رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الست».. فيلم غابت عنه «الست»


20-1-2026 | 05:17

.

طباعة
بقلـم: محمد الشافعي

آثرت أن أتريث طويلًا.. قبل مشاهدة فيلم (الست).. حتى أتخفف تماما من ضغوطات طوفان النقد والانتقاد.. الذى طال هذا الفيلم على مدى الأسابيع.. بداية من تأكيد الزميل محمد بركة أن أحداث الفيلم مأخوذة من روايته (حانة الست).. ومرورا بالمؤامرة التى تحدث عنها الفنان الكبير محمد صبحى.. وليس انتهاء بتطابق بداية الفيلم مع بداية الفيلم الذى قدم مسيرة حياة المطربة الفرنسية الكبيرة إديث بياف (لحظة السقوط).. المهم أنى ذهبت مع مجموعة من الأصدقاء لمشاهدة الفيلم.. لأجد عدد المشاهدين قليلا جدا.. وبعد أكثر من ساعتين.. اكتشفت أن (الست) قد غابت تماما عن (فيلم الست).. بعد أن تاه صُناع الفيلم عن مفاتيح شخصية سيدة الغناء العربى.. حيث يتركز الولوج إلى عالم أم كلثوم فى ثلاثة مداخل رئيسية؛ السيرة الإنسانية - المسيرة الفنية - الدور الوطنى. فسيرتها الإنسانية ترتكز على نوع فريد وباهر من العصامية.. جعل من هذه الفتاة شديدة البساطة.. والقادمة من عمق الريف المصرى.. والتى تؤكد كل مقدمات حياتها.. أنها ستبدأ وتنتهى فى التنقل بين القرى والموالد.. لتشدو ببعض قصائد المديح.. ولكنها امتطت صهوة جواد الإرادة الفولاذية.. لتجلس على قمة من النور.. ستظل دوما حكرا عليها. أما مسيرتها الفنية.. فتمثل أسطورة غير مسبوقة.. وربما تكون غير ملحوقة.. فهذه (الفتاة الصييتة).. التى تجوب الموالد.. تشدو بقوالب غنائية محفوظة ومحفورة على جدار الزمن.. تواترت من السلف إلى الخلف.. من دون أى تطوير أو إضافات.. ولكن تلك الفتاة التى لم تذهب إلى أى مدارس لم تستطِع فقط تطوير مواهبها وملكاتها الذاتية.. ولكنها استطاعت تطوير فنون الغناء والموسيقى العربية بشكل خاص.. والشرقية بشكل عام.. وصعدت بتلك المواهب والملكات.. لتجلس وحدها على قمة الغناء العربى وتصبح سيدته. أما دورها الوطنى.. فهو النموذج الأبهى والأنبل.. الذى يجب أن يحتذى به كل فنان يعشق وطنه.. ويجعل من هذا العشق وسيلة لمحبة الإنسانية كلها.. وعلى مدى سنوات طويلة جدا.. تقدمت أم كلثوم الصفوف.. لتكون فى صدارة المدافعين عن قضايا الوطن فى أفراحه وأتراحه. وعلى مَن يتعامل مع عالم أم كلثوم.. أن يركز إما على واحد من تلك المداخل الثلاثة.. أو يصنع منها ضفيرة فنية على شاكلة ما حدث فى مسلسل أم كلثوم.. الذى كتبه الراحل القدير محفوظ عبدالرحمن.. وأخرجته القديرة إنعام محمد على.. وقامت ببطولته الرائعة صابرين.. وجاء فيلم الست للمؤلف أحمد مراد.. والمخرج مروان حامد.. وبطولة عدد كبير من النجوم تتقدمهم منى زكى.. ليسلك طريقا مختلفا.. يمكن أن نطلق عليه (طريق الحواوشى).. حيث يتم هرس وخلط أشياء كثيرة