إنه أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي، وكنيته أبو جعفر، وهو المعروف بأنه أحد أهم علماء الرياضيات المسلمين، ويُعَدّ المؤسس الحقيقي لعلم الجبر، وليس كما يُشاع خطأً أنه العالم جابر بن حيان، الذي نبغ في الكيمياء حتى قيل عنه: «إن لجابر في الجبر ما لأرسطو في المنطق». ومع نبوغ الخوارزمي في الرياضيات والحساب، إلا أن له أيضًا إسهامات كبيرة في علوم الفلك والجغرافيا.
ومن اسمه نستطيع أن نتبيّن أنه نشأ في مدينة خوارزم، والتي تحوّلت إلى جمهورية في بدايات القرن الماضي قبل أن يتم تقسيمها بين جمهوريات تركمانستان وأوزبكستان وقراقلبقستان التابعة للاتحاد السوفيتي. وهذه المنطقة أخرجت العديد من العلماء والمفكرين. وقيل أيضًا إن أصل العائلة من الخوارزمي المنسوبة إلى محلة الخوارزمية التي كانت تقع غربي محلة الكاظمية ببغداد، ضمن منطقة زراعية تُسمّى قطربل، على حد قول الطبري في تاريخه. وفي جميع الأحوال، فإنه من الثابت أن عائلته انتقلت بالفعل إلى بغداد، حيث أنجز فيها معظم أبحاثه، حتى مات فيها عام 847 ميلادية عن عمر ناهز ستةً وستين عامًا.
وكان من حسن حظه أن التقى بخليفة المسلمين أبي العباس عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، المعروف اختصارًا بالمأمون، المولود أيضًا في بغداد، والقريب من السن مع الخوارزمي، الذي يكبره بخمسة أعوام فقط، والذي تولّى الخلافة عام 813 ميلادية، وهو نفس العام الذي بدأ فيه الخوارزمي العمل والإنجاز، ولمدة عشرين عامًا تلت ذلك حتى وفاة المأمون عام 833 ميلادية، حيث تُعَدّ هذه الفترة فترة النشاط الكبرى له.
وحسن الطالع هذا أتى نتيجة لشغف المأمون بالعلوم والثقافة، وتشجيعه لحركة الترجمة، وخاصة من معارف الإغريق القديمة في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك وغيرها من المجالات، بهدف زيادة المعرفة الإسلامية العلمية. وهو نهج، وإن كنا نراه محمودًا اليوم، إلا أنه لاقى الكثير من المقاومة في حينه، وكثيرًا من النقد عبر العصور التالية، متهمين المأمون بإدخال علوم غير مهمة وربما تؤثر سلبًا على العقيدة، مثل علوم الفلسفة. وبغضّ النظر عن هذا الجدل، فإن هذا التوجّه هو ما أحدث التقارب بين الخوارزمي والمأمون، ودفع الأخير إلى أن يعهد إليه بتولّي بيت الحكمة، أو خزائن الحكمة كما كان يُطلق عليها، تلك الدار التي يمكن اعتبارها أول دار علمية أُقيمت في العصر الذهبي للإسلام، أسسها الخليفة العباسي هارون الرشيد، واتُّخذت من بغداد مقرًا لها.
والحقيقة أن بيت الحكمة هذا ارتكز على الكثير من الكتب والتراجم التي بدأت في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، الجد الأكبر لهارون الرشيد، والذي عُرف عنه اهتمامه وولعه بالحكمة والعلوم مثل الطب والفلك والهندسة والآداب، حيث امتلأت خزائن قصره بهذه المعارف، حتى أتى هارون الرشيد ونقلها إلى بيت الحكمة لتكون بمثابة مكتبة مفتوحة أمام الدارسين والباحثين، وتحولت من مجرد خزانة للكتب القديمة إلى بيت للعلم ومركز للبحث العلمي والترجمة والتأليف والنسخ والتجليد. وأصبح لبيت الحكمة دوائر علمية متنوعة، لكل منها علماؤها ومترجموها ومشرفون يتولّون أمورها المختلفة، وبلغت قمة ازدهارها في عهد المأمون، واستمرت الدار كذلك حتى سقوط بغداد على يد هولاكو عام 1258 ميلادية، وقيام جيش المغول بتدميرها وإلقاء الكتب والمؤلفات في نهر دجلة، حتى قيل إن لون النهر تغيّر إلى لون المداد الذي كُتبت به تلك المؤلفات، في واقعة يعتبرها الكثيرون أحد أكثر الأحداث السلبية في تاريخ العالم العربي والإسلامي.
