رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قمة هامبورج ترسم مستقبل الطاقة في أوروبا وتفتح مواجهة هادئة مع واشنطن

26-1-2026 | 22:50

مستقبل الطاقة في أوروبا

طباعة
دار الهلال

أكد تقرير أعدته مجلة "بوليتيكو" المختصة في الشأن الأوروبي أن أنظار أوروبا تتجه، اليوم الاثنين، إلى مدينة هامبورج الألمانية؛ حيث تُعقد قمة رفيعة المستوى قد تشكل محطة مفصلية في علاقة القارة العجوز بالولايات المتحدة، وتحديدًا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا يخفي عداءه لطاقة الرياح وازدراءه للدول التي تستثمر فيها.


وأشار التقرير إلى أن القمة تجمع وزراء وقادة من عدة دول أوروبية مطلة على بحر الشمال، تهدف إلى الاتفاق على تعزيز إنتاج طاقة الرياح البحرية بشكل غير مسبوق.


وأكد تقرير المجلة، أنها تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها رسالة سياسية واقتصادية مباشرة لواشنطن، مفادها أن أوروبا قادرة على بناء أمنها في قطاع الطاقة بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.


ومن المنتظر أن توقّع بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وآيسلندا وإيرلندا ولوكسمبورج والمملكة المتحدة وهولندا والنرويج على ما يُعرف بـ"إعلان هامبورج"، الذي ينص على إنشاء مشاريع مشتركة لطاقة الرياح البحرية بقدرة تصل إلى 100 جيجاواط، وهو رقم يعادل تقريبًا إجمالي القدرة الحالية لتوليد الكهرباء في المملكة المتحدة.


وذكر التقرير أن هذه الخطوة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، بعد أسابيع من التوتر المتصاعد بين أوروبا والولايات المتحدة، على خلفية محاولات ترامب الضغط على حلفاء "الناتو" وتسريبات عن سعيه لفرض نفوذ أمريكي على جرينلاند، ما دفع بالعلاقات عبر الأطلسي إلى حافة الانكسار.


وكان وزير الطاقة البريطاني "إد ميليباند" ومفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن أكدا، في مقال مشترك نشرته "بوليتيكو" مؤخرًا، أن "الطاقة النظيفة المحلية" تمثل بديلًا استراتيجيًا لاعتماد أوروبا المتزايد على الغاز الطبيعي المسال المستورد، والذي يأتي جزء كبير منه حاليًا من الولايات المتحدة.


وشدد المسئولان على أن "الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، سواء من روسيا أو من أي جهة أخرى، لا يمكن أن يحقق أمن الطاقة ولا الازدهار المنشود"، محذرين من أن ذلك يترك أوروبا "رهينة لتقلبات الأسواق العالمية وضغوط الفاعلين الخارجيين".


ورغم الحماس الرسمي، أبرز التقرير أن خطة أوروبا في هذا الشأن لا تخلو من تحديات؛ إذ أن استغلال الرياح القوية في بحر الشمال يتطلب تنسيقًا سياسيًا معقدًا يتجاوز الخلافات الوطنية وانقسامات "بريكست"- وهو مصطلح يطلق على عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- إضافة إلى المعارضة السياسية المتزايدة لمشاريع الطاقة المتجددة في بعض الدول. كما أنه في حين يشهد قطاع الرياح البحرية في بريطانيا اهتمامًا متزايدًا من المستثمرين، تواجه دول مثل ألمانيا وفرنسا صعوبات في جذب الشركات للمشاركة في المناقصات الجديدة.


كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن الغاز، رغم تراجعه البطيء، لا يزال يشكل نحو ربع مزيج الطاقة في أوروبا، ويُعد عنصرًا أساسيًا في الصناعات الثقيلة، في وقت لا ترى فيه جميع الدول والشركات الأوروبية ضرورة عاجلة لوقف تدفق شحنات الغاز القادمة من تكساس.


أما عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد كان واضحًا في موقفه. ففي كلمته الأسبوع الماضي خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سخر من توربينات الرياح ومن الأوروبيين الذين يعتمدون عليها، واصفًا إياهم بـ"الخاسرين"، لكن خلف هذا الخطاب، تكمن مصالح اقتصادية مباشرة.


وتعد الولايات المتحدة أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ومع توقف الإمدادات الروسية عبر الأنابيب، ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الأمريكي أربعة أضعاف، وفقًا لمعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي.


من جانبه، تفاخر وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت في دافوس بأن الصادرات الأمريكية نجحت في "إزاحة معظم الغاز الروسي"، متوقعًا استمرار "تجارة طاقة قوية" مع أوروبا، ستكون– على حد تعبيره– "مهيمنًة عليها في المدى القصير بصادرات الولايات المتحدة".


كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى إزالة ما وصفه بـ"العوائق" أمام هذه التجارة، مشيرًا إلى ضريبة الكربون الأوروبية واللوائح البيئية المفروضة على الشركات، مؤكدًا أن واشنطن "تعمل مع شركائها الأوروبيين" لتخفيف هذه القيود.


وبحسب التقرير، فإن الغاز الأمريكي رغم أنه قُدّم في السابق بوصفه "طوق نجاة" ساعد أوروبا على التخلص من الاعتماد على روسيا، إلا أن هذا الاعتماد اكتسب بعدًا جيوسياسيًا مقلقًا في ظل إدارة ترامب.


وحول ذلك، قال مسئول في المفوضية الأوروبية، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن "نقطة الضعف الكبرى كانت، ولا تزال، تتمثل في الانتقال من مورد غير موثوق به مثل روسيا إلى موردين آخرين قد يكونون غير موثوقين أيضًا"، مضيفًا:" لم أتخيل يومًا أننا سنضطر للقلق من الولايات المتحدة… ذلك كان قبل ترامب".


أما بخصوص قمة بحر الشمال، التي أُطلقت لأول مرة عام 2022 كاستجابة مباشرة لأزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، فإنها تنعقد هذا العام وسط مخاوف متزايدة، لدى محللين وخبراء طاقة، من احتمال استخدام واشنطن للغاز كسلاح سياسي، على غرار ما فعله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سابقًا.


وبحسب الحكومة الألمانية، من المتوقع أن يشارك في القمة عدد من رؤساء الدول ووزراء الطاقة وكبرى الشركات العاملة في القطاع، وسيتم التوقيع على ثلاثة إعلانات رئيسية، أبرزها "إعلان هامبورج"، الذي يؤكد على تعزيز التعاون الوثيق وحماية البنية التحتية الحيوية وتوحيد الجهود لبناء مستقبل طاقة أوروبية أكثر استقلالًا.


وبهذا، لا تبدو قمة هامبورج مجرد اجتماع تقني حول الطاقة، بل محطة سياسية تعكس سعي أوروبا لفك الارتباط التدريجي عن ضغوط الخارج، حتى وإن كان ذلك يعني السير عكس الرياح الأمريكية، وفقًا للتقرير.

الاكثر قراءة