كيانًا فرديًا.

تتعامل السيميولوجيا مع النحت بوصفه نصًا بصريًا ثلاثي الأبعاد، مكوّنًا من علامات قابلة للتأويل. في أعمال ألبيرتو جياكوميتي – Alberto Giacometti (1901–1966)، يتحول الجسد الإنساني إلى علامة وجودية، تشير إلى العزلة والهشاشة والاغتراب. فالأجساد النحيلة الممتدة في الفراغ لا تمثل الإنسان تشريحيًا، بل تعبّر عن وضعه الوجودي في عالم فاقد للمعنى.

وتستبطن القراءة النفسية العمل النحتي بوصفه سطحًا تطفو عليه رموز اللاوعي الفردي والجمعي. وقد استفادت هذه القراءة من التحليل النفسي الفرويدي واليونغي، خاصة في النحت السريالي. ففي أعمال هانس أرب – Hans Arp (1886–1966)، تظهر الأشكال العضوية الحرة بوصفها تدفقات لاواعية، ترفض الهندسة الصارمة، وتستدعي الطبيعة والحلم. كما استلهم هنري مور – Henry Moore (1898–1986) رموز الأم، والاحتواء، والكهف، فجعل من الجسد كتلة طبيعية تحمل أبعادًا أسطورية وإنسانية عميقة.

وفي سياق موازٍ، فتح النحت البنائي آفاقًا جديدة لقراءة العلاقة بين الكتلة والفراغ، كما في أعمال ناعوم جابو – Naum Gabo (1890–1977)، الذي تعامل مع الفراغ بوصفه عنصرًا إنشائيًا، لا مجرد محيط للكتلة. هنا يتقاطع النحت مع الرياضيات والهندسة، ويتحول العمل إلى بناء بصري قائم على النسب والعلاقات، في صدى معاصر لفكرة النظام الكوني.

وتواصل باربرا هيبورث – Barbara Hepworth (1903–1975) هذا الحوار، حيث يصبح الفراغ الداخلي جزءًا أساسيًا من التجربة الجمالية، ويُقرأ العمل من خلال تجاويفه ومساراته بقدر ما يُقرأ من خلال سطحه الخارجي. وتُفعّل هذه الأعمال دور المتلقي، الذي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يشارك في إنتاج المعنى عبر الحركة والتأمل.

ولا يمكن إغفال الجذور الكلاسيكية التي أسست لفكرة الجسد المثالي، كما في أعمال بوليكليتوس – Polykleitos (القرن الخامس ق.م)، الذي وضع «قانون النسب»، جاعلًا من الجسد معادلة رياضية قائمة على التوازن، وبلغ هذا التصور ذروته في عصر النهضة مع ميكيلانجيلو بوناروتي – Michelangelo Buonarroti (1475–1564)، حيث تحوّل الجسد إلى تجسيد للقوة الروحية والعقلية، لا للعضلات وحدها.

في النحت المعاصر، تتسع دائرة القراءة مع أعمال ريتشارد سيرا – Richard Serra (1938–2024)، الذي جعل من الكتل المعدنية الضخمة تجربة جسدية مباشرة، حيث يتحرك المتلقي داخل العمل، ويختبر ثقله وفراغه، ويصبح جزءًا من بنيته الدلالية. أما جوزيف كوسوث – Joseph Kosuth (مواليد 1945)، فقد دفع بالنحت نحو المجال المفاهيمي، حيث تسبق الفكرة الشكل، ويتحول المجسم إلى سؤال فلسفي مفتوح حول معنى الفن ذاته.

ضمن هذا السياق العالمي، يحتل النحت المصري، قديمه ومعاصره، موقعًا مركزيًا في فهم تطور النحت وقراءته. ففي النحت المصري القديم، لم تكن الكتلة تعبيرًا ذاتيًا، بل وعاءً للروح، وضمانة للخلود.

وقد خضعت الأشكال لقوانين صارمة من الثبات والتماثل والاتجاه الأمامي، تعكس تصورًا كونيًا للزمن والوجود. وعلى نحو لافت، تعود كثير من مفاهيم النحت الحديث — كالاختزال، والكتلة الصافية، والصمت الدلالي — إلى هذه الجذور، وإن أعيدت صياغتها ضمن أطر فلسفية معاصرة.

أما النحت المصري المعاصر، فقد تعامل مع هذا الإرث بوصفه مادة للتأويل لا للتكرار. فالكتلة لم تعد رمزًا للخلود، بل حاملة للذاكرة، والفراغ لم يعد صمتًا، بل مساحة تساؤل. وهنا تتقاطع القراءة النفسية والسيميولوجية ونظرية التلقي، لتفتح العمل النحتي على أسئلة الهوية، والجسد، والسلطة، والمدينة.

إن القراءة الشمولية للعمل النحتي لا تبحث عن معنى واحد نهائي، بل عن شبكة علاقات متداخلة. إنها قراءة ترى في النحت مادة تفكّر، وفراغًا يتكلم، وجسدًا رمزيًا يعكس قلق الإنسان وأسئلته. ومن هذا المنظور، لا يعود تاريخ النحت تاريخ أساليب، بل تاريخ أسئلة كبرى ظل الإنسان يطرحها على المادة والفراغ عبر العصور.

الاكثر قراءة