كان الذهب قد سجل تراجعًا ملحوظًا بعد موجة من الارتفاعات القياسية التى شهدها مع بداية العام الجديد، بضغط من قوة الدولار الأمريكى، وعمليات جنى المستثمرين للأرباح. لكنه سرعان ما عاد ليواصل مساره الصاعد بعد أن أظهرت أحدث بيانات التوظيف الأمريكية ضعفًا فى سوق العمل بنهاية العام الماضى، مع تباطؤ نمو الوظائف فى ديسمبر بأكثر من المتوقع، وانخفاض معدل البطالة إلى 4.4 فى المائة، وهو أقل من التوقعات التى كانت تشير إلى 4.5 فى المائة.
فضلًا عن حالة عدم اليقين السياسى والجيوسياسى السائدة، حيث ارتفع الذهب فى المعاملات الفورية بنحو 1.5 فى المائة ليصل إلى 4478 دولار للأونصة وكان المعدن النفيس سجل مستوى قياسيًا جديدًا عند 4600 دولار فى وقت سابق من جلسة يوم الإثنين الماضي.
كما ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير 2 فى المائة إلى 4591.10 دولار، وفقًا لوكالة «رويترز» للأنباء.
ويتوقع الخبراء استمرار الارتفاع لكن دون قفزات حادة. من جانبه، فقد توقع بنك «إتش إس بى سى - HSBC» البريطانى استمرار ارتفاع أسعار الذهب، ليصل إلى 5000 دولار للأونصة فى النصف الأول من هذا العام، بينما رجح بنك «مورجان ستانلى» أن يصل سعر المعدن النفيس إلى 4800 دولار للأونصة بحلول الربع الرابع من العام الجديد، فى حين توقع بنك «جولدمان ساكس» أن تحلق أسعار الذهب لتصل إلى مستوى 4900 دولار للأونصة بحلول نهاية العام الجارى.
ويعزى ذلك إلى أن الأسواق تتوقع بدرجة كبيرة أن يُقدم الاحتياطى الفيدرالى على خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال العام الحالى، وأن تزيد البنوك المركزية من احتياطياتها من الذهب، هذا فضلًا عن تفاقم التوترات الجيوسياسية وسط تصاعد الاضطرابات فى إيران، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، واعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، وتداعيات ذلك، وتجدد إشارات واشنطن بشأن السيطرة على جرينلاند.
رغم الأجواء الإيجابية والتفاؤل السائد، أطلق بنك التسويات الدولية (BIS) تحذيرًا شديد اللهجة من أن الارتفاعات الأخيرة للذهب خرجت عن نمط الملاذ الآمن، وأصبحت أقرب إلى سلوك الأصول المضاربة، مما قد يزيد من مخاطر تشكل فقاعة سعرية يعقبها تصحيح حاد وسريع فى الأسعار.
كما أشار البنك فى تقريره إلى أن ارتفاع الذهب والأسهم فى نفس الوقت، هو سلوك غير مسبوق منذ 50 عامًا، مما يزيد من مخاطر «فقاعة مزدوجة» قد تتبعها انهيارات حادة على غرار ما حدث عام 1980، وقد ظهرت سمات الفقاعة بما فى ذلك حماس المستثمرين الأفراد للاستفادة من الزخم، وارتفاع التقييمات، وتنامى الضجيج الإعلامى.

فى هذا السياق، قال لطفى المنيب، نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات: الولايات المتحدة تتحرك على «رقعة شطرنج» كما يحلو لها، وهذه التحركات من لحظة لأخرى تغير فى اقتصادات العالم، وأفكاره، وفى التكتلات والتحالفات الاقتصادية الدولية. وما حدث فى فنزويلا، والتهديد القادم فى كوبا، وكل هذه الأحداث، تشير إلى أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب هو المحرك الرئيسى خلف حالة عدم اليقين الجيوسياسى والاقتصادى الذى نشهده فى الوضع الراهن، وكل ما شاهدناه من ارتفاعات قياسية للذهب عام 2025 تعزى إلى إعلانه عن تحركات أو عقوبات أو السماح بضوء أخضر منه لإسرائيل بضرب إيران، وإذا استمرت الأمور بهذا الشكل فبالتأكيد ستزيد الأسعار مجددًا، أما إذا حدث تراجع فى بعضها لأى سبب من الأسباب فسيختلف الوضع بطبيعة الحال.
نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات، أضاف: حتى الآن لا يمكن الجزم بأرقام محددة لسعر الذهب فى الفترة المقبلة؛ لأنه لا يمكن معرفة ما يمكن أن يقوم به ترامب على الساحة الدولية. فمنذ بداية التاريخ، وصل سعر الذهب حتى يناير 2025 إلى 2628 دولارًا، لكن منذ تولى ترامب مقاليد الحكم حتى يومنا هذا زاد سعر الذهب عالميًا ليصل إلى أكثر من 4500 دولار، بارتفاع قدره 1900 دولار خلال سنة واحدة، وهذا يعنى زيادة بمقدار 75 فى المائة من زيادة الذهب على مدار التاريخ قبل ولاية ترامب الثانية.
وتابع: المؤشرات الحالية تشير إلى استمرار ارتفاع أسعار الذهب فى ظل التوترات الجوسياسية الحالية، وخلال الفترة المقبلة ستتأثر الأسعار مع متابعة القرارات واحتمالية تخفيض البنك الفيدرالى الأمريكى للفائدة فى شهر فبراير المقبل، بجانب التغييرات العاصفة على الصعيد السياسى.
كما حذر «المنيب» من تحويل المستثمرين للذهب من أداة ادخار لأداة مضاربة فى ظل الارتفاعات التى تشهدها أسعار الذهب، مشددًا على أن المعدن الثمين أفضل أداة لحفظ الأموال تحت كل الظروف.
وبشأن ارتفاع أسعار الذهب محليًا، أشار «المنيب» إلى وجود عامل آخر متمثل فى انتهاء شهادات الادخار بعائد الـ27 فى المائة والتى أخرجت نحو تريليون جنيه فى السوق المصرى، فأصبح الناس أمام اختيارات منها الذهب الذى زاد العام الماضى بنسبة 73 فى المائة. فى المقابل، شهادة الادخار الـ27 فى المائة التى كانوا مرتبطين بها انخفضت حتى صارت 16 فى المائة، لذلك توجه العديد الذين يمتلكون أموالًا يريدون ادخارها على المدى الطويل إلى شراء الذهب ما تسبب فى زيادة الطلب عليه.

من جانبه، قال سعيد إمبابى، المدير التنفيذى لمنصة «آى صاغة»: الذهب بدأ عام 2026 بزخم قوى، مستفيدًا من الارتفاعات القياسية التى حققها فى 2025، والتى كانت مدفوعة بعوامل حقيقية ليست مجرد مضاربات، أهمها خفض الفائدة الأمريكية، ضعف الدولار، تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا، واستمرار مشتريات البنوك المركزية للذهب بمعدلات غير مسبوقة، بالإضافة إلى فقدان الثقة النسبى فى العملات الورقية، أما التراجع الذى نراه حاليًا فهو تراجع طبيعى جدًا فى إطار جنى الأرباح، خصوصًا بعد صعود حاد، ومع حالة الترقب لبيانات التوظيف الأمريكية وسياسة الفيدرالى خلال الأشهر القادمة. وهو سلوك صحى فى السوق، ولا يعبر عن تغيير فى الاتجاه العام.
«إمبابى»، أشار إلى أن «الاتجاه الصاعد للذهب ما زال قائمًا على المديين المتوسط والطويل، طالما العوامل الأساسية مستمرة، وعلى رأسها توقعات خفض الفائدة، وزيادة المخاطر الجيوسياسية، واستمرار البنوك المركزية فى تنويع احتياطاتها بعيدًا عن الدولار. والوصول لمستويات قريبة من 5000 دولار للأونصة فى 2026 يظل سيناريو ممكنا؛ لكنه ليس مضمونا، فهو مرتبط بتصاعد المخاطر العالمية أو حدوث صدمات اقتصادية أو سياسية جديدة، أما السيناريو الأقرب للواقع فهو استمرار الذهب فى مسار صاعد ولكن مع موجات تصحيح وتذبذب، وليس صعودًا خطيًا».
