ضباط إدارة الهجرة والجمارك هم البوليس النازى السرى، هكذا رُفعت اللافتات من قبل المتظاهرين الذين خرجوا للشوارع فى ولاية مينسوتا على خلفية مقتل رينيه جوود، المواطنة الأمريكية التى استهدفت من قبل ضابط من قوات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية دون أى ذنب؛ لتصبح جورج فلويد جديد فى مينابوليس.
أثار مقتل رينيه جوود المواطنة الأمريكية التى تبلغ من العمر 37 عاما، وأمّ لثلاثة أطفال برصاص أحد عناصر الهجرة والجمارك داخل سيارتها، غضب الجماهير الأمريكية فى ولاية مينسوتا، وصب مزيدا من الوقود على الشارع الأمريكى الذى يضيق ذرعا بنشر القوات الفيدرالية وعملاء إدارة الهجرة والجمارك وطريقة تنفيذهم لقوانين الهجرة الجديدة التى طبقها ترامب بالفعل العام الماضى.
تصاعدت حدة المظاهرات الأسبوع الماضى رغم انخفاض درجة الحرارة الى ما دون الصفر، وزادت خلال هذا الأسبوع عندما أطلق عنصر آخر النار على رجل فنزويلى وأصابه بجروح، بعد اتهامه بمقاومة الاعتقال «بعنف»، وتصدى القوات الفيدرالية للمتظاهرين، الأمر الذى دفع قاضيا فيدراليا لإصدار قرار يمنع مسئولى الهجرة من استخدام بعض إجراءات ضبط الحشود ضد المتظاهرين السلميين واعتقالهم فى إطار العملية الأمنية فى مينسوتا، وسط تقارير عن احتجاز مواطنين أمريكيين ومطالبة سكان مينسوتا بتقديم وثائقهم دون سبب واضح.
وجاء قرار القاضية كاثرين مينينديز بعدم جواز قيام العملاء الفيدراليين باعتقتال المتظاهرين السلميين، أو استخدام رذاذ الفلفل أو ما شابه من استخدام الذخائر غير الفتاكة أو أدوات تفريق الحشود ضدهم. ويقتصر هذا الحكم على ولاية مينسوتا.
ويأتى هذا أيضا بالتزامن مع انتشار أنباء تفيد بأن وزارة العدل تحقق مع حاكم مينسوتا تيم والز، وعمدة مينابوليس جاكوب فراى بتهمة عرقلة عمل سلطات إنفاذ القانون الفيدرالية، وقد ينتهى هذا التحقيق بتوجيه تهم للديمقراطيين الاثنين رغم دعواتهما المستمرة للمتظاهرين مرارا وتكرارا بالتزام السلمية، وعدم الانجرار وراء أى استفزازات قد تؤدى إلى رد فعل فيدرالى أشد.
ويبدو أن جوود كانت مجرد الفتيل الذى أشعل النار، لكن حالة الاستياء من العملاء الفيدراليين والتكتيكات الفيدرالية للتعامل مع المهاجرين قديمة جدا، وعقد أعضاء ديمقراطيون فى الكونجرس جلسة اجتماع ميدانية فى مبنى الكابيتول بولاية مينسوتا هذا الأسبوع، لتسليط الضوء على الانتهاكات المزعومة التى حدثت خلال حملة مكافحة الهجرة، وقال مشرعون وسكان محليون فى الجلسة إن مواطنين أمريكيين يمارسون حياتهم اليومية يتعرضون للمضايقة أو الاحتجاز بسبب أصولهم العرقية، فى حين أن المتحدث باسم وزارة الأمن الداخلى أصر أن العملاء الفيدراليين لا يستخدمون التنميط العنصرى فى عمليات الاعتقال.
كما تصر إدارة ترامب أن حادثة جوود كانت تصرفا طبيعيا؛ حيث لم تصغ جوود لكلام العميل الفيدرالى، وعرضت حياته للخطر بتحريكها للسيارة مما دعاه لاتخاذ الإجراءات اللازمة، بل وصفه البعض بأنه كان دفاعا عن النفس وأن جوود متورطة فى إرهاب داخلى كما وصفوه، لكن رفض العديد من المسئولين المحليين ومسئولى الولاية الرواية الفيدرالية.
وتظهر الفيديوهات جوود وهى جالسة فى سيارة هوندا رياضية، وفى لحظة ما اقتربت العناصر الفيدرالية منها، وطلبوا من جوود النزول، لكن جوود تحركت بالسيارة مما دفع جوناثان روس وهو عميل من إدارة الهجرة والجمارك، كان يقف فى مقدمة السيارة، لإطلاق النار عليها وأصيبت جود بثلاث طلقات حسب التقارير الأولية -اثنتين منها استقرت فى الصدر وواحدة فى مقدمة الرأس وسقطت جوود قتيلة.
