في الخامس عشر من يناير 1918 م، قبل أن تنتهي الحرب العالمية الأولى بأشهر قليلة، وقبل أن تشتعل ثورة 1919م في مصر بعام واحد، جاء إلى الدنيا في منزل متواضع بشارع قنوات في حي «باكوس» بالإسكندرية، طفل لم يكن يعرف أن قدره سيكون تغيير وجه مصر والعالم العربي، صار إنسانًا بكل ما يحمله في قلبه وعقله، رجل حالم وواقعي، ثائر ودبلوماسي، رجل أحبه الملايين ترك إرثًا لا يزال موجودًا حتى اليوم، وأصبح الرمز الأكبر للكرامة العربية في القرن العشرين، والرجل الذي قال عنه الملايين: «لقد علمنا كيف نرفع رؤوسنا» إنه الزعيم الراحل رئيس جمهورية مصر العربية جمال عبد الناصر.
طفولة الترحال والفقد
كان جمال عبد الناصر حسين خليل سلطان المري، الابن الأول لموظف بريد بسيط ينتقل بين المدن الصغيرة، ولم تكن طفولة جمال مستقرة تنقلت أسرته بين الإسكندرية وأسيوط و«الخطاطبة» بمدينة السادات بمحافظة المنوفية، تابعةً عمل الأب في مكاتب البريد في سن الثامنة، أرسل جمال للعيش مع عمه في القاهرة، بعيدًا عن أمه التي كان يتبادل معها الرسائل الحنونة، في أبريل 1926، توقفت الرسائل، عاد الصبي إلى «الخطاطبة ليكتشف أن أمه ماتت قبل أسابيع أثناء ولادة أخيه الثالث، ولم يملك أحد الشجاعة لإخباره.
وقال في إحدى مقابلته وكتاباته: «كان فقداني لأمي بهذه الطريقة صدمة تركت في شعورًا لا يمحوه الزمن»، وقال بعد ذلك في حياته: «تلك الصدمة صنعت رجلًا يكره إنزال الألم بالآخرين، لكنها أيضًا صنعت ثائرًا لن يخشى المواجهة».
المتظاهر الصغير
في الخامسة عشرة، وجد جمال نفسه وسط مظاهرة في ميدان المنشية بالإسكندرية، لا يعرف حتى مطالبها، علم لاحقًا أنها ضد الاستعمار الإنجليزي، اعتقل ليلة واحدة قبل أن يخرجه والده، لكن الشرارة اشتعلت، في نوفمبر 1935م، قاد مظاهرة طلابية ضد بيان وزير الخارجية البريطاني، فأصيب برصاصة في جبينه من ضابط إنجليزي، نشرت جريدة «الجهاد» اسمه بين أسماء الجرحى صباح اليوم التالي – كان أول ظهور إعلامي للشاب الذي سيصبح زعيمًا.
سنوات التكوين.. القارئ النهم والحالم الكبير
أمضى جمال معظم وقت فراغه في القراءة، خاصة عندما كان يعيش بالقرب من دار الكتب والوثائق القومية في القاهرة عام 193م، كان قارئًا نهمًا لا يشبع، يلتهم الكتب التهامًا، قرأ «القرآن الكريم» وأحاديث النبي محمد صل الله عليه وسلم وسير الصحابة، فتشكلت قيمه الأخلاقية ومبادئه، قرأ السير الذاتية للزعماء الكبار: نابليون بونابرت وأتاتورك وأوتو فون بسمارك وغاريباللي وونستون تشرشل» وكان يبحث في تلك السير عن إجابات:«كيف يصنع رجل واحد فارقًا في التاريخ؟»،« كيف يقود أمة نحو التغيير؟».
لكن الكتاب الذي ترك أعمق الأثر في نفس الزعيم جمال عبد الناصر، كان رواية «عودة الروح» للكاتب المصري توفيق الحكيم، و في تلك الرواية، قال الحكيم: «إن الشعب المصري كان فقط بحاجة إلى الإنسان الذي سيمثل جميع مشاعرهم ورغباتهم، والذي سيكون بالنسبة لهم رمزًا لهدفهم» قرأ «جمال» تلك الفقرة مرارًا وتكرارًا، هل يمكن أن يكون هو ذلك الإنسان؟ سيعترف لاحقًا بأن هذه الرواية كانت مصدر إلهامه الأول لإطلاق ثورة 1952».
