في ثاني ندوات الصالون الثقافي ضمن فعاليات الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، دار نقاش موسع حول أشكال الكتابة الجديدة لجيل حديث في زمن تتبدل فيه أدوات الحكي بسرعة، وتتشكل ذائقة القراءة عبر الشاشات بقدر ما تتشكل عبر الكتب.
جاءت ندوة "جيل يكتب العالم بطريقته" لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل تغيّرت الكتابة لأن القارئ تغيّر، أم أن القارئ الجديد هو نتيجة تحولات أعمق في اللغة والتكنولوجيا ووسائط التعبير؟
ناقشت الندوة ملامح جيل Z بوصفه جيلًا لا يكتفي بالاستهلاك، بل يعيد صياغة العالم بلغته الخاصة، ويختار ما يقرأه وفق معاييره، لا وفق ما يُملى عليه. جيل نشأ داخل فضاء رقمي مفتوح، فتبدلت علاقته بالزمن، وبالحكاية، وبفكرة الكتاب نفسها.
أدار الندوة سيف الدين، الباحث والعامل بالوسط الثقافي المصري، الذي قدم إطار النقاش وعرف بفكرة الندوة، مؤكدًا أن الهدف ليس الحكم على الجيل الجديد، بل فهمه والتفاعل معه.
شارك في الندوة كل من، محمد عصمت: مترجم وكاتب ومتخصص في أدب الرعب، أحد أكثر الأنواع الأدبية انتشارًا بين قراء جيل Z.، محمد الفولي: مترجم وباحث في الأدب العالمي، مهتم بقضايا الترجمة وتحولات الذائقة القرائية، فيرنا: كاتبة وباحثة في ثقافة القراءة وتأثير السوشيال ميديا على القارئ المعاصر، ماجد صنارة: كاتب ذو تجارب متنوعة في الرواية وأدب الرعب وأدب الطفل.
تناولت الندوة عدة محاور، منها:
أدب الرعب وذكاء القارئ: وجه مدير الندوة سؤالًا لمحمد عصمت حول سر انجذاب جيل Z لأدب الرعب، فقال: "أكبر تحدي لأدب الرعب الآن هو التكنولوجيا، حيث أصبحت الأفكار المرعبة تصل لمناطق جديدة، ويواجه المؤلف منافسة مستمرة مع محتوى بصري شديد الذكاء. جيل Z ذكي ومتصل بالتكنولوجيا، لذا على الكاتب فهم مخاوفه النفسية والوجودية، لا الاكتفاء بتخويف سطحي".
الترجمة وجيل Z: قال محمد الفولي: "الترجمات تشهد إقبالًا متزايدًا لأنها تفتح عوالم وثقافات جديدة، وتتماشى مع ما يشاهده الجيل يوميًا عبر المنصات المختلفة. الجيل لا يريد خطابًا وعظيًا، بل حكاية صادقة ولغة حية".
تأثير السوشيال ميديا: قالت فيرنا: "الجيل الجديد لا يريد من يتحدث له من الأعلى، لكنه يريد من يتحدث معه على نفس المستوى. قد يقرأ لكتّاب لا يعرفهم الجيل الأقدم، وهذا جزء من تحولات طبيعية في الذائقة".
اللغة الشفاهية وكسر القوالب: تحدث ماجد صنارة عن تجربته في الكتابة قائلاً: "في قطاع واسع يُكتب بلغة غير حية رغم أن الأحداث تدور في الزمن الحالي، لذا استخدام اللغة الشفاهية يصبح ضرورة وليس ترفًا". وأضاف أن اختيار العناوين المثيرة للجدل وسيلة لجذب القارئ.
الرعب المقروء والمرئي: أوضح محمد عصمت أن في الكتابة يعتمد الخيال وحده لخلق التوتر تدريجيًا، بينما في الرعب المرئي تساعد المؤثرات الصوتية والبصرية على صناعة الخوف حتى مع قصة ضعيفة.
اللغة والترجمة: قال محمد الفولي: "في الأدب الإسباني تستخدم العامية بكثافة دون حساسية، بينما عندنا هناك قدسية للغة الفصحى، وهذا قيد يجب التحرر منه مع الالتزام بأمانة النص الأصلي".
الكلاسيكيات والإيقاع الحديث: أكدت فيرنا أن دور النشر يجب أن تبذل جهدًا أكبر للترويج للكلاسيكيات مع الاهتمام بالأغلفة واستخدام أدوات التواصل الحديثة. وأوضحت أن الإيقاع السريع في تيك توك والريلز فرض نفسه على القارئ الجديد الذي غالبًا يبحث عن ملخص قبل قراءة الكتاب الكامل.
واختتمت الندوة بخلاصة واضحة: جيل Z لا يرفض الكتاب، لكنه يرفض الوصاية. إنه جيل يبحث عن لغة صادقة، وحكاية تحترم ذكاءه، وتواكب إيقاع حياته. وبين تحديات التكنولوجيا وفرصها، تظل الكتابة الحقيقية قادرة على البقاء شرط أن تجرؤ على التغيير.