رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المســـــــــــــتقبل


16-1-2026 | 10:38

.

طباعة
بقلـم: إيمان رسلان

«المستقبل» هو السؤال الذى يبحث عنه رجل الشارع المواطن، والأم تجاه أطفالها، والأب عن مستقبل العمل، والمفكر فى بحثه، والمخطط للقادم، وكذلك السياسى أيضا، وقبلهم العالم فى معمله، الجميع يحركهم المستقبل، ومنذ قديم الأزل كان هذا هو السؤال المطروح على الجميع، طبقا للقول المأثور «عش لدنياك كأنك تعيش أبدا»، إذن سؤال المستقبل أساسى، طرحته مجلة «الهلال» عام 1950 على القارئ، وأعادت طرحه «الهلال» مع بداية سنة 2026.. فكيف سيكون المستقبل عام 2126؟

قبل أكثر من عقد من الزمان كنت أتردد كثيرا لحضور مؤتمرات ليومين بمركز المستقبل بجامعة أسيوط، وكان مركزًا متفردًا بين الجامعات المصرية، ولكنه –كعادته- اختفى أو تقلّص نشاطه ولم تعد تصلنا أخباره، فى ظروف غامضة لا أعلمها، ربما ذهبت مع مديره المؤسس، فالسؤال عن المستقبل مهم بما فيه قراءة الودع.

كان سؤال المستقبل أحد أسئلة العقل فى تكوينى، لا سيما أنه بمجلة المصوّر، وفى سنوات سابقة، كان هناك باب يكتبه الأستاذ راجى عنايت بعنوان «مستقبليات»، وكبرت على قراءته، وكثيرا ما تناقشت معه، وكنت أحيانا أسهم بالأفكار فيه.

ومن هنا جاء اهتمامى بعدد «الهلال» الأخير، وهو على جزأين؛ الأول خاص بمستقبلنا بعد 100 سنة، والثانى خاص بما نُشر بالهلال عام 1950 عن المستقبل وإعادة طبع للعدد القديم، فقررت أن أخصص مقالين أيضا لذلك، أحدهما عن الماضى ودراسة مقارنة بالحاضر وما حدث منه بالتوقعات، والآخر هو ما سأبدأ به وهو عن مستقبلنا نحن على الأرض الآن والصورة بعد مائة عام، واخترت مقالين لأساتذة من جامعة القاهرة تحديدا، هما د. محمود السعيد نائب رئيس الجامعة حاليا وعميد الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق، ود. عاطف معتمد أستاذ الجغرافيا، ومستشارنا السابق فى موسكو.

سرّ اختيارى ليس فقط لعلاقة العمل التاريخية والصحفية بالجامعة وبهما، ولكن لأن كلا المقالين، ومن موقع تخصصهما الاقتصادى والسياسى والجغرافى، يطرح رؤية متميزة ومهمة للإنسان ولمصر مستقبلا.