حلم القومية المصرية والعربية
تأثر جمال عبد الناصر أيضًا بالقومية المصرية كما اعتنقها السياسي مصطفى كامل والشاعر أحمد شوقي، كان يحفظ قصائد شوقي عن ظهر قلب، ويردد أبياته في خلواته. وفي الكلية الحربية لاحقًا، سيلتقي بمدربه عزيز المصري، الذي سيعبر عبد الناصر عن امتنانه العميق له في مقابلة صحفية عام 1961م، واصفًا إياه بأنه من أهم من أثروا في تفكيره القومي.
كانت تلك السنوات سنوات تكوين فكري وروحي، جمال عبد الناصر لم يكن مجرد طالب يحضر الدروس ويستذكر الامتحانات، بل كان مشروع زعيم يبني نفسه بنفسه، يقرأ التاريخ ليصنع تاريخًا جديدًا، ويدرس الثورات ليخطط لثورته الخاصة جمال عبد الناصر «الزعيم الذي صنع من الأحلام ثورة».
الضابط الثائر
في الكُلِّيَّة الحربية، التقى بعبد الحكيم عامر وأنور السادات في حصار «الفالوجة» عام 1948م بفلسطين، رأى «جمال» جيشًا مصريًا غير مستعد، وجنودا «تبددوا أمام التحصينات»، لكنه رفض الاستسلام رغم الحصار، عاد بطلًا قوميًا، لكن في قلبه غضب عميق من نظام ملكي خذل جيشه وشعبه.
بدأ جمال عبد الناصر في تشكيل حركة الضباط الأحرار سرًا، منظمًا لجنة من أربعة عشر رجلًا من خلفيات متنوعة «لم يعرف أحد جميع الأعضاء باستثناء ناصر»، كما قال خالد محيي الدين، في ليلة 22 يوليو 1952، تحركت الثورة، ارتدى جمال ملابس مدنية لتجنب الاعتقال، وحاصر رفاقه على مقار الحكم، أطيح بالملك فاروق، وبدأ عصر جديد.
الزعيم الذي أشعل الكرامة
لم يكن طريق الزعيم جمال عبد الناصر سهلًا نجا من محاولة اغتيال عام 1954م في الإسكندرية، حيث أطلق عليه ثماني رصاصات من مسافة قريبة، لكنها كلها أخطأت، وقف أمام الجماهير الذعورة وصرخ: «حياتي فداء لكم، دمي فداء لكم، سأعيش من أجلكم وأموت من أجل حريتكم»، تعالت صيحات التشجيع، وتحولت محاولة الاغتيال إلى لحظة انتصار.
في 26 يوليو 1956م، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، قائلًا: «مات 120 ألف مصري في بنائها، والشعب المصري له الحق في السيادة عليها» في خطاب هز العالم، ردت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالغزو، لكن مصر صمدت، وانسحب الغزاة تحت ضغط دُوَليّ، وخرج جمال منتصرًا، «غزا ناصر الوطن العربي عن طريق الإذاعة»، كتب المؤرخ «يوجين روغان»، وأصبحت صوره في خيام اليمن وأسواق المغرب وفيلات دمشق.
حرب الاستنزاف
في يونيو 1967، جاءت الضربة الكبرى، دمرت الكيان الصهيوني ـ إسرائيل ـ سلاح الجو المصري في ساعات، واحتلت سيناء الغالية أرض السلام، ومهد السالات السماوية، كما احتلت قطاع غزة في 9 يونيو، أعلن جمال عبد الناصر استقالته على التلفزيون أما الشعب المصري والعربي، لكن مئات الآلاف تدفقوا إلى الشوارع هاتفين: «نحن جنودك يا جمال»! «تراجع عن استقالته، وبدأ حرب استنزاف لاستعادة الأرض.