وعن تحذير بنك التسويات الدولية ومخاوف الفقاعة السعرية، أكد المدير التنفيذى لمنصة «آى صاغة»، أن «التحذير مهم ويستحق التوقف عنده؛ لكن -فى رأيه- المقارنة مع سيناريو عام 1980 بها قدر من المبالغة، ففى عام 1980، كان الحديث عن تضخم مفرط، وأزمة طاقة حادة، وفقدان ثقة شبه كامل فى النظام النقدى الأمريكى، ثم حصل بعد ذلك تشديد نقدى عنيف رفع الفائدة لمستويات تاريخية، وهو ما فجّر التصحيح الحاد فى الذهب وقتها، لكن الوضع الحالى مختلف نسبيًا. نعم، هناك جزء مضاربى موجود فى السوق، وهو أمر طبيعى مع أى صعود قوى، لكن فى نفس الوقت هناك طلب حقيقى واستراتيجى على الذهب من مؤسسات وبنوك مركزية، وهو عنصر لم يكن بنفس القوة فى 1980. لذلك السيناريو الأقرب هو تصحيحات سعرية مرحلية ومؤقتة، وليس انفجار فقاعة عنيفًا أو انهيارًا مفاجئًا».
«إمبابى»، اختتم حديثه بتشديده على أن الذهب لا يزال ملاذًا آمنًا فى بيئة عالمية مليئة بعدم اليقين؛ لكنه فى نفس الوقت ليس محصنًا ضد التصحيحات. وأن الاتجاه العام صاعد، لكن أى صعود قوى لا بد أن يمر بمراحل تهدئة وجنى أرباح. والحديث عن فقاعة شاملة سابق لأوانه، لكن الحذر واجب، خاصة للمضاربين قصيرى الأجل، بينما يظل الذهب أداة تحوط قوية للمستثمر طويل الأجل.

بدوره، أوضح الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بجامعة المنصورة، أنه «لا يمكن توصيف الارتفاعات الأخيرة فى أسعار الذهب باعتبارها فقاعة سعرية مكتملة الأركان بالمعنى الاقتصادى الدقيق، بقدر ما تعكس مزيجًا معقدًا من دوافع التحوط التقليدية وسلوكيات استثمارية ذات طابع مضاربى نسبى. فالذهب ما زال يؤدى دوره الكلاسيكى كملاذ آمن فى ظل تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسى، واستمرار التوترات التجارية، وتزايد المخاوف المرتبطة بالديون السيادية العالمية، إلى جانب توقعات خفض أسعار الفائدة الحقيقية فى الاقتصادات الكبرى. هذه العوامل تخلق طلبًا حقيقيًا على الذهب بوصفه أداة لحفظ القيمة، وليس مجرد أصل للمضاربة قصيرة الأجل».
وتابع: فى المقابل، لا يمكن إنكار أن وتيرة الصعود السريع، وتدفقات الاستثمار عبر الصناديق المتداولة، ودخول شرائح من المستثمرين بدافع الخوف من تفويت الفرصة (FOMO)؛ تضفى على السوق بعض السمات المضاربية، وهو ما يرفع احتمالات حدوث تصحيحات سعرية مرحلية، خاصة إذا تغيرت توقعات السياسة النقدية أو تحسنت شهية المخاطرة عالميًا. وبالتالى، يمكن القول إن المخاوف من الفقاعة ليست وهمية بالكامل، لكنها أيضًا ليست مبررة للقول بأن أسعار الذهب منفصلة تمامًا عن أساسياتها، والسيناريو الأقرب هو استمرار الذهب فى مسار صعودى متقلب، مع فترات تصحيح طبيعية، دون انفجار فقاعى حاد ما لم يحدث تحول جذرى فى البيئة الاقتصادية والنقدية العالمية.

