سبعون عاما مرت على قرار تأميم قناة السويس، ذلك القرار التاريخى الذى اتخذه الزعيم جمال عبد الناصر فى 26 يوليو 1956، ليكون واحدا من أعظم القرارات السياسية فى تاريخ الجمهورية الأولى التى أسسها، ولم يكن التأميم مجرد خطوة سيادية، بل كان إعلانا صريحا عن ميلاد الاستقلال الاقتصادى بعد الاستقلال السياسي، وبداية بناء دولة قوية.
فالبناء لا يتحقق إلا بقرارات شجاعة ورجال أوفياء، وهو ما تجسد فى تلك اللحظة الفارقة، لتبدأ مصر بعدها رحلة طويلة من العطاء، نجنى ثمارها حتى اليوم، حيث أصبحت قناة السويس أحد الأعمدة الرئيسية للدخل القومى المصري، وأحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية.
ومع تعاقب السنين، جاءت إرادة جديدة ورؤية مختلفة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، وإعلان الجمهورية الجديدة؛ ليكون القرار الأهم فى بداية مسيرته هو حفر قناة السويس الجديدة، ليس فقط لزيادة الدخل القومي، بل لتحويل القناة من مجرد ممر ملاحى إلى منطقة لوجستية عالمية متكاملة.
ناصر والتأميم
عندما رفع الرئيس جمال عبد الناصر علم مصر فوق سارية مبنى هيئة قناة السويس فى صباح مشرق من يوليو عام 1956، كان ذلك إيذانا بانطواء صفحة قديمة من تاريخ القناة، وميلاد مرحلة جديدة فى التاريخين السياسى والعسكرى لمصر، فقد جاء جلاء قوات الاحتلال البريطانى عن القناة، بعد احتلال دام 74 عاما، كخطوة أولى وضرورية نحو استعادة السيادة الوطنية، لتصبح القناة ملكا لمصر، لا بوصفها قاعدة عسكرية فحسب، بل منشأة اقتصادية، وجزءا لا يتجزأ من ثروتها القومية والطبيعية.
جاء قرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس فى سياق بالغ الدقة، بعد أن سحبت الولايات المتحدة عرض تمويل السد العالي، كما سحبت هيئة المنتفعين بقناة السويس المرشدين الأجانب فى محاولة لإثبات عجز مصر عن إدارة القناة، غير أن المصريين سرعان ما أثبتوا العكس، وأداروا المرفق العالمى بكفاءة واقتدار.
وفى هذا السياق، نشرت مجلة «المصور» فى عددها الصادر بتاريخ 3 أغسطس 1956 صورة للرئيس عبد الناصر تحت عنوان: «القنال لنا»، وتابعت على أرض الواقع حركة الملاحة، مؤكدة أن «كل شيء هادئ فى قناة السويس»، كما جابت المجلة منطقة القناة، ورافقت سفنًا أجنبية منذ دخولها المياه الإقليمية المصرية وحتى خروجها الآمن إلى البحر الأحمر، لتقدم شهادة حية على قدرة المصريين على إدارة القناة.
ومع تصاعد التهديدات، أعلنت المجلة فى 17 أغسطس على غلافها: «مصر تحمى القناة لآخر قطرة من دمها»، وجنّدت محرريها ومراسليها فى العواصم العربية لتوثيق تعبئة الأمة ضد العدوان الثلاثي، حتى كتبت فى سبتمبر عبارتها الشهيرة: «القاهرة.. لا لندن تقرر مصير القناة».
وبعد انتهاء العدوان الثلاثي، نجحت مصر فى تنفيذ واحدة من أعقد العمليات الهندسية، وهى إعادة تطهير المجرى الملاحى للقناة، تحت إشراف الهيئة المصرية لقناة السويس، وبمشاركة خبراء من الأمم المتحدة وغواصين إيطاليين.
وتم انتشال ثلاث سفن غارقة قرب الإسماعيلية، إلى جانب إزالة معوقات كبرى للملاحة، من بينها السفينة «إدجار بونيه»، والباخرة «عكا»، والسفينة الحربية «أبو قير»، وعدد من الكراكات والسفن الصغيرة.
