رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«بنى منشيه» سلاح استيطانى لتهويد الجليل


19-1-2026 | 12:01

.

طباعة
تقرير: دعاء رفعت

مؤامرة صهيونية جديدة بدت ملامحها هذا الأسبوع بعدما أقرت الحكومة الإسرائيلية خطة موسعة تهدف إلى جلب آلاف من أفراد مجموعة «بنى منشيه» من الهند، على مراحل تمتد حتى عام 2030. ووفق الخطة، صادقت الحكومة على استقدام نحو 5800 شخص من هذه المجموعة، على أن يتم جلب 1200 منهم فى المرحلة الأولى التى يُفترض أن تنتهى بحلول عام 2026، بينما يُستكمل العدد المتبقى مع نهاية العقد الحالى.

خصصت الحكومة الإسرائيلية ميزانية تُقدر بنحو 90 مليون شيكل للمرحلة الأولى من الخطة، وتشمل هذه الميزانية تكاليف الطيران من الهند إلى إسرائيل، وإجراءات التحويل الدينى (التهويد)، وتعليم اللغة العبرية، إضافة إلى الإسكان وبرامج الاستيعاب الأولية وتشير المعطيات المتداولة إلى أن نحو 4 آلاف شخص من مجموعة «بنى منشيه» كانوا قد هاجروا بالفعل من الهند إلى إسرائيل خلال العقدين الماضيين، وذلك فى إطار برامج استقدام خاصة أدارتها مؤسسات إسرائيلية تُعنى بالهجرة الدينية والقومية. وقد شكلت هذه الهجرات جزءًا من سياسة إسرائيلية غير معلنة تستهدف جلب جماعات تدعى أصولًا يهودية من مناطق بعيدة عن أوروبا والولايات المتحدة. وفى مايو 2021، وافقت حكومة بنيامين نتنياهو السابقة على قرار يقضى بجلب 548 شخصًا من «بنى منشيه» إلى إسرائيل بحلول نهاية العام نفسه، فى خطوة وُصفت حينها بأنها استئناف رسمى لمسار استقدام هذه الجماعة.

يأتى القرار الحكومى الجديد فى توقيت لافت؛ إذ تم اتخاذه قبيل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة خلال العام الجاري، وقد تقدم بخطة جلب ما تبقى من أفراد «بنى منشيه» وزير الهجرة أوفير سوفر، وهو عضو فى حزب «الصهيونية الدينية»، ما يعكس الطابع الأيديولوجى والديموغرافى للمشروع .وليس هذا التحرك الأول من نوعه قبيل الانتخابات، إذ سبقه مسار مشابه قبل نحو 13 عامًا، ففى أكتوبر 2012، أى قبل ثلاثة أشهر فقط من الانتخابات الإسرائيلية، صوتت حكومة الليكود برئاسة نتنياهو لصالح السماح لمجموعة كبيرة من الأفراد من شمال شرق الهند، الذين لا يُعتبرون يهودًا وفق القانون الإسرائيلي، بالهجرة إلى إسرائيل. وبعد عام واحد فقط، صوتت الحكومة التالية التى شكلها نتنياهو لصالح استقدام مجموعة أكبر من هؤلاء. وبالطبع المنظمة التى تولت جلب «بنى منشيه» إلى إسرائيل هى منظمة «شافي»، التى كان يديرها مايكل فرويند، وهو مهاجر أمريكى شغل سابقًا منصب مساعد لنتنياهو خلال ولايته الأولى فى أواخر تسعينيات القرن الماضي.

ينتمى «بنو منشيه» إلى جماعات إثنية تعيش فى ولايتى مانيبور وميزورام فى شمال شرق الهند، وتدعى أنها من نسل «قبيلة منسى» المذكورة فى التقاليد اليهودية القديمة، إلا أن الأدلة التاريخية على هذا الادعاء ضعيفة، وتعتمد فى معظمها على الروايات الشفهية والأنساب الدينية. ويروى بنو منشيه أسطورة شفهية تقول إن أصولهم تعود إلى سبط منسى، الذى نُفى عام 722 قبل الميلاد إلى آشور، ثم هاجر شرقًا عبر ما يُعرف بـ«أرض ميشانا» (ميانمار حاليًا). وتزعم هذه الروايات أنهم حافظوا، عبر القرون، على بعض العادات مثل الختان، واحترام يوم السبت (الشبات)، وتقديم قرابين فصح غير مكسورة، غير أن تبنى الممارسات اليهودية بشكل منظم لم يظهر إلا خلال القرن العشرين، حين نشأت حركات محلية داخل تلك المناطق أبدت رغبة فى الارتباط بدولة الاحتلال.

