في أقدار الرجال لا يُقاس العمر بعدد السنوات، بقدر ما يُقاس بما راكموه من مواقف، وما خلّفوه من أثر، وما انحازوا إليه حين اشتد الالتباس، وارتفعت الأصوات، وتنازعت الأهواء.
وفي سيرة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لا يبدو العمر رقمًا في شهادة ميلاد، بل خلاصة مشروع فكري وأخلاقي طويل، يمكن اختزاله في عبارة واحدة: «الانحياز للإنسان».
لم يكن هذا الانحياز شعارًا طارئًا، ولا موقفًا موسميًا تفرضه الضغوط، بل خيارًا مبكرًا تشكَّل في وجدان رجل خرج من صعيد مصر، محمولًا على فطرة ريفية تعرف الناس قبل أن تُصنِّفهم، وتختبر التعايش قبل أن تنظِّر له.
في القرنة بالأقصر، حيث التاريخ حاضر في الحجر والبشر، تعلَّم الفتى أن الإنسان أسبق من اللافتات، وأن التدين الحقيقي لا يُقاس بالادعاء، بل بالرحمة.
وحين انتقل إلى الأزهر، لم يكن ينتقل إلى مؤسسة تعليمية فقط، بل إلى تاريخ ممتد من مقاومة الفتن، وصناعة التوازن، والانحياز للوسطية. ثم جاءت دراساته الفلسفية والكلامية في القاهرة وأوروبا، لتمنح هذا القلب الصوفي عقلًا نقديًا، قادرًا على التمييز بين الدين والسياسة، وبين الثابت والمتغير، وبين النص وسوء استخدامه.
لهذا لم يكن مفاجئًا أن يقف الإمام الطيب، في أكثر لحظات التاريخ المصري والعربي اضطرابًا، موقفًا واضحًا لا لبس فيه: «لا دولة دينية كهنوتية باسم الإسلام، ولا دولة تجحد الدين باسم الحداثة، بل دولة مواطنة وطنية دستورية، تحفظ الإيمان وتحمي الحقوق، وتُحسن الفصل بين المجالين الديني والسياسي دون عداء أو تداخل مفسد».
لم يخلع عباءة العالِم ليرتدي عباءة السياسي، حتى حين كانت السياسة مغرية في جذبها، نافذة في صراخها، والسلطة ملقاة على قارعة الفوضى.
في لحظةٍ ظنَّ فيها الطامعون أن الدين صار مطيَّة جاهزة للسلطة، واعتقد فيها آخرون أن خلاص المجتمع لا يكون إلا بإقصاء الدين، وقف الإمام الطيب في المسافة الأصعب: «المسافة الأخلاقية».
منذ توليه مشيخة الأزهر عام 2010، أدرك أن معركته ليست إدارية ولا بروتوكولية، بل معركة على معنى الدين ذاته.
بيان المهمة كان واضحًا منذ أيامه الأولى: استعادة الأزهر كمرجعية للعقل المسلم، وتجديد يقوم على اجتهاد جماعي مؤسسي، لا على صخب فردي، ولا يحرق التراث ولا يُقدِّسه خارج سياقه، بل يقرأه بعين المقاصد وحاجات العصر.
من بين العقود الثمانية، ستة عشر عامًا على كرسي المشيخة الكبرى، واجه فيها الإمام الطيب محاولات تسييس الأزهر، ومحاولات موازية لتجريده من دوره، فحافظ على استقلاله، ورسَّخ تعدديته المذهبية والفكرية، ورفض تحويله إلى أداة في صراع السلطة أو إلى شاهد صامت على تشويه الدين.
خاض الإمام معاركه الكبرى بهدوء الواثق لا بضجيج المتنازع، فتصدى للتكفير، ورفض أن يمنح نفسه أو الأزهر رخصة إخراج الناس من الدين، وحاصر الفتن الطائفية، وأسَّس لمفهوم المواطنة الكاملة، ورفض مصطلحات تنتقص من كرامة المواطنين في سياقها العصري، مؤكدًا أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات، وأن حماية الكنائس والصوامع واجب شرعي قبل أن يكون التزامًا وطنيًا.
وفي قضايا المرأة، كان صوته واضحًا غير موارب: كثير مما يُمارس ضد النساء باسم الدين لا علاقة له به، بل هو ميراث عادات وتقاليد طغت على الشريعة.
دافع عن حق المرأة في الكرامة والمشاركة وتولي المواقع القيادية، ورفض العنف المسنود زورًا إلى النصوص، وأعاد الاعتبار لمقاصد العدل والرحمة، وفضح العادات والتقاليد المجحفة والظالمة للمرأة التي يجري تقديمها للناس وكأنها جزء من الدين.
وحين اختُطفت صورة الإسلام على يد تنظيمات متوحشة، لم يكتفِ الإمام بالإدانة اللفظية، بل خاض المعركة الأصعب: «تصحيح المفاهيم».
طوَّر المناهج، وأطلق مئات الإصدارات الفكرية، وفتح مساحات الحوار مع العالم، وذهب إلى الشرق والغرب مخاطبًا العقل والضمير، حتى استعاد الأزهر مكانته كمرجعية إصلاحية يعترف بها العالم.
