إن تصويت البرلمان الفرنسى بالموافقة على مقترح أوروبى لإدراج جماعة الإخوان على قائمة المنظمات الإرهابية يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك، أن المواجهة المصرية المبكرة للتنظيم كانت السبيل الوحيد لكشف حقيقته، ولإجبار أوروبا على الاعتراف، ولو متأخرًا، بخطورة جماعة استُخدمت لعقود كأداة اختراق للأنظمة والمجتمعات العربية، وعلى رأسها المجتمع المصري، قبل أن تنكشف حقيقتها الإرهابية أمام العالم كله، وتنقلب على رعاتها الغربيين ومموليها.
فقد تجاوز التنظيم الخطوط الحمراء التى رُسمت له، وبدأ يبث سمومه داخل مجتمعات الدول التى احتضنته ووظفته، لتدرك هذه الدول أخيرًا أن توظيف «الذئاب» لا يضمن أبدًا التحكم فى أنيابها عندها فقط قرر الغرب كبح جماح التنظيم الإرهابي، ومحاولة وقف تمدده وتجاوزاته داخل المجتمعات الأوروبية. قد تكون دوافع الأوروبيين والأمريكيين فى مواجهة الإخوان مختلفة عن دوافع المصريين والعرب، إلا أن النتيجة تظل واحدة، وهى مواجهة الإرهاب وتجفيف منابعه.
هذا الاعتراف الفرنسى المتأخر بحقيقة التنظيم الإرهابي، الذى ظلّ لعقود تقدمه الدعاية الأوروبية والأمريكية زورًا بوصفه حركة إسلامية سياسية معتدلة، بينما كان فى جوهره مشروعًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود، معاديًا للدولة الوطنية، ومؤهلًا دائمًا لإنتاج العنف، سيكون له تأثير كبير على التنظيم الإرهابى شكلًا ومضمونًا.
فباريس، التى شكّلت لسنوات طويلة إحدى أهم نقاط الارتكاز الاستراتيجية للتنظيم الإخوانى فى أوروبا، وفّرت، عن وعى أو عن تغافل، بيئة قانونية وحركية استغلها التنظيم لبناء شبكات مالية وتنظيمية معقدة، تمددت عبر الجمعيات والواجهات الخيرية والمؤسسات الثقافية، تحت لافتات الاندماج والعمل المدني، بينما كان التنظيم الدولى الإرهابى يعمل على اختراق المجتمعات الأوروبية من الداخل.
اليوم تقف فى موقع مختلف، تحاول، بعد إفاقتها، سدّ الطريق أمام تغوّل الإخوان على مؤسسات المجتمع المدني، ووقف استخدام الحريات الأوروبية كغطاء لنشاط أيديولوجى انفصالى يهدد أسس الدولة الوطنية. هذه الخطوة، التى جاءت متأخرة، تسحب من التنظيم واحدة من أهم عواصمه الآمنة، وتُحدث ضربة مباشرة لقدراته على التمويل والتجنيد وإعادة الإنتاج داخل الفضاء الأوروبي، الذى لم يتعامل معه الإخوان يومًا كبيئة تعايش، بل كملاذ آمن مؤقت ومنصة للتخطيط والتوسع.
فالمشروع الذى تقدمت به كتلة «اليمين الجمهوري» فى البرلمان الفرنسى ينص، بشكل صريح، على أن الفكر الذى تتبناه جماعة الإخوان الإرهابية خطر على المجتمعات الأوروبية وعلى الدولة الوطنية، هذه الخطوة تهدف إلى نزع الغطاء الدعوى عن التنظيم، وإعادة تصنيفه بوصفه منظمة أيديولوجية تسعى إلى تقويض الدولة من الداخل، لا مجرد جماعة دينية أو اجتماعية. ويستهدف المشروع تشديد الرقابة على القضايا الأمنية ووظائف الدولة الأساسية، ومنع أى تنظيم عابر للحدود من استغلال الأطر القانونية الأوروبية لاختراق مؤسسات الدولة أو التأثير فى النسيج المجتمعي، لا كحالة اندماج فاشلة أو أزمة اجتماعية عابرة.