وفى عام 1951، روى زعيم قبلى محلى أنه رأى حلمًا مفاده أن الوطن القديم لشعبه هو «إسرائيل»، ما دفع بعض أفراد القبيلة إلى تبنى فكرة أنهم يهود .وفى أواخر القرن العشرين، أطلق الحاخام الإسرائيلى إلياهو أفيتشايل اسم «بنى مناشيه» عليهم، استنادًا إلى ادعائهم الانتماء إلى سبط منسّى، وهو الاسم الذى جرى تعميمه لاحقًا فى الأوساط الدينية والسياسية الإسرائيلية.

لم تدعم دولة الاحتلال رسميًا هجرة «بنى منشيه» حتى عام 2005، عندما أعلن الحاخام شلومو عامر، الذى كان حينها الحاخام الأكبر للسفارديين، أنهم من «نسل إسرائيل». إلا أن تحقيقًا أجرته صحيفة «هاآرتس» لاحقًا خلص إلى أنه لم يصدر حكم دينى واضح وصريح يقر بيهوديتهم وفق الشريعة اليهودية .ويُستخدم مصطلح «نسل إسرائيل» للإشارة إلى أشخاص لا يُعتبرون يهودًا بموجب الشريعة (الهالاخاه)، لكن يُعتقد أن لهم أصولًا يهودية بعيدة. وحتى اليوم، يتطلب السماح بهجرة «بنى منشيه» إلى إسرائيل موافقات خاصة من الكنيست والحكومة، ولا تتم العملية بشكل تلقائى كما هو الحال مع اليهود المعترف بيهوديتهم، وبمجرد وصولهم إلى إسرائيل، تتولى منظمة «شافي» ترتيب عملية اعتناقهم اليهودية الأرثوذكسية، إذ تحظر الهند التحولات الدينية على أراضيها. وفى عام 2002، نشرت المؤلفة والمترجمة هليل هالكين، كتابًا تناول قصة «بنى منشيه»، وخلصت فيه إلى أنه حتى لو كانت لهم أصول يهودية بعيدة جدًا، فإن أياً من أسلافهم القريبين لم يكونوا يهودا، وبالطبع الهدف هنا واضح وهو أداة استيطانية جديدة لمجابهة موجات الهجرة من إسرائيل التى بدأت بعد اندلاع حرب الإبادة فى قطاع غزة. وفى مراحل سابقة، جرى توطين عدد من أفراد «بنى منشيه» فى مستوطنات الضفة الغربية، فيما تم مؤخرًا توجيههم إلى مدن وبلدات فى شمال فلسطين المحتلة. وتُعد مدينة الناصرة العليا، أو «نوف هجليل» وفق التسمية الإسرائيلية، وهى مدينة مختلطة يهودية-عربية وقريبة جدًا من مدينة الناصرة، وجهة رئيسية لإسكان هذه المجموعة، وبموجب قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي، سيتم أيضًا توطين آلاف من أفراد «بنى منشيه» الذين يُفترض وصولهم خلال السنوات المقبلة فى المنطقة نفسها. وقد وصف بنيامين نتنياهو هذه الخطوة بأنها «مهمة وصهيونية».

يُشكل توجيه هؤلاء المهاجرين نحو الجليل والشمال حجر الزاوية فى الخطة، إذ تشير صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى أن الهدف هو إدماجهم ضمن استراتيجية حكومية أوسع لإعادة تشكيل التركيبة السكانية فى تلك المنطقة .وتُعد منطقة الجليل تاريخيًا ذات ثقل سكانى عربى فلسطينى كبير، وهو ما تصفه الدوائر الأمنية الإسرائيلية بـ«التحدى الديموغرافى الشمالي». ومن هنا، تسعى سياسة «تهويد الجليل» إلى كسر الأغلبية العربية عبر زرع تجمعات يهودية جديدة وكثيفة.

وفى تعليقه على قرار الحكومة، قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب «الصهيونية الدينية» اليمينى المتطرف، إن «الهجرة إلى الجليل وإعادة التوطين فى نوف هجليل تعزز سيطرتنا على الشمال ومستقبل دولة إسرائيل». 

الاكثر قراءة