وجاءت «وثيقة الأخوة الإنسانية» تتويجًا طبيعيًا لهذا المسار، لا لحظة دعائية عابرة، كوثيقة أعادت التذكير بأن السلام ضرورة دينية، وأن الأديان لا يمكن أن تكون وقود صراعات، وأن كرامة الإنسان أصل لا يقبل التجزئة.
وفي قلب هذا كله، ظل موقف الإمام من فلسطين ثابتًا لا يلين، بوصفها جرحًا إنسانيًا كاشفًا لاختلال النظام الدولي، وازدواجية الخطاب الحقوقي، وانهيار القيم حين تُقاس الحقوق بالقوة والهوية.
لم يكن موقفه سياسيًا بقدر ما كان أخلاقيًا، ينطلق من شريعة لا تُقر الظلم، أيًا كان فاعله، وأيًا كانت هوية المظلوم.
وفي زمنٍ تكسَّرت فيه خرائط العالم الإسلامي على صخور الصراعات المذهبية، وتحوَّل فيه الخلاف الفقهي إلى اقتتال سياسي، وصار التكفير لغة شائعة، لا استثناء، اختار فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب أن يبدأ من حيث يجب أن يبدأ الدعاة الصادقون: إنقاذ المعنى قبل إنقاذ السلطة، وتوحيد الصف قبل ادعاء النصر.
لم تكن مبادرته للحوار الإسلامي، ولا «نداء أهل القبلة»، مجرد تحرك تكتيكي لاحتواء أزمة عابرة، بل تعبيرًا عميقًا عن وعي مبكر بأن تمزق الأمة أخطر على الإسلام من أعدائه، وأن الفتن الداخلية أفتك من كل حملات التشويه الخارجية.
كان السؤال الجوهري الذي واجه الإمام الطيب منذ سنواته الأولى على كرسي المشيخة: «كيف يمكن لأمةٍ تتناحر باسم المذهب أن تدافع عن قيمها في عالمٍ لا يرحم الضعفاء؟»
من هنا أطلق دعوته التاريخية للحوار العلمي بين مكونات الأمة الإسلامية بعيدًا عن خلافات الساسة والسياسيين، وجاء نداء أهل القبلة، بوصفه محاولة جادة لإعادة بناء الوعي الإسلامي على أساس بسيط وعميق في آنٍ واحد: «أن الخلاف بين السنة والشيعة ليس خلافًا في أصل الدين، بل في الرأي والاجتهاد، وأن التعدد المذهبي، متى انضبط بأخلاق الاختلاف، ليس لعنة بل ثراء، وليس سببًا للفرقة بل مدخلًا للتعارف».
في لحظةٍ كان فيها خطاب التحريض المذهبي يُستثمر سياسيًا، ويُغذَّى إعلاميًا، ويُسوَّق دينيًا، وقف الإمام الطيب موقفًا مكلفًا لا شعبويًا، رافضًا منطق الإقصاء، ومؤكدًا أن وحدة الأمة لا تعني صهرها في قالب واحد، بل إدارتها بعقل رشيد يحترم التنوع ويمنع الاقتتال.
لم يكن هذا النداء موجَّهًا للعامة فقط، بل للنخب الدينية قبل غيرها، محمِّلًا العلماء مسؤولية تاريخية عن الدم الذي يُراق باسم التأويل.
هذا المدخل ليس تفصيلًا في مشروع الإمام الطيب، بل صدره الطبيعي؛ فمن لا يملك رؤية لتوحيد الأمة، لا يملك أهلية الحديث عن تجديد الدين، ولا عن استعادة دوره الإنساني.
وحين نضع هذا الوعي في سياق بلوغه الثمانين، نفهم أن العمر هنا ليس زمنًا بيولوجيًا، بل تراكم خبرة، وامتحان صبر، وتأكيد موقف.
ثمانون عامًا عاشها الإمام الطيب وهو يختبر المعنى قبل أن يعلنه، ويزن الكلمة قبل أن ينطقها، وينحاز للناس لا للشعارات.
وحين بلغ الإمام الطيب الثمانين، تحرَّج من الاحتفاء بنفسه، وفضَّل أن ينشغل الناس بقضايا أمتهم الجريحة، وكأن هذا الزهد الشخصي امتداد طبيعي لمنهج لم يعرف يومًا طلب سلطة ولا سعيًا لمجد، بل أداء أمانة.
ثمانون عامًا من عمر الإمام الطيب ليست مناسبة شخصية بقدر ما هي محطة تأمل عامة، تأمل في معنى أن يقف رجل دين في صف الإنسان، وأن يكون قويًا في الحق دون تشدد، ومسالمًا دون ضعف، ومستقلًا دون انعزال.
لهذا لا يبدو الاحتفاء بعيد ميلاده احتفاءً بشخص، بل اعترافًا بمنهج يحتاجه عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى: منهج يُعيد للدين وجهه الإنساني، ويُذكِّر بأن الانحياز للإنسان هو أصدق طرق الوصول إلى الله.