التصعيد دفع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالتهديد بتفعيل «قانون التمرد» لنشر قوات عسكرية فى ولاية مينسوتا، بعد أن تصاعدت الاحتجاجات فى مدينة مينابوليس وامتدت إلى المدن المجاورة، وفى منشور على وسائل التواصل الاجتماعى قال ترامب مهاجما مسئولى مينسوتا «إذا لم يلتزم السياسيون الفاسدون فى مينسوتا بالقانون ويمنعوا المحرضين المحترفين والمتمردين من مهاجمة الوطنيين فى إدارة الهجرة والجمارك، الذين يحاولون القيام بعملهم، فسأقوم بتطبيق قانون التمرد».
وقانون التمرد أو قانون 1807 هو قانون يسمح للرئيس الأمريكى بنشر الجيش أو ضم قوات الحرس الوطنى التابعين للولايات إلى القوات الفيدرالية لقمع أى تمرد ، وهو استثناء من القوانين التى تحظر استخدام الجنود فى إنفاذ القانون المدنى أو الجنائى، وقد تم تطبيق هذا القانون 30 مرة فى تاريخ الولايات المتحدة، والرئيس وحده هو من يملك صلاحية تحديد ما إذا كانت الشروط استوفت لتطبيقه أم لا.
وقد اتخذ ترامب خطوة غير مسبوقة بضم جنود الحرس الوطنى إلى القوات الفيدرالية للمساعدة فى إنفاذ قانون الهجرة فى الولايات التى يسيطر عليها الديمقراطيون، متجاهلا اعتراضات حكومات الولايات بما فى ذلك لوس أنجلوس العام الماضى.
يذكر أن ترامب انتقد على مدى أسابيع قادة الحزب الديمقراطى فى الولاية، كما وصف سكانها ذوى الأصول الصومالية بالحثالة، وقد أرسل بالفعل 3000 عنصر من القوات الفيدرالية إلى منطقة مينابوليس، حاملين أسلحتهم فى شوارع المدينة الممتلئة بالثلوج، مرتدين ملابس عسكرية مموهة وأقنعة تخفى وجوههم.
ومنذ بدء الاحتجاجات، اعتقلت عناصر الأمن مهاجرين ومتظاهرين على حد سواء، وقامت فى بعض الأحيان بتحطيم نوافذ وإخراج الناس من سياراتهم بالقوة، وتعرضوا دائما للصراخ بسبب توقيفهم مواطنين أمريكيين من أصول إفريقية ولاتينية للمطالبة بهوياتهم، حتى أنه فى حادثة لفتت الرأى العام، قام ضباط هجرة ملثمون بسحب المواطنة الأمريكية علياء رحمن من سيارتها بالقرب من موقع مقتل جوود، حيث قالت رحمن لوكالة رويترز، لقد سحبونى بالقوة كالحيوان، حتى بعد أن أخبرتهم أننى من ذوى الاحتياجات الخاصة.
التحركات الأخيرة فى مينسوتا أدت إلى انقسام داخل الحزب الجمهورى نفسه، فوفقا لاستطلاع أجرته رويترز/ إبسوس فقد أيد 59 فى المائة من الجمهوريين سياسة تعطى الأولوية للاعتقالات من قبل ضباط الهجرة حتى إذا تسبب ذلك فى إصابة الناس، بينما عارض 39 فى المائة ذلك وقالوا يجب التركيز على حماية الناس.
ويؤكد السفير رخا حسن مساعد وزير الخارجية الأسبق أن ما يحدث الآن سيؤثر على انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر القادم، وربما لا يحصل ترامب على الأغلبية التى يريدها فى الكونجرس، وربما ما يهدئ الموقف هو تراجع إدارة ترامب عن حماية العميل المتورط فى مقتل جوود وتوقيع أقصى عقوبة عليه.
وأضاف «رخا» أن هناك حالة استياء عامة بسبب نشر القوات الفيدرالية من غير وجود مبرر حقيقى، لمجرد ادعاء من ترامب وإدارته من أن المهاجرين غير الشرعيين خطر على الأمن القومى الأمريكى، وهذا غير حقيقى، حيث إن الولايات المتحدة كانت تعتمد طوال الوقت على المهاجرين خاصة فى الولايات الجنوبية، فى الكثير من الأعمال لأنهم عمالة رخيصة وبدون تأمينات، لذا فإن ملاحقة المهاجرين ولدت غضبا ليس فقط بين حكام الولايات لكن أيضا بين أصحاب الأعمال الذين كانوا يعتمدون على تلك العمالة، وأجج هذا الغضب مقتل جوود، وربما إذا استمرت هذه المظاهرات وامتدت إلى ولايات أخرى، سيصعد الأمر للقضاء وحينها هو منْ يحدد ما إذا كانت هذه القوات تحمى القانون فعلا أم لا؟.