أقلها جيد وأكثرها فاسد.. مع وضع الكثير من (البهارات).. التى تغطى على الأشياء الفاسدة.. وتعطينا (الطعم الكاذب).. حيث اعتمد الفيلم على كثير من الحكايات المبتورة وترك مساحات كبيرة من الحقائق الغائبة معتمدًا على الإنتاج السخي.. والإيقاع السريع.. وكتيبة النجوم. وإذا استعرضنا بعض (الحكايات المبتورة) والتى لم تعانِ فقط من البتر، ولكنها عانت أيضًا من التشويه.. وفى مقدمتها جاءت حادثة سقوط أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا فى باريس، عندما ذهبت لتغنى دعمًا للمجهود الحربى بعد عدوان يونيو 1967.. هذا السقوط كان نتيجة لأن أحد المعجبين حاول تقبيل قدمها احترامًا وتقديرًا ولم يتعرض هذا المعجب إلى الضرب والإهانة، ولم يتم غلق ستارة المسرح.. ولم يحدث كل هذا الهرج والمرج.. ولم يستمر الأمر أكثر من عدة ثوانٍ نهضت بعدها السيدة أم كلثوم لتعيد أبيات قصيدة الأطلال (هل رأى الحب سكارى) أقوى وأفضل مما غنتها قبل حادث السقوط. السقوط هنا يمثل قمة الرفعة والصعود، بينما سقوط إديث بياف كان يمثل الوهن والتلاشى حيث أثقلها المرض وهدها، فسقطت على المسرح سقطة النهاية. ومن الحكايات المبتورة منع أغانى أم كلثوم من الإذاعة لمدة ثلاثة أيام بعد ثورة يوليو.. وهذا صحيح ومَن أصدر قرار المنع محمد السباعى رئيس أركان الإذاعة، وكان شاعرًا رفضت أم كلثوم أن تغنى له.. وعندما حدث المنع اتصلت بقائد الثورة جمال عبدالناصر الذى كانت تعرفه منذ عام 1948 عندما استضافته فى بيتها هو وزملاءه الذين تم حصارهم فى الفالوجا أثناء حرب فلسطين.. وعلى الفور استدعى عبدالناصر السباعى وسأله عن السبب فقال إنها من العصر البائد فطلب منه عبدالناصر أن يهدم الهرم لأنه من العصر البائد أيضًا، فهِم الرجل الرسالة، وعادت أم كلثوم تصدح عبر أثير الإذاعة. ومن الحكايات المبتورة أيضًا واقعة علاج أم كلثوم بمستشفى البحرية فى أمريكا، الفيلم يكتفى بعرض عبدالناصر عليها أن يتم إرسالها للعلاج بالخارج ولكنها تشكره وتعتذر عن عدم السفر، بينما هى سافرت بالفعل. وتتصل بهذا المشهد واقعتان مهمتان.. الأولى زعم الفيلم إجبار أم كلثوم على الغناء لرجال الثورة.. وهذا لم يحدث أبدًا، والأخرى وصف عبد الناصر بأنه نائب الرئيس.. ومنذ بداية الثورة.. وحتى تولى الرجل منصب الرئيس عام 1956.. لم يتولَّ أبدًا منصب نائب الرئيس.. حيث كان وزيرًا ثم رئيسًا للوزراء.. والأهم أن هذا المنصب لم يكن موجودًا.. منذ إعلان الجمهورية فى 18 يونيو 1953.. وحتى تولى عبدالناصر منصب الرئيس. ومن الحكايات المبتورة والممجوجة وجود السيدة أم كلثوم وفرقتها الموسيقية فى الإذاعة.. لحظة اندلاع الثورة وإذاعة أول بياناتها.. وهذا لم يحدث أبدًا.. والأهم أن أنور السادات لم يذِع بيان الثورة أول مرة.. حيث خرج البيان