رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عمر بطيشة يكتب التكوين: من دمنهور إلى الإذاعة والشعر شهادتي على العصر

7-2-2026 | 11:01

عمر بطيشة الشاعر والإعلامي

طباعة
عمر بطيشة

مشوار طويل قطعته منذ مولدي في مدينة دمنهور البحيرة إلى الآن.. أو منذ 1943 إلى 2026! حقًا إنه مشوار طويل تقلبت فيه بين أكثر من مدينة، من دمنهور إلى الإسكندرية إلى القاهرة.. عاصرت أكثر من عهد منذ عصر الملك فاروق.. إلى الرئيس محمد نجيب ثم جمال عبدالناصر ثم أنور السادات ثم حسني مبارك وما تلاه من المجلس العسكري وحكم الإخوان إلى العهد الحالي والرئيس السيسي.

إذن البداية دمنهور.. هذه المدينة الصغيرة الجميلة التي تكاد تكون قاهرة صغيرة بأحيائها التي تتشابه بعض أسمائها مع أحياء القاهرة مثل شبرا والقلعة وأبو الريش، وترعة الخندق التي تشبه نيلًا صغيرًا وله كورنيش مثل نيل القاهرة!
ولكن دمنهور تميزت بأنها مدينة ثقافية بما تحويه من آثار فرعونية باعتبارها من أقدم مدن العالم، وما تضمه من معالم ثقافية مثل أوبرا دمنهور التي افتتحها الملك فؤاد عام 1931، وضمت مكتبة البلدية وسينما البلدية في مبنى أثري فخم أُدرج في سجل الآثار التي يجب الحفاظ عليها.
هذه المكتبة الضخمة كانت سبيلي إلى المعرفة... وكنت أذهب إليها يوميًا لأقتبس من كتبها الزاد المعرفي والثقافة الأولية، فضلًا عن مكتبة المدرسة الأميرية التي كانت تضم أغلى الكتب والموسوعات والأطالس والمجلدات في شتى العلوم والفنون.. هذا بالإضافة إلى تميز دمنهور بأنها تضم قهوة المسيري وصاحبها الأديب عبد المعطي المسيري.. وكانت ملتقى للمفكرين والأدباء مثل توفيق الحكيم وعبد الحليم عبد الله وأمين يوسف غراب ومحمد صدقي وحامد الأطمس.. وكانت تُعقد بها ندوات ثقافية لمناقشة أحدث الإصدارات الثقافية والعلمية..
وفي دمنهور أيضًا جمعية الأدباء ومديرها الشاعر حسن قاسم، وأيضًا تقيم الأمسيات الشعرية.
هذا بخلاف نادي التنس الملكي الذي يشبه نادي الجزيرة بالقاهرة..
كانت دمنهور بيئة ثقافية مثالية لاحتضان المواهب، وكانت المكتبة تزين كل بيت تقريبًا.. ومنهم من كان حريصًا على اقتناء الكتب والمجلات وتجليدها على حسابه لدى محلات متخصصة في التجليد لدرجة أنها صامدة منذ أكثر من قرن في مكتبتي الآن. ومن أهم المجلات التي كان حريصًا على اقتنائها مجلة «الهلال» التي تعتبر المنهل الأساسي الذي نهلت منه المعرفة في صباي.. إلى جانب مجلة المصور وكل شيء والفكاهة وغيرها.
وفي بيتنا كان يعيش إنسيكلوبيديا متحركة فيه هو صبري محمد محمود الأديب والأديب اسمه وليس لقبه.. وكان يخزن عيون الشعر والأدب وأسماء عواصم العالم والرؤساء والملوك.
لذا نشأت عاشقًا منذ صغري للقراءة ليس فقط باللغة العربية بل أيضًا بالإنجليزية لفرط عشقي لروايات عمالقة الأدب الإنجليزي.. ومنها رواية «جزيرة المرجان» التي قرأتها بالإنجليزية أولًا مما قواني لغويًا فتفوقت في اللغة الإنجليزية، وجاء ترتيبي الأول على محافظة البحيرة مما شجعني على الالتحاق بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها بكلية الآداب جامعة الإسكندرية لينفتح أمامي باب الثقافة العالمية مما أهلني للنجاح في امتحان المذيعين الذي أجرته الإذاعة المصرية عام 1964، وأصبحت مذيعًا محررًا مترجمًا بالإذاعة، ثم وزعني الأستاذ عبد الحميد الحديدي رئيس الإذاعة على منوعات البرنامج العام مقدمًا للبرامج.
