تعتبر مصر من الدول التي تتميز بعدد مهم من الحضارات و الثقافات المختلفة التي كونت وجودها في الحياة منذ فجر التاريخ وحتى الآن، وجعلها ذلك في موقع متميز بين دول العالم القديم و الحديث مما جعلها مطمعا لكل الدول الاستعمارية التي ترغب في احتلال المنطقة التي تتوسط العالم؛ فقد جاء إليها المحتلون والطامعون والاستعماريون من كل حدب وصوب ، من شرق الدنيا و غربها؛ جاء إليها الهكسوس والتتار والرومان والفرنسيون والإنجليز وإسرائيل، ودحرتهم جميعا في كل الأوقات وطردتهم من أرضها العصية الأبية مهما طال الزمن ومهما بقوا فيها من سنوات لكن يبقي من تلك الدول الغازية ذيول و تابعون وعملاء بالوكالة تحركهم كل يكونوا على أهبة الاستعداد لأى تحرك منهم في أي لحظة و هذا ما يجب أن يجعلنا يقظين دائما و مستعدين بصفة مستمرة.
والسؤال الذى يجب أن نعرفه، هل يأتي الاستعمار في شكل واحد معروف كما كان قديما بمعداته وجنوده وأسلحته التقليدية المعروفة، بالطبع الأمر اختلف في العصر الحديث، فهو يأتي إلينا في هذا العصر وهذا الزمن بأشكال مختلفة ومتنوعة ووجوه عكرة ظاهرة وخفية دون أسلحة تقليدية يريد الفتك بنا دون طلقة رصاص واحدة عن طريق حروب الجيل الرابع و الخامس من خلال السيطرة على عقول شبابنا ومقدرات وطننا، ولقد حبا الله مصر بعدد من الدوائر الإقليمية و الثقافية المهمة التي تجعلها دائما في تواصل مع أخواتها مع الدول المشتركة معها في الدائرة نفسها، ويساعدها ذلك في أن تستفيد من تلك الدوائر المهمة ساعة أي خطر يقابلها في أي لحظة من لحظات الخطر على كل المستويات، ومن هذه الدوائر الأقرب لنا:
-الدائرة العربية:
وهي الدائرة الأقرب لنا بحكم الجوار والثقافة واللغة والدين والأعراف والعادات والتقاليد المشتركة، علاوة على وحدة الهدف والمصير المشترك والخطر والعدو الذي يهدد كل الدول العربية وخاصة الدول المشتركة في الحدود مع هؤلاء الأعداء وخاصة إسرائيل وأثيوبيا وجماعات الإرهاب الأسود ومن ورائهما ويحاول السيطرة والحصول على كل المقدرات.
-الدائرة الإسلامية:
وهي الدائرة المشتركة في الدين وتقف أحيانا تلك الدائرة مع الدول الإسلامية التي تتعرض لأزمات أو كوارث أو عدوان كما وقفت تلك الدائرة مع جنوب افريقيا في رفع قضية على اسرائيل بشأن حرب الإبادة التي تقوم بها في غزة.
-الدائرة الأفريقية:
وهي الدائرة التي ننتمي إليها قاريا تحت مظلة منظمة الأمم الأفريقية التي يتولى رئاستها كل عام واحدة من الدول الإفريقية وتتولى شئون ومصالح دول أفريقيا.
وتعد هذه الدوائر خطوط أمن قومي مصري غاية في الأهمية لأنها تدعم وتساعد في تنفيذ الهدف الاول من الاستراتيجية المصرية التي أطلقتها مصر وهي حماية الأمن القومي المصري، ويوجد هذا الهدف في كل خطط التنمية المستدامة منذ عام ٢٠١٤ والخطة الكبرى الطموحة ٢٠-٣٠ التي تنفذها مصر على قدم وساق حتى تنقل مصر نقلة نوعية جديدة وتدخل بها جمهورية جديدة قادرة على مواجهة العصر بكل مفرداته.
ومن المخاطر التي تواجه مصر الآن ما تقوم به دول أثيوبيا من بناء جائر لسد النهضة على حساب مصر والسودان، وتقوم بذلك بشكل منفرد وبدعم من بعض الدول التي تسعي لتهديد حياة مصر والمصريين، وتفعل أثيوبيا ذلك دون أن تتعاون مع مصر والسودان باعتبارهما دولتا المصب والمتضررتان من هذا البناء وذلك بحجة ادعاء اثيوبيا الظاهر أنها تفعل ذلك من أجل التنمية عندها.