واستمر تشغيل القناة حتى أحداث النكسة عام 1967، حين توقفت تماما عن العمل، لتبقى مغلقة حتى تحقق النصر فى حرب أكتوبر المجيدة عام 1973.
وفى يوم 5 يونيو 1975، أعلن الرئيس أنور السادات من فوق ميناء بورسعيد إعادة افتتاح قناة السويس أمام الملاحة العالمية، وقاد المدمرة «6 أكتوبر» طليعة أول قافلة بحرية تعبر القناة من الشمال إلى الجنوب، وسط أفراح شعب القناة البطل، فى يوم مثل كمال عودته إلى مدنه الثلاث، وعودة أكبر ممر ملاحى دولى إلى خريطة التجارة العالمية.
قناة السويس الجديدة
«باسم شعب مصر العظيم، ووفاءً بالعهد والوعد، متوكلا على الله، واستكمالا لمسيرة أجدادنا العظماء، نأذن نحن عبد الفتاح السيسى ببدء حفر قناة السويس الجديدة، لتكون شريانا لخير مصر، ولشعبنا العظيم، وللعالم أجمع حفظ الله مصر وشعبها العظيم، وتحيا مصر».
بهذه الوثيقة التاريخية أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال احتفالية كبرى فى أغسطس 2014، بدء حفر قناة السويس الجديدة، فى مشهد جسد إرادة وطن لا يعرف المستحيل، وقد وثقت مجلة «المصور» هذه اللحظة الفارقة، التى جاءت احتفالية وطنية كبرى، واستعراضا لقدرات الدولة المصرية وإمكانات جيشها، واستعداده الكامل لحماية الأرض والشعب والمقدرات.
وتتمثل فكرة المشروع فى إنشاء قناة جديدة موازية لقناة السويس الأصلية، وتعظيم الاستفادة من القناة وتفريعاتها الحالية، بهدف تحقيق أعلى نسب الازدواجية لتسيير السفن فى الاتجاهين دون توقف بمناطق انتظار داخل القناة. وهو ما يسهم فى تقليل زمن عبور السفن، وزيادة القدرة الاستيعابية، لمواكبة النمو المتوقع فى حركة التجارة العالمية مستقبلا، وارتباطًا بمشروع التنمية الشاملة لمنطقة قناة السويس.
بدأت مرحلة الحفر الجاف للمشروع فى 7 أغسطس 2014، وشارك فيها نحو 44 ألف مواطن مصري، باستخدام 4500 معدة، وبمشاركة 84 شركة وطنية. واستطاعت هذه الجهود إنهاء الحفر الجاف بنسبة 100فى المائة خلال 9 أشهر فقط، بعد استخراج نحو 250 مليون متر مكعب من الرمال.
وعقب ذلك، انطلقت مرحلة الحفر المائى (التكريك) مباشرة للوصول إلى الأعماق المطلوبة، بمشاركة 2000 عامل من هيئة قناة السويس، مستخدمين 45 كراكة، وأسفرت الأعمال عن رفع 258.8 مليون متر مكعب من الرمال المشبعة بالمياه.
وعند الافتتاح الرسمى فى 6 أغسطس 2015، كانت مجلة «المصور» حاضرة لتسجل كل لحظة من لحظات الانتصار التى حققها المصريون بأيديهم، وأصدرت عددا تذكاريا خاصا ضخما، ضم عشرات التحقيقات والحوارات حول أهمية القناة الجديدة، وتوثيقا كاملا لمراحل الحفر والافتتاح.
وحمل الغلاف صورة الرئيس عبد الفتاح السيسى على متن يخت «المحروسة» متجولًا فى القناة الجديدة، تحت عنوان: «قناة مصر معجزة العصر.. من السيسى إلى العالم».