فجامعة القاهرة كانت، وما زالت، هى الوعاء الحقيقى الأكبر الذى يخرج منه العلم والأفكار والتميز أيضا، وعلى مدار عقود توطدت علاقتى بأساتذة الجامعات المصرية بحكم التخصص أولا، ثم بالعلم والثقافة ثانيا، ولكن كان للجامعة الأم «القاهرة»، والتى تخرجت فيها، مكانة الأم فى قلبى وعملى. وبعيدا عن أزمات عمل وهى كثيرة، أذكر أن أول كلمة لقننى إياها، أستاذى «مكرم» فى بداية عملى بالتعليم هى أن أكون مندوبة «المصوّر» فى التعليم ومؤسساته ووزرائه، ومن هذه الجملة المفتاح تعلمت الدرس والاستقلالية فى طرح السؤال وهى المهمة الأولى للعقل ومن ثم لأى صحفى، إلا أنها حفظت الاحترام فى النهاية لدور الصحافة والصحفية، لذلك كان فى تحول الصحافة إلى نشر البيانات من مختلف الجهات وتكرارها وهو عمل مهم ومُلح لصحافة الخبر واللحظة، ولكن ليس للتحليل والمعلومات وهى مهمة الصحافة الآن، حتى إننى كتبت سابقا أن جائزة الأخبار المفترض تعطى لمسئولى الإعلام بالوزارات والهيئات، وليس للصحفيين، أقول هذه المقدمة لأن مكانة التعليم، وجامعة القاهرة تحديدا، تحتل فى قلبى وعقلى المرتبة الأولى-عذرا لانحياز- لأنها البشر والتاريخ، ورغم أننى فى أحيان، وما أكثرها!، أغضبت بما أكتب بعض مسئوليها ورؤساء الجامعة، وأذكر منها معركة انتخابات الاتحادات الطلابية، والأحكام القضائية، لعبة الإخوان المستمرة لاختراق الجامعات المصرية، وكان ملفى بالانتخابات وعن الطلاب والسياسة قد فاز بجائزة نقابة الصحفيين للتحقيقات الاستقصائية فى أوائل الألفية وكان جوهره جامعة القاهرة، قبلها معارك نصر أبو زيد وحرية التفكير، ثم معركة النقاب بالجامعة وكانت سببا للصلح وعودة المودة مع د. حسام كامل رئيس الجامعة وقتها، وبعد اختلافات عديدة سابقة، وأشهد أنه الطبيب والعالم الفذ فى تخصصه، ورغم الخلاف، لم تمتنع الجامعة عن الترحيب بعملى أبدا وما زالت، ثم معركة الحفاظ على التنوير بعد جلاء الإخوان وموقفى الثابت ضدهم، ومع قانون انتخابات القيادات الجامعية -وليس التعيين- لذلك وبعد ثورة يونيو 2013 ساندت د. جابر نصار المنتخب فى بعض قراراته وعارضته بضراوة فى رؤيته حول المجانية تحديدا، ثم اختلفت مع رئيسها التالى د. الخشت ونحن أبناء وخريجو التخصص الواحد -الفلسفة – وما لبث أن تحادثنا وعادت الأمور لوضعها الطبيعى نقول الرأى لأن هذه هى وظيفتنا ومهمتنا وستظل، وكانت الجدية لطرح الأفكار بل حتى اقتراح لسفر لتغطية أعمال الجامعة فى الخارج كانت محل ترحيب دائم حتى للآراء الناقدة والمعارضة، وسببا فى رفع قيمة مجلتى الغراء المصوّر والحرص على اقتنائها ورفع نسب الاشتراك بها، بل ورفع قيمة تداولها بالتعليم والجامعات، فلولا الجهد والصدق والاستقلالية لما انتشرت الصحافة، وزادت اشتراكاتها وتداولها.

وخلال السنوات تعرفت على عطاء وعلم الأساتذة بعيدا عن البيانات الرسمية كثيرا، وعلى رأسهم العالم الجليل د. محمود السعيد نائب رئيس الجامعة، والذى عرض رؤية غاية فى الأهمية حول عام 2126، فكتب يقول إن الذكاء الاصطناعى سيكون محيطا معرفيا بذاته يعيش فيه الإنسان يتعلم منه ويعلمه أيضا، ويضيف فى جملة مهمة ذات دلالة أن العقل البشرى يندمج مع العقل الاصطناعى فى علاقة توأمة غير مسبوقة، وسيصبح لكل إنسان فى القرن القادم قرين رقمى أو توأم رقمى يقوم بمهامه فى غيابه، حيث سيقوم بإدارة شئونه الخاصة ويتفاوض بالنيابه عنه ويشارك فى صنع السياسات المهمة وفقا لنموذج وعيه، وسوف تصبح الذاكرة البشرية ملفا قابلا للتعديل فيتمكن الإنسان من تخزين ذكرياته على شريحة وحذف صدمات الحياة المؤلمة من ذاكرته الصناعية، وتحمى مهارات وخبرات جديدة.