ورغم أن مصر عرضت عليها مساعدتها فيما تريد من كل خطط التنمية وأن يكون كل ملء للسد من أجل إنتاج الكهرباء بالتوافق بين الدول الثلاثة- مصر واثيوبيا والسودان- لكنها تفسد كل تفاوض وتعيق كل اتفاق للوصول لحل يضمن حقوق مصر والسودان طبقا للاتفاقيات الدولية المنظمة في هذا الشأن.
و تحاول أثيوبيا جاهده أن تبحث لها عن دوائر وحلول تساعدها في حالة نشوب أي صراع من أي نوع، وخاصة الصراعات العسكرية، فتحاول أن تجد لها موضع قدم في بعض دوائر الصراعات الموجودة حولها من خلال اتفاقيات مع بعض المنشقين مع دول الجوار حولها و خاصة مجموعة ما يسمى بأرض الصومال التي حاولت أن تنفصل عن الصومال و لم يعترف بها أحد و تفعل ذلك كي تجد لنفسها مواضع و أماكن استراتيجية على البحر الأحمر لأنها دولة حبيسة بعض انفصال دولة أريتريا عنها، كما أنها تحاول أن تقيم علاقات قوية مع دولة جيبوتي و هما من دول القرن الافريقي، وواضح أن أثيوبيا تفضل أن تتعاون مع المنشقين والمتصارعين كي تتواجد بأي شكل كان رغم أنها تستطيع ان تتواجد بأشكال شرعية ودبلوماسية وتفاوضية مع الجميع كما أكد ذلك الرئيس السيسي في لقائه مع رئيس دولة الصومال عضو جامعة الدول العربية واتفاقية الدفاع العربي المشترك لكنها صارت دولة مثيرة للقلاقل و التوترات في تلك المنطقة.
وهنا يجب أن نفطن لما تريده وتخطط له من محاولتها وضع قدم ثابتة في الصومال من خلال اتفاقية مع جماعة أرض الصومال وأيضا من خلال تعاون وثيق وقوى مع دولة جيبوتي من خلال اتفاقيات تعاون كي يكون لها ميناء على البحر الاحمر لأنها دولة حبيسة كما ذكرت أو خلال التعاون مع المنفصلين مع الصومال مقابل الاعتراف بهم كدولة منفصلة عن الصومال وتكوين دولة جديدة وهنا يحب التحرك على عدد من المستويات كي تظل تلك المنطقة على حالة وفاق دائم وتعاون مع مصر ومنها:
-المستوى الدبلوماسي:
وقامت به مصر من خلال زيارات رئاسية وعلى مستويات مختلفة كي يشعر الأشقاء في الصومال وجيبوتي أن مصر معهما وبجوارهما.
-المستوى الاقتصادي:
ويكون ذلك بعمل اتفاقات ومشاريع اقتصادية وتنمية لهذه الدول التي تحتاج فعلا للتنمية الاقتصادية كي تبدأ في تحقيق طفرات حضارية لديها.
-المستوى العسكري:
دعم القوة العسكرية لدى الدولتين من خلال دعم منظومة التدريب والتخطط الاستراتيجية للدولتين وكذا التسليح وتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك.
-المستوى الثقافي:
وهي القوة الناعمة القادرة على التأثير على الشعبين من خلال الأزهر والأوقاف وبرتوكولات التعاون الثقافية بين الدولتين في المجالات كافة، وخاصة الأطفال، والنشء، والشباب.
وختاما، أصبح التعاون مع الأشقاء العرب بصفة عامة والأفارقة بصفة خاصة ودول القرن الأفريقي في الصومال وجيبوتي وارتيريا بصفة أخص ضرورة ملحة من أجل حماية الأمن القومي المصري من المخاطر التي تهددها دولة أثيوبيا وإسرائيل التي تسعى بكل قوة للوجود في تلك المنطقة بعد اعترافها بما يسمى بأرض الصومال ضاربة بالقانون الدولي وحقوق وسيادة الدول عرض الحائط كعادتها، بالطبع هي صفقة مشبوهة تسعى لوجود موضع قدم بالقرب من مضيق باب المندب كي تسيطر على البحر الأحمر.