تدرجت في البرنامج العام وقدمت العديد من البرامج منها: سبع وجوه للقمر، ويوميات الأسبوع، والناس والصيف، ثم نجوم من بلدي إلى أن قدمت «شاهد على العصر» ونجح نجاحًا مشهودًا، ثم طُبع ونُشرت حلقاته في سلسلة كتب وحصد الجوائز الأولى في المسابقات الإعلامية.
أثناء ذلك صدر لي ديوان شعر «الهجرة من الجهات الأربع» عن هيئة الكتاب.
وكنت أذهب إلى بعض الأمسيات الشعرية في الجمعيات الأدبية فتعرفت إلى الشاعر أمل دنقل والشاعر محمد الجيار وتوطدت الصداقة بيننا لدرجة أن أمل دنقل كان يبيت عندي أيام العزوبية، ولدرجة أن محمد الجيار هو الذي تبنى أشعاري وأخذها إلى الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور رئيس هيئة الكتاب لنشرها.
وصلاح عبد الصبور هو الذي وصف ممارستي تأليف الأغاني بأنه الانزلاق من الشعر الفصيح إلى الأغنية.
وأدى نجاحي في عالم الفن إلى ترشيح نفسي رئيسًا لجمعية المؤلفين والملحنين وهو ما حدث فعلًا وأصبحت رئيسًا للجمعية لمدة عشر سنوات متصلة! حققت فيها الكثير من المكاسب لأعضاء الجمعية وقررت لهم معاشًا بعد وصولهم للستين لأول مرة.
وتدرجت في الإذاعة إلى أن أصبحت رئيسًا لإذاعة الشباب والرياضة ثم رئيسًا للبرنامج العام ثم رئيسًا للإذاعة المصرية حتى اعتزلت عام 2008.
عناصر التكوين:
أولًا: المجتمع الثقافي لمدينة دمنهور والبيئة الثقافية التي أحاطتني بالمكتبات والكتب والمجلدات والموسوعات والأطالس.
وثانيًا: مكتبة مدرسة دمنهور الأميرية ومكتبة البلدية وقهوة المسيري وجمعية الأدباء.
ثالثًا: الجلسات التعليمية الخاصة من جدي عاشق العلم والثقافة.
رابعًا: النظام التعليمي في المدارس الذي كان يسمح لمكتبة المدرسة أن تقتني الموسوعات والأطالس وكنت أقرأ فيها مجلة National Geographic في بداية خمسينات القرن العشرين!
شخصيات أثرت على تكوين شخصيتي:
أولهم أستاذ جورج مدرس الجغرافيا في ثانوي، وكان أيامها السباق المحموم بين روسيا وأمريكا في غزو الفضاء، كنا نقول له إن روسيا أمهر من أمريكا في غزو الفضاء، فيقول لنا: يا أبنائي تعلموا أن تقرأوا بين السطور.. أن ظاهر الأمر أن روسيا أسبق من أمريكا، ولكن الحقيقة أن أمريكا أسبق لأنها تعلن عن رحلات رواد الفضاء الناجحة والفاشلة أيضًا.. أما روسيا فإنها لا تعلن إلا عن الرحلات الناجحة!
ثاني الشخصيات زميل الدراسة صبري عبد العال الذي شجعني على القراءة وتكوين مكتبة منزلية خاصة بي. وكان صبري رحمه الله غاندي صغيرًا! فقير لا يخجل من فقره وإنما يتحايل عليه ويقول لي: ما دام القميص نظيفًا وغير ممزق ومكويا فلا تخجل أن تلبسه.
وفي الجامعة تأثرت بالدكتورة نور الشريف رئيس قسم إنجليزي لتميزها بتواضع العلماء.
وفي الإذاعة تأثرت بفهمي عمر في حرصه على استيعاب التفاصيل، وسامية صادق لأناقتها في تشكيل برنامج المنوعات كأنه سفرة هنية.. وعبد الحميد الحديدي لصرامته في أصول المهنة، وأخيرًا بابا شارو أو محمد محمود شعبان في حرصه على الدقة والمهنية.
وتعلمت من صفوت الشريف قوة الشخصية في الإدارة، وتعلمت من الموسيقار عبد الوهاب الذكاء في الردود.. ومن أنيس منصور التزود بثقافة موسوعية تحسبًا لأي مقابلة.. ومن الشيخ الشعراوي أن الدين ليس تزمتًا وغلظة بل سماحة وبعد.. هذا هو مشواري كشاهد على العصر.

الاكثر قراءة