قليلٌ من يعيشون في ذاكرة التاريخ بهذا الحضور القوي المتميِّز سلوكًا راقيًا وعلمًا مفيدًا لمدة أربعة عشر قرنًا مضت من عمر هذا الزمان، وقليلٌ من يتفق عليه الناس بهذا القدر الكبير من المديح وعبارات الثناء التي تدخل القلوب فتزداد حبًّا واحترامًا له، وقليلٌ من أعطى بهذا السخاء فأبدع، واكتشف فأجاد، واعتزل الناس وهم مشغولون به، وقليلٌ من اتصف بهذا التديُّن العميق والزهد المفيد وتلك السماحة العالية، وهذه النفس النقية السامية، والحكمة الواعية، وهذا التأثير المستمر في أبناء العربية، وقليلٌ من أصبح ظاهرة يقف الناس حولها كل آن، وقليلٌ من كان له تلك النظرة الثاقبة، ما نظر إلى علمٍ إلا واكتشف فيه شيئًا، وقليلٌ من كان أبيًّا شامخًا مع حاجته الواضحة.
ذلكم هو الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي يُعَدُّ على رأس هؤلاء جميعًا – إن وُجدوا – مؤصِّل علم النحو العربي وواضع مصطلحاته، وباسط مسائله، ومسبِّب علله، ومفتِّق معانيه، أستاذ أهل الذكاء والفطنة، مكتشف علمي العَروض والقافية، الموسيقي، الرياضي، المعجمي، المحدِّث النحوي اللغوي.
شغل الخليل الناس بخلقه وعلمه وتراثه الذي تركه على مدى خمسة وسبعين عامًا، منذ ولادته عام مائةٍ من الهجرة إلى وفاته عام خمسة وسبعين ومائة، ثم شغل من بعده بعلمه الوفير واكتشافاته المفيدة وتاريخه المشرِّف وأخلاقه الحميدة. لم أعرف أحدًا نال كل هذا الحب والإعجاب والتقدير من كل من قابلهم في حياته من أساتذته أو تلاميذه أو المعاصرين له، وكل من تحدثوا عنه من مترجمين ودارسين لكتبه وعلمه من المعاصرين، إلى حدٍّ يصل أحيانًا إلى حيرة القارئ ودهشته مما يُقال حبًّا وإعجابًا بعلمه وسلوكه واحتفاءً بحياته وتديُّنه وزهده.
ولنستمع إلى سفيان الثوري حينما يقول عن الخليل: «من أحب أن ينظر إلى رجل خُلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد». وفي معجم الأدباء يُروى عن النضر بن شميل أنه قال: كنا نمثِّل بين ابن عون والخليل بن أحمد أيُّهما نُقدِّم في الزهد والعبادة فلا ندري أيهما نُقدِّم، وكان يقول: أكلت الدنيا بعلم الخليل وكتبه وهو في خِصٍّ لا يشعر به أحد.
وإذا كان النضر بن شميل تلميذه يعترف بقيمته العلمية الكبيرة وتديُّنه وزهده، فإن أستاذه أبا أيوب السختياني لم يبتعد عن ذلك المديح للخليل، حيث عرَف أبو أيوب حقَّ الطالب المُجدِّ وقدَّر ذكاء الخليل، وإذا بالخليل يصبح أخصَّ تلامذته وأقربهم إليه. ولا يمضي القليل من الزمن حتى يعلم الخليل من السُّنَّة والحديث أكثر مما يعرفه كل أصحاب الشيخ. كان الخليل يسمع من شيخه مديحًا كثيرًا ويلقى منه محبة خالصة، لكن ذلك كان يزيده تواضعًا واحترامًا. كان شأن الخليل شأن معظم العلماء النابغين، يصرفهم نبوغهم عن الاكتراث بالشهرة وعن الاحتفال الشديد بالنفس.
لقد انقطع الخليل للعلم واتصل بالكثيرين من علماء العربية في مجالات مختلفة، تتلمذ على أيديهم فكوَّنوا ثقافته العربية الأصيلة. استمر الخليل في طلب العلم من البوادي إلى أن أصبح على هذا القدر الكبير من المعرفة والتحصيل والتأليف، فقد «كان رحمه الله من أذكياء التاريخ وعباقرة العلماء، صنع للعربية كثيرًا، وآتاها من الفضل ما لم يؤتها أحدٌ من العلماء، ابتكر العَروض، وخرج به إلى الناس علمًا كاملًا، فضبط به الشعر العربي وحفظه من الاختلال، وابتكر طريقة أحصى بها مفردات اللغة وميَّز بها المهمل من المستعمل، ثم دوَّن على هداها معجم العين». (من كتاب: سيبويه إمام النحاة لعلي النجدي ناصف، صفحة 91). ولم يبخل الخليل بعلمه على تلاميذه فنهلوا وعلوا من ينابيعه، إلى أن أصبح له مجموعة كبيرة من التلاميذ الذين حملوا لواء العلم من بعده.
