أما المناسبة الثانية فهى مرتبطة بما أقره الدستور المصري، من كون يوم 25 يناير ثورة شعبية خرجت للدفاع عن الوطن، وكانت لحظة تضافرت فيها جهود رجال الشرطة المخلصين والجيش ضد المخربين، للحفاظ على أمن الوطن وسلامة الشعب المصري؛ لتكتب فصلًا جديدًا فى سجل الوطنية المصرية العاقلة والحكيمة.
لكن الإخوان فقط هم منْ يستغلون هذه الذكرى الوطنية العزيزة كموعد سنوى ثابت للتحريض على الفوضى والعنف، معتمدين على شعارات باهتة وأوهام سياسية فارغة، حتى باتت محاولاتهم الفاشلة معروفة باسم (حصاد الفنكوش الإخواني)، والفنكوش مصطلح أطلقه المخرج نادر جلال فى فيلم «واحدة بواحدة» على لسان الفنان عادل إمام؛ ليعبر عن العمل التافه الذى لا أصل له، ولا ملامح له، ولا حقيقة له.
وإذا كان للفنكوش معنى فكاهي، فإن الجماعة الإرهابية نفسها هى أكثر منْ زرع وحصد هذا الفنكوش على مدار السنوات الماضية؛ لتثبت للعالم أن مشروعهم السياسى قائم على الزيف والفشل، وأن كل دعواتهم الثورية مجرد عبث بلا مضمون، وفوضى بلا هدف، والجماعة الإرهابية نفسها أصبحت مصنعا كبيرا لإنتاج «الفنكوش السياسي» فمشاريعهم زائفة، ودعواتهم الميدانية فاشلة، وخططهم طفولية ساذجة، لم تعد إلا دليلًا على عجزهم التاريخى وفقدانهم أى مصداقية أو شرعية، ومع 25 يناير من كل عام يتذكر المصريون أن الإخوان باعوا لهم فى وقت سابق الفنكوش الدينى والسياسى والاجتماعي، وأنهم لا يملكون إلا الزيف، والفشل، والفوضى، وأن الوطن لا يُدار بالخيالات، بل يُحمى بالأفعال والشجاعة الحقيقية.
بدأت الجماعة فى زراعة الفنكوش عندما روَّجوا لأكذوبة أنهم أهم قوة فى الشارع المصرى والعربي، والحقيقة هم أكبر كتلة تُحدث ضجيجًا، وأكبر تجمع قادر على تفجير المجتمعات من الداخل، وأكثر جماعة تكره الوطن وتطلق الشائعات على كل مشاريع التنمية، الجماعة لا تملك رؤية لقيادة الدولة ولا تملك رجال دولة يمكنهم قيادة الدولة، جماعة غير قادرة على جمع شمل عناصرها والتوحد تحت قيادة واحدة فهل يعقل أن تكون قادرة على إدارة سفينة الوطن؟، أم تحطيمها على أقرب مرفأ.
ظلت الجماعة تزرع الفنكوش فى النقابات والجامعات والشارع المصري، حتى إذا ما نجحت قوى الظلام والشر فى زعزعة استقرار البلاد وتهديد حياة الشعب المصري، حتى صعدوا لكرسى الرئاسة، مع وعود كثيرة بنقلة حياتية للمصريين حكومة وشعبا وقدرة على إدارة الدولة بطريقة أفضل مما كانت عليه قبل 2011، هنا حصد الإخوان الفنكوش وأرادوا تسويقه عند المصريين عبر مندوبيهم فى الرئاسة المصرية.