عودة إلى الخوارزمي، الذي عكف خلال تلك الفترة على العمل والبحث والتنظيم والتأليف، وربما نجد أن أشهر كتبه جاء بعنوان «كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة»، حيث انتهى منه عام 820 ميلادية، ووضع فيه أسس الرياضيات وعلم الجبر، كما وضع فيه أسس حل المعادلات من الدرجة الأولى والثانية، ومنهجية حساب المساحات والأشكال الهندسية، وحل مسائل الميراث والوصايا وغيرها من المعضلات. ويُعد هذا الكتاب هو الأساس لما تم بعد ذلك من تطوير لعلم الجبر على يد عالم الرياضيات الفرنسي فرانسوا فييت في نهايات القرن السادس عشر، وما تلاها من جهود لديكارت وجابريل كرامر وجوزيف لاغرانج وغيرهم. وهذا العلم هو أحد الأسس التي قام عليها الكثير من العلوم والنظم الحديثة، ومنها نظام الجبر الرمزي أو الحاسوبي (Computer Algebra System)، الذي يمكن اعتباره أحد المتطلبات الأساسية لعلوم الذكاء الاصطناعي.
ففلسفة علم الجبر تتناول دراسة البناء الرياضي المجرّد مثل المجموعات والحلقات، وتُعنى بوضع قوانين عامة للمتغيرات والمجاهيل بدلًا من الأرقام فقط، مما يسمح بتعميم الصيغ الرياضية وتطبيقها على نطاق واسع، وهي أساس لمنهجيات التفكير المنطقي وحل المشكلات، وتُعد مدخلًا لفروع رياضية أخرى كالتفاضل والتكامل، وهي نفس النظرية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، من مجموعات أرقام وحلقات ومجموعات ونظرية احتمالات ومتغيرات ومجاهيل وبيانات كثيرة تحتاج إلى التنظيم والترتيب والحفظ وإجراء عدد من العمليات العقلية عليها، تلك التي كان يقوم بها الإنسان من قبل، مثل الرصد والتحليل والمقارنة والتنبؤ والتوقع والوصول إلى نتائج جديدة وصياغتها وعرضها، وهو ما يضفي عليها طابع الذكاء.
ولذلك نجد أننا حتى عصرنا الحالي نُسمّي برمجيات الذكاء الاصطناعي ونماذجه بالخوارزميات، وهو المصطلح الذي بقي لسنوات متداولًا بين المتخصصين في الرياضيات والحساب والجبر، حتى دخل العالم كله في عصر الذكاء الاصطناعي من أوسع الأبواب وفي كل المجالات، وذلك منذ ثلاث سنوات تقريبًا، عندما انتشرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع لكافة مستخدمي شبكة الإنترنت، والبالغ عددهم حوالي ستة مليارات مستخدم. فلا تمر ثانية واحدة إلا ونسمع البعض يذكر تعبير «خوارزميات الذكاء الاصطناعي»، ويتحدث عن خصائصها وأسلوبها في معالجة البيانات وفي التعلّم، ويتحدث أيضًا عن كيفية عملها، سواء عرف وفطن إلى ذلك أو وصل في النهاية إلى عجز وقناعة بأن تلك الأنظمة وخوارزمياتها ما هي إلا صندوقًا أسود لا يعرفون على وجه الدقة كيف يعمل ولا ما هي درجة تعقيده أو أسلوب معالجته للبيانات، ولكن الجميع يرون نتائجه وتأثيراته، وكيف أصبحت تلك الخوارزميات تتحكم في البشر وفي الشعوب والدول والحكومات، وكيف صارت متداخلة في كافة الأنشطة التقليدية، بداية من الكتابة والتأليف، مرورًا بالعلاج واكتشاف الأمراض، وصولًا إلى الأسلحة المتقدمة وحروب الفضاء.
وقبل أن نستكمل مسيرة الخوارزمي، والذي اشتُق من اسمه لفظ «خوارزميات» (Algorithms)، نجد مصطلحًا آخر يتشابه في النطق ولكنه يختلف في المعنى، وهو «اللوغاريتمات» (Logarithms)، وهو وإن كان معقدًا أيضًا، إلا أنه يمكن تبسيطه بالإشارة إليه على أنه أسلوب لتبسيط الأرقام الكبيرة، إذ يُنظر إليه على أنه عدد المرات التي نحتاج فيها إلى ضرب الرقم في نفسه لنحصل على نتيجة معينة، أما الخوارزميات فيمكن تبسيطها على أنها سلسلة من الخطوات المنطقية المرتبة لحل مشكلة أو تنفيذ مهمة.