وسواء وُلِد الخليل في عُمان على شاطئ الخليج العربي كما تشير بعض المراجع، أو وُلِد في البصرة كما تشير بعض المراجع الأخرى، فالمؤكَّد أنه أزديٌّ يحمَديٌّ عربيٌّ أفاد العربية بعلمه ومنهجه الكشفي لخبايا النحو العربي، والعَروض، وعلم المعاجم، وربما علم الموسيقى أو علوم أخرى ضاع ما كتبه فيها ضمن ما ضاع من كتبه التي ذكرتها كتب التراجم، وهي كثيرة لم يصلنا منها إلا القليل، وضاع معظمها. وجاء القليل من أفكاره عن طريق هذا القليل الذي خرج إلى النور، وكذلك عن طريق تلاميذه الذين نقلوا جزءًا من فكره، كما فعل سيبويه في الكتاب. وأعمال الخليل المنسوبة إليه كثيرة، منها: كتاب العين، والنغم، والإيقاع، والعَروض، وكتاب النقط والشكل، وكتاب الشواهد، وكتاب في العوامل، وكتاب الجُمَل، وكتاب فائت العين، والمعمَّى، وجملة آلات العرب، وكتاب في معنى الحروف، وكتاب شرح صرف الخليل، وكتاب التفاحة في النحو، كما أشار تقرير البعثة المصرية في اليمن، ومنه نسخة مخطوطة هناك.
هناك كتب كثيرة تناولت حياته بالتفصيل، وهي حياة مليئة بالكفاح العلمي والجهاد في سبيله، وهو أكبر من أن تضمَّ سيرته وحياته بحثٌ واحد أو كتابٌ واحد، لهذا كان غرضنا أن نقدِّم هذا التعريف الوجيز الذي يكشف عن ملامح شخصيته، وذلك لإمكانية المقارنة بين ما ورد عنه، وما يمكن أن تقدمه النماذج التي مثَّل بها في منظومته النحوية من ملامح حياته تديُّنًا وزهدًا وورعًا وحكمة، وما يمكن أن تقدمه تلك النماذج من ملامح اجتماعية لحياة الخليل.
شخصية الخليل من خلال منظومته النحوية
والحقيقة أننا عندما نقرأ عن الخليل وأخباره وذكائه وعبقريته، ونتأمل أشعاره الواردة في الكتب المختلفة، ونماذجه التي مثَّل بها في قصيدته النحوية (المسماة: المنظومة النحوية المنسوبة للخليل بن أحمد، وقد قام كاتب هذه السطور بتحقيقها وطباعتها بدار الكتب والوثائق المصرية)، فإننا نجد شخصًا مُقبِلًا على الحياة، متمتعًا بلقاء الناس في حوارات علمية أو اجتماعية، صاحب غزل رقيق وخيال خصب، تَسبيه المرأة الحسناء بجمالها، يتحرَّك قلبه لدواعي الهوى. ولعلنا فيما يلي نجد ما يفصح عن تلك الظاهرة الاجتماعية، فهو ليس منعزلًا عن المجتمع، حابسًا نفسه، كما قيل عنه.
ولعل تأكيد المؤرخين على زهده ورفضه للمال واكتفائه بالقليل كان من قبيل إيضاح أن الخليل ما كان يقف على أبواب الولاة طالبًا، أو يسعى لشهرة أو مال، ولعل ما ورد في معجم الأدباء لدليل على ذلك.
يقول ياقوت الحموي عن الخليل: «وُجِّه إليه سليمان بن علي إلى الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل لرسول سليمان خبزًا يابسًا، وقال: ما دمتُ أجده فلا حاجة بي إلى سليمان. فقال الرسول: فما أُبلغه عنك؟
فقال:
أبلِغْ سليمانَ أني عنه في سَعَةٍ *** وفي غِنًى غيرَ أني لستُ ذا مالِ
سَخِيَتْ بنفسي أني لا أرى أحدًا *** يموت هَزْلًا ولا يبقى على حالِ
والفقرُ في النفس لا في المال نعرفه *** ومثلُ ذاك الغنى في النفس لا المالِ
فالرزقُ عن قَدَرٍ لا العجزُ ينقصه *** ولا يزيدك فيه حَوْلُ مُحتالِ».
هذه نفسٌ أبيَّةٌ زاهدة لا تطمع إلا فيما يسدُّ الرمق من الحياة، لا تجري وراء الكثير الفاني. فالخليل يفعل ذلك لا يخاف أن يقطع سليمان راتبًا كان للخليل.
قال أحد الباحثين: «إن زهده وعفة نفسه وعزته وإباءه، كلُّ أولئك حال بينه وبين الشهرة، وقعد بصيته أن يطير حينذاك، وبفضله أن يُنشر ويُذاع؛ لأنه آثر أن يُغلق عليه بابه، فما يجاوزه همُّه عن أن يقف على باب أمير أو والٍ يستجدي الأكف ويبذل من شَمَمه وعزة نفسه ما يملأ جيبه بالنضار، ويُريق من ماء وجهه ما يرفع منزلته عند الناس ويخفضها عند الله، ويصلح من دنياه بقدر ما يفسد من دينه». (عبد الحفيظ أبو السعود في كتابه: الخليل بن أحمد، صفحة 32–41). هكذا صوَّر المؤرخون الخليل، وإن كنا نرى في أشعاره ما يمكن – من خلالها – القول بأنه، مع كل ذلك، كان سعيدًا بحياته يحياها مؤمنًا بها، تفيض مشاعره للحُسن والجمال.