لم يأتِ التحرك الفرنسى بمعزل عن مسار دولى آخذ فى الاتساع لتجريم أذرع جماعة الإخوان، إذ سبقه إعلان الولايات المتحدة تصنيف ثلاثة فروع للتنظيم فى الشرق الأوسط منظمات إرهابية، وفرض عقوبات شاملة عليها وعلى شخصيات مرتبطة بها، فى خطوة بررتها واشنطن بالحاجة إلى مواجهة العنف وزعزعة الاستقرار، رغم ما صاحبها من تباينات إقليمية فى المواقف. كما اتخذت الأرجنتين خطوة لافتة حين أدرجت فروع تنظيم الإخوان فى مصر والأردن ولبنان على قوائمها للمنظمات الإرهابية، وفق ما أعلنه مكتب الرئيس خافيير ميلي، مستندة، بحسب البيان الرسمي، إلى تقارير تؤكد تورط هذه الفروع فى أنشطة غير مشروعة عابرة للحدود، تشمل الدعوة إلى التطرف العنيف، والارتباط بشبكات وتنظيمات إرهابية أخرى، بما يشكل تهديدًا مباشرًا أو محتملًا للأمن الدولى وتكشف هذه القرارات، على اختلاف دوافع الدول التى اتخذتها، عن تحول نوعى فى نظرة المجتمع الدولى إلى جماعة الإخوان، من اعتبارها أداة سياسية قابلة للتوظيف، إلى إدراك خطورتها كتنظيم عابر للدول، يوظف الدين كغطاء أيديولوجى لمشاريع تهدد استقرار المجتمعات والدول الوطنية.
غير أن الدلالة الأعمق لهذا التحول تكمن فى إدراك العالم لحقيقة واضحة طالما حذّرت منها مصر: أن تربية «الذئب» لاستخدامه ضد الخصوم لا تضمن أبدًا أن يبقى بعيدًا عن الأبناء. فالغرب الذى راهن طويلًا على الإخوان كأداة للضغط والتغيير والعبث داخل المجتمعات، بدأ يكتشف أن هذا الرهان ارتدّ عليه تهديدًا مباشرًا لأمنه وهويته واستقراره وهكذا، لم يكن القرار تخليًا مبدئيًا عن الجماعة بقدر ما هو تعليق مؤقت لرعايتها، فرضته لحظة خوف ذاتي، لا مراجعة أخلاقية كاملة، فى انتظار أن يعيد الذئب ترتيب أنيابه تحت اسم جديد أو قناع مختلف.
لم تكن هذه الحقيقة يومًا غائبة عن وعى الدولة المصرية العميقة، التى قررت، منذ لحظة الانكشاف الكبرى فى يونيو 2013، مواجهة جماعة الإخوان الإرهابية لا باعتبارها أزمة سياسية عابرة، بل بوصفها معركة وعى وجودية مع تنظيم يهدد كيان الدولة من الداخل. ففى أعقاب عزل الجماعة عن الحكم، دخلت مصر واحدة من أعنف موجات الإرهاب فى تاريخها الحديث، كشفت سريعًا أن الإخوان لا يفصلون بين العمل السياسى والعنف، بل يعتبرونه أداة احتياطية حين يفشل مشروع «التمكين».
وخلال الفترة الممتدة من 2013 إلى 2020، شهدت البلاد مئات العمليات الإرهابية، كان أبرزها تصاعد نشاط التنظيمات المنبثقة مباشرة عن الإخوان، وعلى رأسها حركات «حسم» و«لواء الثورة» و«كتائب حلوان»، اللاتى أعلنت مسؤوليتها عن عمليات نوعية استهدفت مؤسسات الدولة المصرية. كما قاموا، فى يوليو 2015، باغتيال النائب العام المستشار هشام بركات فى عملية إرهابية معقدة، ثبت لاحقًا تورط قيادات إخوانية فى التخطيط لها. وفى أغسطس 2016 حاولت حركة «حسم» اغتيال مفتى الجمهورية السابق الدكتور على جمعة، أعقبها فى سبتمبر من العام نفسه محاولة اغتيال النائب العام المساعد المستشار زكريا عبدالعزيز، كما نفذت الحركة سلسلة تفجيرات واغتيالات استهدفت ضباط الشرطة والقضاء، أبرزها تفجير معهد الأورام فى القاهرة عام 2019، الذى أسفر عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح.
