لم يعد ملف دور الرعاية الاجتماعية مجرد أخبار متفرقة أو وقائع عابرة تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي ثم تختفي، بل تحول خلال الشهور الأخيرة إلى قضية رأي عام مفتوحة على مصراعيها، بعد أن كشفت مقاطع فيديو صادمة، وشهادات مؤلمة، وبلاغات موثقة عن حجم الانتهاكات التي يتعرض لها نزلاء بعض دور الرعاية، سواء من الأطفال الأيتام، أو كبار السن، أو الأشخاص ذوي الإعاقة. إهمال طبي، سوء معاملة، غياب أدنى معايير الكرامة الإنسانية، ومؤسسات تتلقى تبرعات بملايين الجنيهات دون أن ينعكس ذلك على مستوى الرعاية داخلها، لتتراكم الأسئلة في وعي المجتمع: من يراقب؟ من يحاسب؟ ولماذا ظل هذا الملف لسنوات طويلة ضمن القضايا “المسكوت عنها”؟
تحرك رسمي لكسر دائرة التجاهل
أمام هذا الواقع المأزوم، لم تعد سياسة التجاهل ممكنة، فتحركت وزارة التضامن الاجتماعي بمنهج مختلف، قائم على المواجهة المباشرة والحسم القانوني، وقررت فتح واحد من أخطر وأعقد الملفات الاجتماعية في مصر، عبر خطة شاملة استندت إلى تكثيف الحملات التفتيشية، والزيارات الميدانية الدورية والمفاجئة، والتنسيق مع مختلف الجهات المعنية، في محاولة لإعادة ضبط منظومة دور الرعاية على أسس إنسانية وقانونية تحمي النزلاء قبل أي اعتبار آخر.
قرارات حاسمة بالأرقام.. 80 دارًا خارج المنظومة
وخلال عام ونصف العام فقط، أعلنت وزارة التضامن الاجتماعي نجاحها في إغلاق ما يقرب من 80 دارًا ومؤسسة رعاية على مستوى الجمهورية، ما بين دور غير مرخصة تعمل خارج إطار القانون، وأخرى مرخصة ثبت ارتكابها لمخالفات جسيمة تمس سلامة وحقوق النزلاء. قرارات الإغلاق شملت دور رعاية أبناء، ودور مسنين، ومؤسسات دفاع اجتماعي، ومراكز ومؤسسات تأهيل، في تطبيق صارم للقانون، وترجمة عملية لشعار “حماية النزلاء أولًا”.
منظومة رقابية متعددة الأذرع
وتعتمد الوزارة في تنفيذ هذه التحركات على منظومة رقابية متكاملة، تضم فريق التدخل السريع المركزي، وفرق التدخل السريع بالمحافظات، ولجان الضبطية القضائية، وإدارات الرعاية المختلفة داخل الوزارة. هذه الجهات تنفذ زيارات دورية ومفاجئة لمؤسسات الرعاية ومراكز التأهيل، بهدف رصد أي تقصير في الخدمات المقدمة، والتأكد من الالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية، وعدم الاكتفاء بالشكل الورقي للتراخيص.
غير مرخصة ومخالفة.. خريطة الإغلاقات
وأسفرت هذه الجهود عن إغلاق 43 دارًا غير مرخصة، إلى جانب 37 دارًا ومؤسسة مرخصة ارتكبت مخالفات جسيمة، أو انتفت عنها صفة النزلاء، أو تقدم القائمون عليها بطلبات إغلاق. وفي جميع الحالات، لم تترك الوزارة النزلاء لمصير مجهول، بل تم التعامل مع أوضاعهم عبر نقلهم ودمجهم في دور ومؤسسات إيوائية أخرى مناسبة ومرخصة، بما يضمن استمرار تقديم الرعاية دون انقطاع.
شقق تتحول إلى دور رعاية.. انتهاك صارخ للقانون
ومن أبرز الوقائع التي كشفتها الحملات التفتيشية، ضبط خمس دور رعاية تعمل في شقق سكنية بحي المنتزه بمحافظة الإسكندرية، تُستخدم بشكل غير قانوني لإيواء المسنين. هذه الشقق كانت تضم 47 نزيلاً من الرجال والسيدات معًا، دون أي تجهيزات طبية حقيقية أو اشتراطات سلامة وحماية مدنية، في مشهد يكشف خطورة تحويل الرعاية الاجتماعية إلى نشاط تجاري بلا ضوابط. وعلى الفور، تم نقل عدد من المسنين إلى دور رعاية مرخصة، وتسليم آخرين إلى ذويهم، مع إخلاء وغلق الأماكن محل الواقعة، وإحالة القائمين عليها إلى النيابة العامة.
قائمة ممتدة من المخالفات بالمحافظات
كما شملت قرارات الإغلاق عددًا كبيرًا من الدور والمؤسسات في محافظات مختلفة، من بينها دار زاهية مرزوق بالإسكندرية، دار هضبة الخير لرعاية الأيتام بنات، دار زينة الحياة بالجيزة، دار البنين ودار البنات بأسوان، دور المواردي والضيافة والبتول والرحمة بالمقطم، دار الإمام محمد زكي، دار أحبابي، دار أغابي، دار الحسنات، دار الرحاب بنين وبنات، حضانة الوداد بالقاهرة والجيزة، دار الشمس المشرقة بنين، البيت الآمن بالأقصر، دار أحباء المصطفى بنات ببورسعيد، دور الرحمة والسها بالمنيا، دار الهدى، دار الرحمة، ودار البنين القبطية بالغربية.