رفض المصريون، عن بَكرة أبيهم، أن يشتروا الفنكوش الإخواني، ولم يكتفوا بالرفض الصامت، بل اعترضوا وثاروا على مندوب الجماعة فى الرئاسة، محمد مرسي، إلى أن خرجوا مرة واحدة وحاسمة فى 30 يونيو 2013 ليعزلوا هذا المندوب عن موقع الرئاسة، ويستعيدوا دولتهم من قبضة تنظيم لا يعرف من السياسة إلا الزيف، ولا يجيد إلا بيع الأوهام، فمصر بتاريخها وشعبها العظيم، لا يمكن ولا يصح أن تُدار بواسطة جماعة لم تنتج فى تاريخها سوى الفنكوش، ولا تمتلك مشروع دولة، ولا تفهم معنى الوطن.
وفى تلك اللحظة الفارقة، انحاز الجيش والشرطة مرة ثانية لإرادة الشعب، لا بحثًا عن سلطة، بل حماية للوطن وصون لإرادة المصريين، ليُغلق فصل أسود من العبث السياسي، ويمنع انزلاق الدولة إلى مصير مجهول.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف الجماعة الإرهابية عن زرع وحصاد الفنكوش؛ مرة باسم «حراك»، ومرة تحت لافتة «ثورة»، ومرة بدعوى «الفرصة الأخيرة»، أربع أو خمس مرات فى العام الواحد، تتبدل المسميات ويبقى الجوهر واحدًا، وهم بلا شارع، وضجيج بلا شعب، غير أن الثابت الوحيد أن الجماعة الإرهابية تكثف مع اقتراب 25 يناير، الترويج لفنكوشها السنوي، وتطلق وعودًا عن «ثورة كاسحة» و«تصفية حسابات»، لا تتحقق إلا فى خيال الجماعة المريضة.
ومن فنكوش إلى فنكوش، سارت قافلة الإخوان فى طريق الانحدار، إلى أن انتهى بها الحال أن تدير ما تسميه حراكًا من خلف شاشات الهواتف الذكية، ومن خارج الحدود المصرية. تنظيم بلا أرض، بلا جماهير، وبلا مستقبل، يكتفى بإعادة تدوير الوهم، بينما تمضى مصر وشعبها إلى الأمام، تاركين الإخوان أسرى زيفهم أو فنكوشهم وعجزهم التاريخي.
لماذا 25 يناير موسم حصاد الفنكوش الإخوانى؟
الإخوان، لمنْ يعرفهم جيدًا، لا يملكون خيالًا سياسيًا ولا قدرة ثورية حقيقية؛ كل ما يمتلكونه هو التقليد الأعمى وإعادة تدوير اللحظة. وبسبب وهم راسخ لديهم بأنهم كانوا قادرين على إدارة حراك 25 يناير 2011، يتخيلون أن التاريخ يحمل رمزية ذهنية قابلة للاستدعاء، وأن الشارع المصرى الذى لم يثر يومًا على حكامه يمكن، بإعادة التاريخ نفسه، أن يثور اليوم على دولته. هذا الوهم وحده كافٍ لكشف تفاهة العقل الإخواني، الذى يظن أن يومًا بعينه يمتلك خصوصية سحرية ثابتة فى وعى المصريين.
الحقيقة عكس ذلك تمامًا، فرغم اعتراف الدستور المصرى بـ25 يناير كثورة شعبية، فإنك لو سألت كثيرًا من المصريين الذين خاضوا أحداثها، لتمنّوا أنهم لم يشاركوا فيها، لما جرّته على مصر من الاقتراب من حافة الهاوية، وخطر سقوط الدولة، واحتراب داخلي، وفوضى كادت تلتهم المجتمع وتُهدد سلامة الوطن ووحدة أراضيه، هذه التجربة المريرة رسّخت وعيًا جمعيًا جديدًا، لا حنينًا، ولا قابلية للتكرار.
لكن الخلل البنيوى فى تفكير الإخوان يجعلهم يتوهمون أنهم قادرون على بيع الوهم مرة ثانية، ليسلموا الوطن فى النهاية إلى أيدى مخربين لا يعرفون معنى البناء، ولا يؤمنون بالدولة، بل يستمتعون بالهدم حتى آخر بيت مصري.