وسجلت المجلة أن الرئيس السيسي، وبرفقته ممثلو الشعب، جاب مجرى القناة الجديدة على متن «المحروسة» لمدة تقارب الساعة، تأكيدا لمعنيين عميقين: الأول، الربط الرمزى بين يخت «المحروسة» القديم والجديد، الذى يمتد تاريخه إلى نحو 150 عاما، والثاني، أن هذا اليخت ظل شاهدا على محطات مفصلية فى تاريخ مصر الحديث، مسجلا لحظات التحول الكبرى عبر العقود.
وعن أهمية قناة السويس ودورها فى الاقتصاد القومى المصرى يقول الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، إن هيئة قناة السويس تحرص على تطوير الموقف التنافسى للقناة، وزيادة الطاقة الاستيعابية للمجرى الملاحى من خلال القيام بمشروعات التطوير المختلفة، ولعل أحد أبرز هذه المشروعات كان مشروع قناة السويس الجديدة الذى جسد بالفعل لحمة الشعب المصرى وثقته فى القيادة السياسية وهيئة قناة السويس.
وقد ساهمت قناة السويس الجديدة فى زيادة القدرة التصريفية للقناة لتصل إلى 97 سفينة / يوم، مع تحقيق العبور المباشر فى الاتجاهين لعدد 45 سفينة / يوم، وهو ما أدى بالتوازى مع تطبيق السياسات التسويقية المرنة فى زيادة الحصة السوقية لقناة السويس والقضاء على أى قنوات بديلة.
وبالتالى يمكننا القول إن قناة السويس نموذج رائد ويُحتذى به عالميا فى إدارة الممرات الملاحية، لا سيما فى الجوانب المُرتبطة بالتطوير المستمر، وتعزيز الأمن الملاحي، وتقديم خدمات متكاملة للسفن العابرة، والتعامل باحترافية مع الأزمات المختلفة (كورونا – الحرب الأوكرانية – توترات منطقة البحر الأحمر).
وعن الخطط المستقبلية لزيادة القدرة الاستيعابية للقناة أو تطوير المجرى الملاحى لمواكبة السفن العملاقة، يوضح الفريق أسامة ربيع أن الهيئة انتهت من مشروع تطوير القطاع الجنوبى، والذى استهدف ازدواج المنطقة من الكيلو متر 122 إلى الكيلو متر 132 ترقيم قناة، بطول 10 كيلو مترات، بالإضافة إلى توسعة وتعميق المنطقة الجنوبية لقناة السويس بداية من الكيلو متر 132 وحتى الكيلو متر 162 ترقيم قناة، بعرض 40 متراً وغاطس 72 قدماً.
وتمتلك هيئة قناة السويس دراسات كاملة ومستوفاة عن كافة مشروعات التطوير الممكنة، بما فيها ازدواج القناة بالكامل، وتقوم الهيئة بتنفيذ هذه الدراسات وفقاً لاحتياجات سوق النقل البحرى العالمى وبما يتماشى مع الجدوى الاقتصادية لهذه الدراسات.
وعن مستقبل قناة السويس أكد الفريق أسامة ربيع أن القناة بمواصفاتها الحالية تستطيع أن تستوعب كافة سفن أسطول الحاويات العالمى والذى يعتبر المستخدم الأكبر لقناة السويس دون أى عائق سواء فى الطول أو العرض أو الغاطس، بل ودائما ما كان هناك فارق كبير لصالح قناة السويس بين مواصفاتها (من حيث الغاطس والعرض والطول) ومواصفات سفن الحاويات، مما ضمن لها الريادة فى سوق النقل البحرى للحاويات.
وتحرص قناة السويس على مراقبة صناعة السفن بالترسانات العالمية عن كثب وذلك لمواكبة التطورات المستقبلية والاستعداد لها، ومن المتوقع أن تتحول قناة السويس من «ممر ملاحى استراتيجي» إلى «مركز لوجستى متكامل»، وذلك بفضل استراتيجيات التطوير لشركات وترسانات الهيئة وتحولها لقلاع صناعية، علاوة على التوسع فى تقديم الخدمات الملاحية اللوجستية.
كما تعمل الهيئة على مخطط استراتيجى لتصبح قناة السويس مركزا إقليميا للطاقة النظيفة بفضل استراتيجيتها نحو التحول الأخضر «القناة الخضراء 2030».
