في تاريخ الإسلام علامات وشخصيات تركت أثرًا لا ينمحي مع تعاقب السنين والدهور، وإن الأثر الذي نقصده في هذا المقال أثرٌ علميٌّ وتراثيٌّ ضخم، فنحن بين يدي شخص قيل عنه: إنه أفقه من الإمام مالك بن أنس، فلك أن تتصور أن رجلًا كمثل مالك أو تعدَّاه كان يعيش بأرض مصر، بينما كثيرون منا ليست لديهم أية معرفة به أو معلومة يسيرة عنه. عندما أُطلق على المسجد الملحق بمبنى الإذاعة والتليفزيون (ماسبيرو) اسمُ الليث بن سعد، فإن كثيرين تساءلوا عن سر هذه التسمية. إن هذه التسمية لهذا المسجد، الذي سيتكرر ذكره كثيرًا في المسامع وعلى مرأى الملايين من المصريين، كان من المقصود جدًّا منها أن يُذكَّروا جميعًا بهذه الشخصية العلمية والفقهية التراثية العظيمة.
إننا في وقت لا نحتاج فيه إلا إلى استنهاض معاني القدوة، ويتطلب هذا الوقت منا جميعًا أن نسلط الضوء على هذه النماذج المنيرة لكي نعلم كم أن تراثنا الإسلامي زاخر بهذه الدرر النفيسة.
وفي هذه السطور القليلة نحاول أن نتعرَّف ونُعرِّف القارئ الكريم بهذا الرجل وهذه الشخصية الفريدة العظيمة، فهو شيخ الإسلام، الإمام الحافظ، العالم، أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْمي القلقشندي، المولود عام 94هـ، والمتوفى عام 175هـ، الفقيه المحدث إمام أهل مصر في وقته، وهو صاحب مدرسة فقهية ومذهب إسلامي لم يُكتب له الذيوع والانتشار كما كُتب لغيره.
وُلد الإمام في قرية قرقشندة في صعيد مصر، من أصل فارسي تعود جذوره إلى إصبهان، فاق في علمه وفقهه الإمام مالك بن أنس، غير أن تلامذته لم يقوموا على علمه ولم يحافظوا على تراثه، فلم ينشروه كما نشر تلامذة غيره تراث أشياخهم، فلم يذع مذهبه كما ذاع غيره من المذاهب.
بلغ الإمام الليث رحمه الله مبلغًا عاليًا في العلم والفقه والحديث، حتى إن صاحب مصر في وقتها وقاضيها وناظرها كانوا يجعلونه عمدةً ومرتكزًا في مساعدتهم في اتخاذ القرارات، فكانوا ينزلون جميعًا على مشورته.
كان رحمه الله تعالى ذا ثراء كبير، وكان مصدر ذلك الأراضي التي كان يمتلكها، ورغم ذلك عُرف بزهده في الدنيا رغم امتلاكه لها، وكان ممن يجمعون الناس على الطعام، أما هو فكان يكتفي زهدًا منه بالخبز والزيت، وقيل في سيرته إنه لم تجب عليه زكاة قط؛ لأنه كان كريمًا يعطي الفقراء في أيام السنة، فلا ينقضي الحول عنه حتى ينفقها ويتصدق بها جميعًا.
نسب الليث يمتد إلى بني فهم، وقد تلقى على أيدي تابعي مصر، ثم رحل عن مصر وهو في العشرين إلى مكة ليحج بيت الله الحرام، فالتقى هناك بنفر من علماء الحجاز وأخذ عنهم العلم، عاد بعدها إلى مصر وعلا ذكره وبانت عليه أمارات التمكن العلمي، ثم استقر له الأمر فجلس ليفتي الناس، فعظَّمه أهل مصر وصار من مقدميهم في المشورة والرأي، وتولى قضاء مصر في ولاية حوثرة بن سهل في خلافة مروان بن محمد، وعرض عليه الخليفة أبو جعفر المنصور ولاية مصر فاعتذر عن ذلك.
كان من شيوخه عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن أبي مليكة، وسعيد بن أبي سعيد المقبوري، وابن شهاب الزهري، وأبو الزبير المكي، ويزيد بن أبي حبيب، وغير هؤلاء كثير من المشايخ الذين التقى بهم، كما أخذ عن مائةٍ وخمسين من تابعي التابعين، مع إدراكه أكثر من خمسين تابعيًّا، وقد أخذ عنه العلم كثيرون من أرباب الأسماء المعروفة من أهل العلم، إذ التف حوله طلاب العلم الشرعي في مصر وغيرها.
وممن روى عنه محمد بن محمد بن عجلان، وعبد الله بن لهيعة، وهشيم بن بشير، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعطاف بن خالد، وأشهد بن عبد العزيز القيسي، وسعيد بن شرحبيل، وسعيد بن عفير، والقعنبي، وسعيد بن أبي مريم، وآدم بن أبي إياس، وأحمد بن يونس، ويحيى بن بكير، وعبد الله بن عبد الحكم، ويحيى بن يحيى الليثي، كما روى عنه منصور بن سلمة، وأبو النظر هاشم بن القاسم، وموسى بن داود حين زار بغداد.
كانت لليث مجالس عدة؛ فكان له مجلس للوالي إذ يلتقيه فيستشيره، والمجلس الثاني يُحدِّث فيه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمجلس الثالث للإفتاء الفقهي، والمجلس الرابع لمن قصده يرجو منه عطاءً ماليًا، فكان يحسن إليهم كما لا يحسن أحد.