المصلحة الفضلى للنزلاء.. فلسفة التدخل
وأكدت وزارة التضامن الاجتماعي أن تحركاتها تستند إلى مبدأ “المصلحة الفضلى للنزلاء”، والتصدي للمؤسسات التي تعمل دون ترخيص قانوني، أو تفتقد لمقومات الرعاية الأساسية من تجهيزات طبية، واشتراطات حماية مدنية، وتجهيزات داخلية تتناسب مع طبيعة الفئات المقيمة بها. كما نجحت الوزارة في إغلاق ما يعرف بـ"الدور الحرجة"، وهي المؤسسات التي تعاني من مشكلات مزمنة لم تفلح محاولات الإصلاح في معالجتها، بسبب سوء الرعاية، والإهمال، والانتهاكات، وعدم تعاون مجالس إدارات الجمعيات التابعة لها مع الجهة الإدارية، أو وجود مخالفات جسيمة.
القانون حاضر.. ولا تبرعات بلا ترخيص
وشددت الوزارة على التزامها بتطبيق القوانين المنظمة، وعلى رأسها قانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024، وقانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 ولائحته التنفيذية، وقانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، الذي يحظر تخصيص أماكن للإيواء دون تراخيص. كما أكدت استمرار تلقي البلاغات عبر الخط الساخن 19828، ورقم “واتس آب” المخصص، إلى جانب ما يتم رصده عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، داعية المواطنين إلى عدم التبرع إلا للجهات المرخصة، والتحقق من قانونية دور الرعاية قبل إلحاق ذويهم بها.
منهج التدخل السريع.. الحسم قبل تفاقم الأزمة
قال محمد يوسف، رئيس فريق التدخل السريع بوزارة التضامن الاجتماعي، إن آلية عمل الفريق تعتمد على التحرك الفوري والاستباقي، بحيث يتم الوصول إلى موقع البلاغ أو الواقعة في أسرع وقت ممكن، قبل أن تتحول إلى أزمة تهدد حياة أو سلامة النزلاء. وأوضح أن الفريق لا يتعامل مع الشكاوى بمنطق الإجراءات الورقية أو انتظار الموافقات، بل ينزل مباشرة إلى الميدان فور رصد أي بلاغ عبر الخطوط الساخنة أو وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
وأضاف يوسف أن فريق التدخل السريع يعمل على مدار 24 ساعة بنظام المناوبات، ويتكامل مع الخط الساخن 16439 وخط الشكاوى الموحد 16528، بما يضمن عدم إهدار أي استغاثة أو تأخير التعامل معها. وأكد أن دور الفريق لا ينتهي عند التدخل العاجل أو إنقاذ الأطفال، بل يمتد إلى إعادة تقييم أوضاع المؤسسة بالكامل، ومتابعة الإجراءات التي تتخذها الجهة الإدارية تجاه المخالفين، مشددًا على أن الوزارة تتعامل حاليًا بسياسة صفر تسامح مع أي دار يثبت تورطها في الإهمال أو انتهاك حقوق الأطفال، حيث تصل الإجراءات إلى الغلق والإحالة للنيابة العامة عند الضرورة.
وأكد رئيس فريق التدخل السريع أن الهدف الأساسي ليس هدم منظومة الرعاية، وإنما إصلاحها وضمان استدامتها، قائلًا إن الحماية ليست قرارًا لحظيًا، بل منظومة عمل يومية قائمة على المتابعة والرقابة والردع، مضيفًا: “الأطفال أمانة في رقبتنا جميعًا، ووجودنا المفاجئ داخل دور الرعاية يمثل عامل ردع حقيقي لأي تجاوز”.
الرقابة والتطوير الرقمي.. حماية مستدامة للنزلاء
وأوضح الدكتور علاء عبدالعاطي، مدير عام الإدارة العامة للرعاية المؤسسية والأسرية بوزارة التضامن الاجتماعي، أن الوقائع الأخيرة تم كشفها في إطار تكثيف أعمال المتابعة والرقابة الميدانية على دور الرعاية، حيث لاحظت اللجان وجود أطفال غير مقيدين رسميًا وغير مدرجين في السجلات المعتمدة، ما استدعى فتح تحريات موسعة للتأكد من أوضاعهم القانونية والإنسانية.
وأشار عبدالعاطي إلى أن الوزارة، بصفتها جهة إدارية، تلتزم التزامًا كاملًا بالقانون، وتترك للنيابة العامة مهمة التحقيق والفصل في المسؤوليات، مؤكدًا أن حماية الأطفال وصون حقوقهم تمثل أولوية لا تقبل التهاون. وأضاف أن الوزارة وفرت برامج دعم نفسي واجتماعي للأطفال المتضررين، إلى جانب اتخاذ إجراءات إدارية صارمة بحق إدارات الدور المخالفة، شملت تغيير إدارات كاملة وإحالة موظفين للتحقيق.
وفي سياق متصل، كشف عبدالعاطي عن خطة شاملة لتحديث منظومة تسجيل بيانات الأطفال داخل دور الرعاية عبر التحول الرقمي، من خلال إنشاء قاعدة بيانات موحدة وتدريب العاملين على استخدامها، بما يمنع ضياع الملفات أو التلاعب في الأعداد، ويعزز قدرة الوزارة على المتابعة اللحظية.
وشدد على أن التحرك الاستباقي هو السبيل الحقيقي لمنع الانتهاكات، لافتًا إلى أن الوزارة أغلقت منذ منتصف 2024 وحتى نهاية 2025 نحو 80 دارًا مخالفة، في إطار استراتيجية وطنية تستهدف توفير بيئة آمنة ومستقرة لكل طفل بلا رعاية أسرية.