عقد من الفنكوش فى سجل الإخفاق الإخوانى
منذ عزل جماعة الإخوان عن السلطة، تحوّل يوم 25 يناير إلى موعد سنوى ثابت لمحاولات بائسة لاستدعاء الشارع، انتهت جميعها بالفشل. ففى البداية خرجت الدعوات مرتبكة ومفككة، تفتقر لأى زخم حقيقي، واقتصرت على جيوب محدودة سرعان ما تلاشت، كاشفة منذ البداية عن فنكوش إخوانى جديد.
ثم صعّدت الجماعة خطابها، مع اشتداد الهجمات فى سيناء فى خيانة واضحة للشعب وللوطن، وتحدثوا عن «موجة ثورية جديدة»، تبين أنها لم تتجاوز لجانا إلكترونية، أحدثوا به ضجيجا على الإنترنت، وكانت النتيجة واضحة: ثورة فانكوشية بامتياز على شاشات قنواتهم فقط، بلا حضور حقيقى على الأرض.
ثم حاولت الإرهابية ركوب الموجة الاقتصادية، وربط دعواتها بمعاناة المواطن المصري، متوهمة أن الضغوط المعيشية يمكن تحويلها تلقائيًا إلى انفجار سياسي، لكن الرهان سقط سريعًا ليس لأنه فنكوش فحسب، بل لأن الداعى تنظيم فاقد للثقة والشرعية.
ثم فى ذروة جائحة كورونا بدت الدعوات أكثر انتهازية؛ لأن حدود الوضاعة فاقت تخيل أى أحد، بينما كان المجتمع منشغلًا بالحماية والنجاة، والدولة تسعى للحفاظ على أرواح أبنائها والبحث عن أمصال قوية آمنة، ظهرت الجماعة لتطعن المجتمع والدولة والوطن والقيم الأخلاقية.
ثم عاد الخطاب نفسه تحت لافتة «الفرصة الأخيرة»، عام 2023 مع تضخيم ممنهج لأى مقطع أو تجمع محدود، فى محاولة يائسة لصناعة زخم وهمى أو بيع الفنكوش للمصريين، إلا أن أدوات التزييف الإعلامى انكشفت، وتبدد الادعاء سريعًا.
ثم حاولوا تقليد حراك مغربى، بدعوات باهتة للاستفتاء على عزل الرئيس معتمدين على شباب جيل زد، وكان انتشارهم مضحكا وساذجا لم يلق سوى السخرية، فهم ملوك الفنكوش الأصلي، وحددوا يوم 25 يناير لتغيير النظام، ففضح الشعب وشبابه عجز الجماعة وتآكلها.
الإرهابية تُعاني
لم يعد فشل دعوات الإخوان المتكررة، خاصة فى 25 يناير، مجرد إخفاق عابر، بل تحوّل إلى قانون سياسى ثابت، فالإرهابية تعيد إنتاج الخطأ نفسه كل عام، وتتوقع نتيجة مختلفة، لم يستوعبوا أن الشعب الذى جرّب حكمهم ودفع ثمن الفوضى والانقسام، لم يعد مستعدًا للعودة إلى نقطة الصفر، فالمصريون لم ينسوا، أنهم قدموا الولاء للجماعة على حساب الدولة، واختزلوا الوطن فى مكتب إرشاد، هذه التجربة ترسّخت فى الوعى الجمعي، وأصبحت أقوى من أى دعاية إلكترونية أو خطاب تحريضى يُبث من خارج الحدود.
الأخطر أن الإخوان ما زالوا يقرأون المجتمع بعقلية متحجرة؛ يفترضون أن الغضب يساوى الثورة، وأن أى ضيق اقتصادى قابل للتحويل إلى انفجار سياسي. هذا وهم فجّ. فالتذمر لا يصنع ثورة، والاحتجاج المطلبى لا يتحول تلقائيًا إلى تمرّد شامل، خاصة عندما تكون الجماعة الداعية فاقدة للثقة ومرفوضة شعبيًا.