إرث عهد «ناصر» السياسي والاقتصادي
جعل الرئيس جمال عبد الناصر مصر مستقلة تمامًا عن النفوذ البريطاني، وأصبحت البلاد قوة عظمى في العالم النامي تحت قيادته، واحدة من جهوده المحلية الرئيسة كانت إقامة العدالة الاجتماعية، والتي تعتبر شرطًا أساسيًا لتحقيق الديمقراطية الليبرالية، وخلال فترة رئاسته، تمتع المواطنون العاديون بمزايا غير مسبوقة في السكن والتعليم وفرص العمل والخدمات الصحية والتغذية، فضلا عن العديد من أشكال الرعاية الاجتماعية، في حين تراجع نفوذ الإقطاعية، وبحلول نهاية رئاسته تحسنت ظروف العمل والعمال تحسنًا كبيرًا.
نما في عهد جمال عبد الناصر الاقتصاد الوطني نموًا كبيرًا من خلال الإصلاح الزراعي، ومشاريع التحديث الكبرى مثل «صلب حلوان» و«السد العالي» بأسوان، وتأميم قناة السويس، ومع ذلك، فإن النمو الاقتصادي الملحوظ في أوائل الستينيات من القرن الماضي، أخذ في الانكماش للفترة المتبقية من العقد، متعافيًا في سنة 1970م.
«العصر الذهبي» للثقافة خلال رئاسة عبد الناصر
وشهدت مصر «العصر الذهبي» للثقافة خلال رئاسة عبد الناصر، وفقا للمؤرخ جويل غوردون، خاصة في السينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة، والأدب، والفنون الجميلة، والكوميديا، والشعر، والموسيقى، حيث تسيدت مصر الوطن العربي في هذه المجالات في عهد ناصر، منتجة العديد من الرموز والشخصيات الثقافية.
الأزهر الشريف.. ومكانته العظيمة
في سنة 1961م، سعى عبد الناصر إلى ترسيخ مكانة مصر كقائدة للعالم العربي، وسعى للترويج لثورة ثانية في مصر بهدف دمج الفكر الإسلامي والاشتراكي، ولتحقيق ذلك، بادر بالعديد من الإصلاحات لتحديث الأزهر، والذي هو بمثابة السلطة الرائدة في الإسلام السني، وأعطى «ناصر» التعليمات للأزهر الشريف لإحداث تغييرات في مناهجه التي كانت قد تدنت كثيرًا، تضمنت التعليمات إنشاء مدارس مختلطة وإدخال التطور في المناهج المدرسية، وشملت الإصلاحات أيضا اندماج المحاكم الدينية والمدنية.
كتب «ناصر» للمكتبة العربية مؤلفات في السياسة والنضال، وسطر بقلمه كتبا نشرت خلال فترة حياته، وهي «يومياته عن حرب فلسطين (1955؛ نشرت بمجلة آخر ساعة) فلسفة الثورة (1955؛ دار المعارف) في سبيل الحرية (1959؛ القاهرة - الشركة العربية).
ورغم قوة الزعيم «ناصر» السياسية، كان جمال في البيت رجلًا عاديًا، تزوج من تحية كاظم عام 1944م، وعاشا في منزل متواضع بمنشية البكري، و كان يفضل قضاء وقته مع أطفاله الخمسة، يلعب الشطرنج، يقرأ الأدب، يستمع للموسيقى الكلاسيكية. كان مسلمًا ملتزمًا أدى الحج مرتين، ومعروفًا بنزاهته المطلقة.
جمال في السينما والتليفزيون محليًا وعالميًا
حضرت شخصية الزعيم جمال عبد الناصر بقوة في السينما والتليفزيون المصري والعربي، حيث تناولتها أعمال فنية متعددة جسّدت ملامح حِقْبَة تاريخية فارقة، وقدّمها نخبة من أبرز نجوم التمثيل عبر أفلام ومسلسلات شكّلت ذاكرة بصرية للأمة تناولت شخصيته بعدد من الأفلام والمسلسلات نذكر منها:
- مسلسل «دموع صاحبة الجلالة» سنة 1993م عن قصة للكاتب موسى صبري بطولة فاروق الفيشاوي.. وقام فيه بدور جمال عبد الناصر الممثل نبيل الحلفاوي.