وهنا لا بد أن نتذكر فيلم «اللمبى 8 جيجا» وكيف أن هذا الفيلم كان يستوحى المستقبل فى قالب ساخر وبسيط، ولكنه هو ما سيحدث مستقبلا! ليطرح الإشكالية الفلسفية هل تغير وظائف الذاكرة، فهل سيبقى الإنسان والإنسانية كما هى.. إن ما طرحه د. محمود السعيد أسئلة غاية فى الأهمية والعمق، والدليل أنها أدت إلى استقالة الأب الروحى للذكاء الاصطناعى من عمله فى «جوجل» وهو الفائز بجوجل، وطرح سؤال الإنسان والأخلاقيات والضوابط الاخلاقية فى التكنولوجيا التوليدية، وهو ما ينبغى أن تنشغل به مؤسساتنا البحثية كلها لأنه قادم لا محالة شئنا أم أبينا والأفضل أن نستعدله بعلم مستقبلى حقيقى، وليس ندعم هوجة مصطلح الذكاء الاصطناعى، حتى لتغيير مسميات التخصصات والكليات.

وهذا ينقلنى لما طرحه د. عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب العريقة، الذى قدم دراسة مهمة للغاية عن سيناء، ود. عاطف لا يطرح الجغرافيا بمقولة حار جاف صيفا ودافئ ممطر شتاء، وإنما بطرح مستقبلى لا سيما عن سيناء وأهميتها ودراستها، وسبب اهتمامى وشغفى ليس فقط الأهمية الفائقة للمقال وإنما لأننى سمعت من مهندس ومسئول سابقا أن الاهتمام والتنمية بسيناء كفيل بسداد نسب معتبرة من ديون مصر، ناهيك عن دورها بالتنمية للوطن بأكمله، فيقول د. عاطف إنه لا بد من تأسيس جامعة لعلوم الأرض تأخذ على عاتقها توفير البحوث من أجل مضاعفة تعمير سيناء وعلى المدى البعيد، بما يتفق مع خطة الدولة فى تطوير سيناء، وهى لن تكتمل إلا بالشطر الأكبر من دراسة جغرافيا سيناء والمكمل لها بصحراء مصر الشرقية، وأن تتكون فرق بحثية متكاملة من مختلف التخصصات العلمية فى فريق واحد بدلا من الفرق المشتتة والمنفردة لكل تخصص، حتى تكون دراسة الصحراء للباحثين المصريين عنصرا جاذبا مثلما هو للبعثات الأجنبية، والتى أصدرت فى العقود الأخيرة مجموعة من أهم الكتب عن أهم المعلومات فى البيئة والآثار فى سيناء، وأن يتم استقطاب أهل سيناء لخلق الباحث المحلى الخبير. الحقيقة أهمية مقترح د. عاطف تأتى فى وقت تهتم به وزارة التعليم العالى ود. أيمن عاشور لمشروع المناطق الإقليمية فى التنمية وسأعود له فى مقالات قادمة لأهميته، ولكن جامعة أو أكاديمية لعلوم الأرض أراها ضرورة ملحة، خاصة ونحن نفخر الآن ونفتتح أكاديمية للغذاء، وأخرى للنقل فلماذا لا تكون لدينا أكاديمية لعلوم الأرض وتكون مقرها بالصحراء الشرقية وسيناء. كما اقترح على جامعة القاهرة، معقل الفكر والعلم، وعلى رئيسها العالم الجليل د. سامى عبدالصادق أن يصبح ويتحول المركز المتميز بالدراسات المستقبلية بكلية الإعلام، وأن يكون للجامعة كلها ولمختلف التخصصات وتحت رئاسة رئيسته المتميزة د. عواطف عبدالرحمن، ودام المستقبل الذى لن نعيش به، ولكن نحلم ونعد له.

الاكثر قراءة