بصوت الإعلامى الكبير فهمى عمر.. ولم يسجل السادات البيان بصوته.. إلا بعد أن أصبح رئيسًا لمجلس النواب مع بداية ستينيات القرن الماضى. ورغم حماسة وتأثير مشهد هتاف الجماهير فى مسرح الأولمبيا فى باريس (ثومة.. ثومة).. إلا أنه لم يثبت أبدًا أن جمهور أم كلثوم قد تعامل معها طوال تاريخها... على طريقة جمهور (الدرجة الثالثة) فى مباريات كرة القدم.. وتسجيل حفل باريس موجود لمنْ يريد الاطلاع عليه. أما إظهار أم كلثوم طوال الوقت متوترة وعصبية وغاضبة وأحيانا منكسرة.. فقد كانت محاولة فاشلة بائسة.. لتقديم هذه الصورة المغلوطة.. عن امرأة عاشت طوال عمرها تجسيدا للشموخ والقوة.. ولأنها إنسانة فلا مانع أبدا من تقديم بعض لحظات الضعف الإنسانى.. على ألا يتم الخلط بين هذا الضعف المشروع.. وتصدير صورة عن أنها طوال الوقت شخصية مهزوزة وقلِقة.. وبالطبع فإننى لم أتوقف طويلا أمام (تدخين أم كلثوم) ولكنى تألمت كثيرا من طريقة (مسكة السيجارة).. فهى طريقة تليق بإحدى غانيات (شارع كلوت بك)، ولا تليق أبدا بسيدة الغناء العربى. كما عمل كل من مؤلف الفيلم ومخرجه.. على توريط الفنانة منى زكى فى طريقة أداء عجيبة وغريبة.. صوت أجشّ.. ولهجة مستهجنة.. وكأن أم كلثوم كانت (أمنا الغولة).. والغريب أن الفيلم قدم أكثر من تسجيل لأم كلثوم وهى تتحدث فى حوارات إذاعية.. وكانت طبيعية جدًا.. وأبعد ما تكون عن الطريقة التى تقدمها منى زكي.. التى للأسف الشديد كانت أكبر الخاسرين فى هذا الفيلم. وقد اعتمد صُناع الفيلم على تقنية (الفلاش باك).. وهذا مقبول فنيًا.. ولكن غير المقبول هو تداخل فلاش باك فى فلاش باك.. وتعدد هذه التقنية.. بطريقة ترسخ الارتباك وعدم التركيز.. وساعد على زيادة حجم الإرباك والتشويش.. تلك الموسيقى التصويرية المزعجة.. وإذا كان صُناع الفيلم من أصحاب (الذائقة) الغربية فى الموسيقى.. فلدينا الكثير من التجارب الناجحة فى تقديم موسيقانا العربية بنكهة غربية.. وكان الأفضل استخدام موسيقى أغانى أم كلثوم بتوزيع جديد وعصري. ومن الواضح أن الإنتاج كان شديد السخاء للدرجة التى دفعت مجموعة من النجوم لتقديم أدوار هامشية.. لن تضيف أى شيء لمسيرتهم الفنية مثل كريم عبدالعزيز – عمرو سعد – نيللى كريم – أمينة خليل. وفى النهاية فإننا ننصح مَنْ يبحث عن (الأحجار الكريمة) فى مسيرة سيدة الغناء العربي.. أن يعيد مشاهدة المسلسل الذى قدم ببراعة سيرة حياتها.. أما منْ يبحث عن البريق الذى يخرج من (الخرز الملون).. فعليه أن يشاهد فيلم الست.. الذى عجز عن الولوج من المداخل الثلاثة.. لشخصية أم كلثوم.. سيرتها الإنسانية.. وسيرتها الفنية.. ودورها الوطني.. واكتفى بأن يقدم بعض (الحواوشى الفني).. أو (غزل البنات).. بألوانه الزاهية وحجمه المنفوش.. ولكنه يذوب سريعًا ويتلاشى.

الاكثر قراءة