كذلك عندما تتحدث كتب التاريخ عن تقواه وعبادته وأدبه وتواضعه وجهاده، فإن ذلك معناه أنه لم يعبأ بالحياة المادية، وأنه اهتم بخدمة الدين والعلم. يقول الدكتور مهدي المخزومي: «وكان الخليل من أهل الدين الذين جاهدوا في سبيله، وكان لجهاده في سبيل الدين ألوان؛ اصطبغ مرة بالسياسة، واصطبغ مرة بالعلم، ولما لم تسعفه الظروف السياسية في كفاحه السياسي انصرف إلى خدمة الدين عن طريق العلم، وقد عكف على العلم عكوف المتصوفين، وانصرف إلى طلبه تاركًا الحياة المادية، غير عابئ بجاه أو منصب، واعتزل في خِصِّه مغلقًا عليه بابه». (أعلام العرب، صفحة 69).
على أية حال، يبدو أن حياة الخليل كان لها شقَّان:
الشق الأول من حياته: كان الخليل فيه شابًّا يخرج في طلب العلم، يلتقي بالناس، يغزو سنة ويحج سنة، ذا علاقات اجتماعية مختلفة، وربما كتب بعض غزلياته في هذه المرحلة.
الشق الثاني من حياة الخليل: وهو مرحلة ما بعد ذلك، وفيها كان الخليل زاهدًا عاكفًا على علمه، مفكِّرًا في وضع وابتكار ما ابتكره من علم العَروض ومعجم العين وغير ذلك من إضافاته اللغوية الجديدة.
(الخليل بن أحمد الفراهيدي – أعماله ومنهجه، صفحة 50).
لكن المؤكَّد أن الخليل في شقَّي حياته لم ينجذب إلى اللهو والعبث والمجون كما يفعل غيره شبابًا وشيوخًا، لم تستهوه مجالس الطرب والأنس والشراب، فقد كان مشغولًا بأمور أهم من هذا العبث الصبياني الذي تمادى فيه أقرانه ولداته من سكان البصرة، ممن لم يكن لهم شأن بعد ذلك، ولم نسمع بهم.
وقد صوَّر المؤرخون الخليل بأنه – مع كل هذا الاهتمام بالعلم والمعرفة – كان سعيدًا بحياته، يحياها مؤمنًا بها، تفيض مشاعره للحُسن والجمال. ولنقرأ ما يقوله الخليل، سواء كان القول من خلال منظومته النحوية أو أشعاره التي رُويت عنه في كتب التراجم والتاريخ، أو حتى أقواله المأثورة عنه، لنرى الجانب الآخر من صورة الخليل بن أحمد، الذي يقول في منظومته:
وتقولُ إنِّي قد مررتُ بطفلةٍ *** بيضاءَ تستلبُ النفوسَ وتَخلبُ
أبصرتُها فغضضتُ عنها ناظري *** خوفَ القصاصِ وظلَّ قلبي يرغبُ
ويقول:
وتقولُ إن رَخِمتْ زينبُ صادقًا *** يا زينُ إن البينَ فيه تشعُّبُ
ويقول:
عهدِي بكلثمَ أو سعادَ وأختِها *** والحَيُّ في سَعَةٍ ولمّا يَشعَبوا
رَعْبوبتينِ خريدتينِ كأنَّ في *** درعيهما الأترجَّ حين يُطيَّبُ
لا تجرِ مصرًا مفردًا ما لم يكن *** ألفٌ ولامٌ في البلاد يُركَّبُ
ولدى الربابِ مقرُّ كلِّ ملاحةٍ *** تَسبيكُ حاسرةً وحين تَجلَّبُ
ويقول:
فتقولُ إن بناتِ عمِّك خُرَّدٌ *** بيضُ الوجوهِ كأنهنَّ الربربُ
إن هذه الأبيات تدل على نفسٍ تتمتع بالرضا وطمأنينة الحياة وهدوئها، نفسٍ امتزجت بالحياة وبالبشر، ليست منعزلة أو منقطعة عن التواصل البشري، ولهذا جاءت نماذجه وأمثلته النحوية مغلَّفة بالغزل والرومانسية، ليظل عالمًا معتدلًا، وليس كما صُوِّر عالمًا زاهدًا متقشِّفًا رثَّ الثياب... إلخ.
تحية لهذا العالم العربي العبقري الذي نعيش في ظلال علومه حتى الآن، ولقرون طويلة آتية، إنه الخليل بن أحمد الفراهيدي، عبقري العربية.