وفى سيناء خاضت الدولة المصرية، منذ 2014، حربًا مفتوحة ضد الإرهاب، بلغت ذروتها مع إطلاق العملية الشاملة «سيناء 2018»، التى استهدفت تفكيك البنية المسلحة للتنظيمات الإرهابية المرتبطة فكريًا بالإخوان، وعلى رأسها «أنصار بيت المقدس» (ولاية سيناء لاحقًا). وأسفرت هذه المواجهة عن تصفية المئات من العناصر الإرهابية، وتدمير آلاف الأوكار ومخازن السلاح، وقطع خطوط الإمداد والتمويل، فى واحدة من أوسع العمليات العسكرية فى تاريخ مصر الحديث.
وبالتوازى مع المواجهة الأمنية، خاضت الدولة معركة قانونية وفكرية، تُوّجت بإدراج جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية بقرار قضائى فى ديسمبر 2013، ثم مصادرة أصولها المالية، والتحفظ على مئات الجمعيات والشركات التى استُخدمت كواجهات للتمويل والتنظيم. كما عملت مؤسسات الدولة الدينية والثقافية على تفكيك الخطاب الإخواني، وتجديد الخطاب الديني، وضبط المنابر، فى محاولة لتجفيف البيئة الحاضنة للفكر المتطرف.
وقد جرت هذه المواجهة الشاملة فى وقت كان فيه جزء من العالم الغربى لا يزال يتعامل مع الجماعة بوصفها معارضة سياسية، أو شريكًا محتملًا، متجاهلًا التحذيرات المصرية المتكررة. غير أن الوقائع، والأرقام، والدماء التى سالت خلال عقد كامل، أكدت صحة القراءة المصرية المبكرة، وأظهرت أن الفاصل بين الإسلام السياسى والإرهاب المسلح لم يكن سوى وهم وسراب خادع. واليوم، ومع اتساع دائرة التصنيف الدولي، يتضح أن ما خاضته مصر لم يكن صراعًا داخليًا مع جماعة بعينها، بل معركة دفاع استباقية عن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وهو الدرس الذى بدأ العالم يتعلمه، ولكن بعد فوات أوان طويل.
هذا القرار، إذا لم يتحول إلى معركة حقيقية مكتملة الأركان ضد تيار إرهابى منظم، فلن يكون سوى خطوة تجميلية بلا قيمة. أما إذا صدقت النوايا فى استكماله، فسيشكّل ضربة قاصمة لتنظيم الإخوان، إذ يضعه لأول مرة أمام مأزق وجودى غير قابل للمناورة؛ فهو ينسف شرعيته القانونية والشعبية والدولية من جذورها، ويجرّده من القناع الذى طالما اختبأ خلفه، ويعيد تصنيفه صراحة كمنظمة إرهابية تتخذ من الدين غطاء لنشر الفوضى وهدم الدول من الداخل.
كما يحوّل هذا القرار الجماعة إلى عبء أمنى فادح على كل دولة لا تزال تتواطأ بالصمت، أو بالتغاضي، أو بالسماح لها بالتحرك والعمل تحت مسميات زائفة، ويضع هذه الدول أمام مسؤولية مباشرة عن أى اختراق أمنى أو تفكك مجتمعى ناتج عن نشاط التنظيم. والأهم أنه يُسقط السردية الكاذبة التى ظل الإخوان يروّجونها عن أنفسهم كتيار دعوى «معتدل»، ويفضح حقيقتهم أمام الرأى العام الغربى بوصفهم تنظيمًا أيديولوجيًا إقصائيًا إرهابيًا، مرتبطًا بنيويًا بشبكات العنف والتطرف، مهما أنكروا ذلك فى خطابهم العلنى أو أعادوا تسويق أنفسهم بأقنعة جديدة.