داخليًا، التنظيم نفسه يعيش حالة تفكك وانهيار بطيء. صراعات قيادات الخارج، انقطاع مسارات التمويل، وتآكل السيطرة على القواعد، كلها حولت الجماعة إلى كيان يصدر أوامر لا تجد من ينفذها. ما يُسمّى “حراك» لم يعد يتجاوز شاشات الهواتف، وضجيج اللجان الإلكترونية.
وفى المقابل، تغيّرت الدولة جذريًا لم تعد ساذجة أو مرتجلة، بل طوّرت أدوات الرصد والاحتواء والوقاية، وأغلقت المجال العام أمام محاولات صناعة الفوضى، أما الرهان الإخوانى على الخارج فقد انهار؛ الغرب لم يعد مستعدًا لدعم مغامرات عبثية، وتقدّمت أولويات الاستقرار والأمن والاقتصاد على أوهام «الثورات المعلبة».
الإخوان يفشلون وسيفشلون لو حاولوا ألف مرة ولو مليون مرة، لا لشيء إلا لأن مشروعهم نفسه سقط من تفكير المصريين، وكل مرة يدعون فيها لثورة فى يناير تُذكر المصريين بمؤامرة الإخوان، وأنهم اشتروا منهم الفنكوش، ولن يسمحوا لأنفسهم أن يشتروه ثانية تحت أى مسمى.
25 يناير.. شاهد إدانة قانونية وأمنية لجماعة إرهابية
لم يعد إصرار جماعة الإخوان الإرهابية على استدعاء 25 يناير مجرد عجز سياسي، بل تحوّل إلى قرينة إدانة مكتملة الأركان. فالجماعة التى تُصرّ على استخدام يوم وطنى جامع كغطاء لدعوات الفوضى، تكشف بوضوح عن طبيعة مشروعها: تنظيم لا يعترف بالدولة، ولا يحترم القانون، ولا يرى فى الوطن سوى ساحة صراع. تكرار الدعوات فى التاريخ نفسه، وبالآليات نفسها، وبالخطاب التحريضى ذاته، يثبت أن ما يجرى ليس حراكًا سياسيًا، بل محاولة منظمة لإرباك الأمن العام وتقويض الاستقرار.
بعد أكثر من عشر سنوات، لم يعد فشل هذه الدعوات مجرد إخفاق شعبي، بل أصبح تأكيدًا قانونيًا على سقوط شرعية الجماعة نهائيًا. تنظيم محظور، مصنّف إرهابيًا، تقوده عناصر هاربة فى الخارج، ويموَّل عبر مسارات مشبوهة، لا يمكن التعامل معه بوصفه فاعلًا سياسيًا، بل كتهديد أمنى ممنهج. الدولة المصرية لم تتصدَّ لهذه الدعوات باعتبارها “اختلاف رأي”، بل باعتبارها تحريضًا مباشرًا على الفوضى والعنف، ومحاولة لإحياء شبكات انتهت صلاحيتها.
25 يناير لم يعد، فى السياق الإخواني، رمزًا لثورة، بل ملف اتهام مفتوح يتجدد كل عام، يثبت أن الجماعة لم تتعلم، ولم تراجع، ولم تتخلَّ عن منطق الصدام. وبينما تعلّمت الدولة كيف تمنع تشكّل لحظة الفوضى، وتطوّر أدواتها الأمنية والقانونية، ظل الإخوان أسرى وهم قديم، يكررون الجريمة نفسها، ويتوقعون إفلاتًا جديدًا، ما يفشل سياسيًا كل عام، يسقط قانونيًا وأمنيًا إلى الأبد. و25 يناير، الذى تحاول الجماعة اختطافه، سيبقى شاهدًا لا على عودتهم، بل على نهايتهم كخونة وعملاء.