كان تعظيم الكبراء له كبيرًا، فكانوا يهدون إليه الهدايا مع علمهم أنه ليس من أهل الدنيا، بل إنه صاحب مهمة وصاحب همة. ذكر القلقشندي في صبح الأعشى أنه كانت لليث بن سعد ضيعة على مقربة من رشيد يدخل عليه منها في كل سنة خمسون ألف دينار، وقيل عشرون ألف دينار، ومع سعة رزق الليث امتاز بالجود والكرم، فكان ينفق دخله كله على الصلات والهبات للمحتاجين والسائلين. فيُروى أن امرأةً جاءته فقالت: يا أبا الحارث، إن ابنًا لي عليل، واشتهى عسلًا، فقال: يا غلام، أعطها مرطًا من عسل، والمرط مائة وعشرون رطلًا، وغيرها من القصص المشهورة التي تناقلتها كتب السير والتراجم. ورغم هذا الثراء لم تجب عليه زكاة في سنة؛ لسعة إنفاقه في وجوه الخير كما سبق، ومن بين هذه الوجوه التي كان ينفق فيها شراء الأراضي من بيت المال في نواحٍ من البلدان وحبسها على وجوه البر، فكان ذلك أساسًا لديوان الأحباس في مصر، وبلغ من جود الليث وكرمه أنه كانت تأتي عليه السنة أحيانًا وعليه دين.
وجاء في تاريخ بغداد: «أن أهل مصر ينتقصون سيدنا عثمان بن عفان، حتى نشأ فيهم الليث بن سعد، فحدَّثهم بفضائله، فكفُّوا، وكان أهل حمص ينتقصون عليًّا، حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدَّثهم بفضائل علي بن أبي طالب، فكفُّوا عن ذلك».
وفيه أيضًا: «قال يعقوب بن داود وزير الخليفة المهدي: قال لي أمير المؤمنين المهدي لما قدم الليث العراق: الزم هذا الشيخ؛ فقد ثبت عندي أنه لم يبقَ أحدٌ أعلم بما حُمِلَ منه».
وجاء في المعرفة والتاريخ أن الليث بن سعد قال: «قال لي الخليفة أبو جعفر المنصور: تلي لي مصر؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين؛ إني أضعف عن ذلك، إني رجل من الموالي (أي: أصله من غير العرب)، فقال: ما بك ضعفٌ معي، ولكن ضعف نيتك عن العمل في ذلك لي، أتريد قوةً أقوى مني ومن عملي! فأما إذ أبيت، فدلني على رجلٍ أقلده أمر مصر؟ قلت: عثمان بن الحكم الجذامي، رجل صلاح وله عشيرة، فبلغه ذلك، فعاهد عثمان الله عز وجل ألا يكلم الليث بن سعد».
وفيه: «قال الليث بن سعد: لما ودعت الخليفة أبا جعفر المنصور ببيت المقدس، قال: أعجبني ما رأيت من شدة عقلك، والحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك».
وفي حلية الأولياء روى أبو نعيم عن عبد الله بن صالح قال: سمعت الليث بن سعد يقول: «لما قدمت على هارون الرشيد قال لي: يا ليث، ما صلاح بلدكم؟ قلت: يا أمير المؤمنين، صلاح بلدنا بإجراء النيل، وإصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدر، فإذا صفا رأس العين صفت السواقي»، فقال: «صدقت يا أبا الحارث».
وفي سير أعلام النبلاء قال الإمام الذهبي: «كان الليث بن سعد رحمه الله فقيه مصر ومحدثها ومحتشمها ورئيسها، ومن يفتخر بوجوده الإقليم، بحيث إن متولي مصر وقاضيها وناظرها من تحت أوامره، ويرجعون إلى رأيه ومشورته، ولقد أراده المنصور على أن ينوب له على الإقليم فاستعفى من ذلك».
وفيه: «قال حرملة بن يحيى: كان الليث بن سعد يصل مالك بن أنس بمائة دينار في السنة، فكتب مالك إليه: عليَّ دين، فبعث الليث بن سعد إليه بخمسمائة دينار».
وفي الحلية أيضًا روى أبو نعيم عن يحيى بن بكير قال: «وصل الليث بن سعد ثلاثة أنفس بثلاثة آلاف دينار، احترقت دار ابن لهيعة فبعث إليه بألف دينار، وحج فأهدى إليه مالك بن أنس رطبًا على طبق، فرد إليه على الطبق ألف دينار، ووصل منصور بن عمار القاضي بألف دينار، وقال: لا تسمع بهذا ابني فتهون عليه، فبلغ ذلك شعيب بن الليث فوصله بألف دينار إلا دينارًا، وقال: إنما نقصتك هذا الدينار لئلا أساوي الشيخ في عطيته».
كانت وفاته في مصر في النصف من شعبان عام 175 هجرية، وخرج أهل مصر في جنازة مهيبة إذ حزنوا عليه جميعًا، فكان يعزي بعضهم بعضًا، وصلى عليه موسى بن عيسى الهاشمي والي هارون الرشيد على مصر، ودُفن في مقابر الصدفيين في القرافة الصغرى، وقبره مشهور.
وبعد، فهذا قليل من كثير من سيرة هذا الإمام العظيم، وأوصيكم ونفسي بإحياء معنى القدوة في نفوسنا ونفوس أبنائنا وبناتنا.