من المتوقع أن تنكر جماعة الإخوان، كعادتها، أى صلة لها بالعنف، لكن الجماعة تفضح نفسها بنفسها؛ إذ اعترف قادتها صراحة فى مذكراتهم بأن القتل ونشر الرعب كانا جزءًا أصيلًا من منهجهم، وأن سلاحهم وُجّه إلى أبناء مصر ولكل من يرفض مشروعهم. ويقر القيادى الإخوانى صلاح شادي، رئيس جهاز الوحدات، بأن من «حق الجماعة» مواجهة الحاكم بالسلاح إذا اختلفت معه، وهو النهج الذى مارسته بالفعل منذ عهد الملك فاروق، مرورًا بعبدالناصر والسادات ومبارك، وصولًا إلى أحداث 25 يناير، ثم خلال حكمهم، وبعد ثورة 30 يونيو، وحتى سنوات لاحقة.
ولا يختلف سلوك الإخوان عن العصابات الإجرامية، بل تجاوزها إلى تصفية بعضهم بعضًا؛ إذ اغتالوا زميلهم فى التنظيم سيد فايز بعبوة ناسفة داخل علبة حلوى، فى واحدة من أكثر الجرائم دناءة فى كتاب «الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ»، ويعترف القيادى محمود عبدالحليم بأن تاريخ الجماعة مليء بصراعات داخلية دموية، واتهامات متبادلة، وأكاذيب، وشتائم، بل وتدبير اغتيالات بين قياداتها، فى سلوك لا يمت بصلة لأخلاق الإسلام التى يتاجرون بها.
من الآن أقول إن الجماعة الإرهابية ستحاول توظيف هذا القرار لصالحها، فى محاولة مكشوفة لغسل يد التنظيم من الدماء التى أُريقت عبر عقود، وستدّعى كذبًا وبهتانًا أنها جماعة مضطهدة ومظلومة، وأن قرارات التصنيف صدرت عن دول غربية كافرة صليبية حاقدة على الإسلام. متناسين أنهم، ولسنوات طويلة، كانوا يحجّون إلى عتبات البيت الأبيض، ويجوبون عواصم أوروبا طلبًا للدعم والشرعية، ويستدعون الغرب للتدخل ضد الدولة المصرية. واليوم، بعد أن تخلى عنهم رعاتهم واحتقروهم، بعدما أدّوا مهمتهم فى تخريب الدول والمجتمعات على أكمل وجه، لم تعد للغرب أى مصلحة فى الإنفاق على جماعة سيئة السمعة ومحروقة سياسيًا. لذلك، لا مجال لأن يدّعوا أنهم مستهدفون من القوى ذاتها التى طالما خدموا أجنداتها وتغذّوا على رعايتها السياسية. إنها محاولة بائسة ويائسة لغسل تاريخ مثقل بالتواطؤ، وتزوير الذاكرة، وقلب الأدوار بين الجلاد والضحية، فى وقت لا تزال فيه ذاكرة الشعوب حيّة، والتاريخ المدوّن شاهدًا على جرائمهم الإرهابية.
ولهذا أدق ناقوس الخطر: إن أى قرار تصنيف لا يُستكمل بمواجهة شاملة — فكرية وأمنية وتشريعية — يخاطر بأن يتحول من أداة ردع إلى ما يشبه «مكافأة نهاية خدمة» لغزاة الداخل. فالجماعة الإرهابية سقط قناعها، وانكشفت وظيفتها فى مشروع العبث بالمجتمعات والدول، لكنها لا تزال قادرة على المناورة ما دام خطابها لم يُفكك، وبيئتها الفكرية لم تُجفف. إن معركتنا مع الإخوان تتجاوز حدود التصنيفات القانونية، إلى مواجهة جذرية تُسقط الأيديولوجيا قبل التنظيم، وتفضح السرديات قبل الهياكل. وإذا لم تُخَض هذه المعركة فورًا، وتم تأجيل المواجهة الحقيقية، فسيُعاد إنتاج الجماعة الإرهابية بوهم قديم فى ثوب جديد، وستدفع الأجيال القادمة ثمن ذلك بلا شك.