- فيلم «ناصر 56» سنة 1995م بطولة أحمد زكي.
- فيلم «جمال عبد الناصر» سنة 1999م بطولة خالد الصاوي.
- مسلسل «فارس الرومانسية» سنة 2003 م عن حياة يُوسُف السباعي بطولة محمد رياض.. وقام بتقديم دور جمال عبد الناصر الممثل ياسر علي ماهر.
- مسلسل «أم كلثوم» سنة 1999م عن قصة حياة المطربة أم كلثوم بطولة صابرين.. وقام بتجسيد دور جمال عبد الناصر الممثل رياض الخولي.
- مسلسل «أوراق مصرية» بطولة صلاح السعدني.. وقام بدور جمال عبد الناصر الممثل محمد صلاح آدم ونبيل الحلفاوي.
- فيلم «أيام السادات» سنة 2001م عن قصة حياة الرئيس محمد أنور السادات من بطولة أحمد زكي، وقام بدور جمال عبد الناصر الممثل محمود الخولي.
- مسلسل «العندليب» حكاية شعب سنة 2006 م عن قصة حياة عبد الحليم حافظ بطولة شادي شامل.. وقام بدور جمال عبد الناصر الممثل مجدي كامل.
- مسلسل «ناصر» سنة 2008م بطولة مجدي كامل.
- مسلسل «كاريوكا» سنة 2012م عن قصة حياة تحية كاريوكا بطولة وفاء عامر.. وقام بدور جمال عبد الناصر الممثل حمادة بركات
- مسلسل «صديق العمر» سنة 2014 م عن أحداث فترة الستينيات بطولة جمال سليمان وباسم سمرة.. وقام بتقديم دور جمال عبد الناصر الممثل جمال سليمان
- فيلم «سادات»، من بطولة لويس جوست جونيور بدور الرئيس محمد أنور السادات، وقام بدور جمال عبد الناصر الممثل الويلزي جون رايز-ديفيس.
وفاة ناصر.. وداعًا لحلم لعصر
في 28 سبتمبر 1970م، بعد قمة عربية طارئة في القاهرة، عانى جمال عبد الناصر من نوبة قلبية، مات في السادسة مساءً، عن عمر 52 عامًا، بكى الملوك والرؤساء علنًا، «أعظم إنجاز لناصر كان جنازته»، قال أحد معاصريه» العالم لن يرى مرة أخرى خمسة ملايين يبكون معًا.
لم تكن مجرد جِنازة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، جِنازة رئيس، لكنها كان وداعًا لحلم، لعصر، لإحساس بالكرامة لم يعرفه العرب منذ قرون، في شوارع بيروت ودمشق وبغداد والقدس، بكى الناس كأنهم فقدوا أباهم. في اليمن، حمل الفلاحون صوره وهم يرددون: «ناصر لن يموت أبدا»، كان هذا المشهد أعظم شهادة على حياة رجل لم يكن مجرد زعيم سياسي، لكنه كان رمزًا لكرامة شعب، وصوتًا لملايين المقهورين الذين رأوا فيه أنفسهم.
إرث لا يموت
وحتى اليوم، يبقى جمال عبد الناصر رمزًا للكرامة العربية والعدالة الاجتماعية، في الربيع العربي، ظهرت صوره في المظاهرات، يراه ملايين من الناس والشعب المصري وكذلك من الشعب العربي البطل الذي حرر مصر وأعطى الفقراء كرامتهم، واتفق الجميع على أن: «جمال عبد الناصر لم يكن مجرد زعيم، لكنه كان ظاهرة غيرت التاريخ»، كان الصبي اليتيم الذي حلم بوطن حر، فصنع من حلمه ثورة لن ينساها التاريخ.