ويعود الفضل إلى الخوارزمي أيضًا في إدخال الأرقام الهندية العربية (0123456789) والنظام العشري إلى أوروبا. وفي مجال الفلك له العديد من المؤلفات والإسهامات، منها حسابات وجداول لحركات الشمس والقمر وخمسة كواكب معروفة في ذلك الوقت، كما قام بعمل تحسينات مهمة وإضافات على المزولات المستخدمة في قياس الوقت، وكانت تُوضع في الأماكن العامة وفي المساجد لتحديد وقت الصلاة. كما طوّر العديد من الآلات لقياس الارتفاع، وابتكر أداة رياضية باسم «الربعية» كانت تُستخدم في أي دائرة عرض على الأرض وفي أي وقت من السنة لتحديد الوقت بالساعة من خلال رصد ارتفاع قرص الشمس. وتكريمًا لجهوده في مجال الفلك، أُطلق اسمه على إحدى الفوهات الصدمية، أي الانخفاضات الكبيرة الناجمة عن ارتطام أجسام صلبة، الموجودة على سطح القمر، وذلك ضمن عدد آخر من العلماء مثل أرسطو وكوبرنيكوس وعالم الفلك والرياضيات العربي ثابت بن قرة.
أما في مجال الجغرافيا فله كتاب مهم بعنوان «صورة الأرض»، وهو تطوير لكتاب «الجغرافيا» الذي وضعه الرياضي اليوناني كلوديوس بطليموس قبل سبعمائة عام من كتاب الخوارزمي. وفيه قام بتصحيح الكثير من الإحداثيات والأحجام لعدد كبير من المواقع والبحار والأنهار والجبال والجزر. وفي الكتاب نتاج ما كلفه المأمون به من وضع خريطة للأرض في إطار مشروع كبير شارك فيه سبعون جغرافيًا. وبالرغم من أن الكتاب لا يحتوي في نسخته العربية ولا في ترجمته اللاتينية على تلك الخرائط، إلا أنه زاخر بالعديد من القوائم الخاصة بخطوط الطول ودوائر العرض، وذلك من أجل مناطق الطقس، أي مناطق خطوط العرض في كل منطقة جوية، وهو ما مكّن أحد العلماء لاحقًا من إعادة بناء الخريطة المفقودة من قائمة الإحداثيات، حيث تمت قراءة خطوط العرض وخطوط الطول الساحلية من النقاط الواردة في المخطوطة، وتم نقل النقاط على ورقة الرسم البياني، وربطها بالخطوط المستقيمة، فتم الحصول على تقريب الساحل كما كان على الخريطة الأصلية، وتم فعل الشيء نفسه بالنسبة للأنهار والمدن.
وعندما نقول عن الخوارزمي إنه حاضر دائمًا، فهذا ليس من قبيل المبالغة أو التعبير العاطفي، ففي الحقيقة يعرف كل من يعمل في مجال البحث العلمي والتطوير أن الأصل يعود إلى البداية، وأن أي إضافات أو تحسينات أو تطوير، بالرغم من أهميتها وجلالها كعمل هام ومفيد، إلا أن السبق العلمي وبداية وضع الأسس أهم كثيرًا، فبدونها لم يكن لمن جاء بعده أن ينتبهوا إلى هذه الفروع وإلى هذه المنهجية التي وضعت حجر الأساس لما أُكمل بعد ذلك. فعندما نتحدث عن علم الجبر وأُسسه، ننظر إلى تطبيقات حديثة تعتمد عليه اعتمادًا كبيرًا، كما هو الحال في علوم الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وغيرها، وهو ما يعطي العالم الأول تلك الأهمية، ويجعلنا نفتخر به ونكرمه ونبقي سيرته حيّة، فهو لم يكن عالمًا عابرًا في زمنه، بل كان حجر أساس في بناء العلم الحديث كما نعرفه اليوم. فلم تتوقف هذه الإسهامات عند مبادئ الجبر بوصفه علمًا رياضيًا مجردًا، بل امتدت إلى تأسيس منهج عقلي يقوم على التنظيم والخطوات المنطقية، وهو المنهج الذي انتقلت روحه إلى علوم الحاسب والبرمجة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي المعاصر. فالخوارزمي لم يعلّمنا كيف نحسب فقط، بل كيف نفكّر بطريقة قابلة للتكرار وكيف نتحقق منها، ومن هنا يمكن القول إن كثيرًا من التقنيات الحديثة تدين بالفضل لفكرة قديمة صاغها عقل سبق عصره بقرون.