رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فقه الحكمة


16-1-2026 | 10:40

.

طباعة
بقلـم: سناء السعيد

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (منْ يُرد الله به خيرا يفقهه فى الدين). وقد مرت عصور على المسلمين قصروا فيها الفقه فى الدين على فقه الصلاة والصيام والحج وبعض المعاملات. وحسبوا أن فقه العبادات والمعاملات هو الفقه المقصود من هذا الحديث. بيد أن كلام رسول الله أعم من هذا وأشمل؛ إذ إن فقه كل علم نافع للإنسان هو فقه فى الدين، لأن الله عز وجل شرع شرائعه السمحاء لسعادة الإنسان فى الأرض وفى السماء.

 

فقه الحياة المتقدمة والمزدهرة للأمة الإسلامية كفقه الصلاة هو فقه فى الدين مع الفارق بالترتيب والأولويات، وهكذا سائر العلوم والمعارف النافعة. قال تعالى: (ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). إن فقه الحكمة – فقه الأسباب والمسببات – من أهم الأسباب المعينة على سعادة دنيا المسلم وحسنها، فالإسلام لا يقبل بين صفوفه الحمقى والمغفلين ولا السفهاء ولا الجاهلين، قال تعالى: (سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين)، السفه والطيش من صفات المنافقين والمشركين، قال جل جلاله فى وصف المنافقين: (ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون)، وقال فى وصف المشركين: (سيقول السفهاء من الناس ما ولّاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها).

أما المؤمنون فقد امتدحهم الله بالعقول والألباب وحسن التصرف والآداب وقال فيهم رسول الله: (علماء، حكماء، فقهاء كادوا يكونون أنبياء، وللحكمة أثر كبير فى حياة الفرد والمجتمع، ونظرا لأهميتها جعلها ربنا عز وجل إحدى وظائف النبوة التى عمل بها النبى الخاتم سيدنا محمد حيث قال الله سبحانه وتعالى عنه: (هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين). إنها الحكمة التى بها اتصف ربنا عز وجل، وبها أنزل كتابه، وبها بعث رسله، وبها وضع شرعه، وقد لخص عز وجل أهميتها وضرورتها بقوله الكريم: (منْ يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا). وعندما أخذ المسلمون الأوائل بالحكمة قولا وعملا، ومنهجا وسلوكا، فتحوا نصف العالم القديم، وأقاموا دولة العلم والإيمان، والسعادة والرخاء). ولقد ملئت مكتبات المسلمين بكتب العبادات والمعاملات وغيرها ــ ولله الحمد ــ غير أنها لم تحوِ من كتب تعلم الحكمة وتعليمها إلا النذر اليسير. ودرست فى المدارس الشرعية علوم القرآن، والحديث والمصطلح وغيرها من العلوم المهمة بشكل كثيف، بيد أن فقه الحكمة لم يكن له نصيب فى الدرس بشكل مركز، وربما وردت هنا وهناك من علوم الحكمة متفرقات كانت تحتاج الجمع والتدقيق والتخصص كسائر العلوم، وهذا مما أهمله المسلمون فتراجعوا فى دنياهم وصاروا تبعا لغيرهم، بعد أن كانوا أئمتهم. لذلك سررت كثيرا عندما اطلعت على ما كتبه ولدنا الشاب الدكتور «محمد خير الشعال فى موضوع الحكمة، ووجدت فيه خيرا جما وفوائد واسعة. ويظل ما يرجوه المرء لهذا العلم أن تتوسع فيه الدراسات والأبحاث والاستنباطات والاجتهادات، حيث إن له صلة واضحة بمقاصد الشريعة وسياستها، وبكل ما يتصل بحياة الأمة الإسلامية وتقدمها وازدهارها. قال تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

يقول الله تبارك وتعالى فى محكم الهدى الحكيم: (يؤتى الحكمة منْ يشاء، ومنْ يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب) سورة البقرة «الآية 269»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا فى اثنتين، رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته فى الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها». لقد وردت كلمة الحكمة فى القرآن الكريم فى تسعة عشر موضعا، وسمى الله نفسه حكيما فى واحد وتسعين موضعا، وعلى هذا يكون القرآن الكريم قد صرح بمادة الحكمة فى مائة وعشرة مواضع..! بالإضافة إلى التلميح بها فى عشرات المواضع الأخرى. وتناولت سنة النبى عليه السلام هذه المادة بشكل كبير، بالأقوال والأفعال، فعشرات الأحاديث ترجمت للحكمة وأثنت عليها وأشارت إلى ضرورة تعلمها، فى حين أن أفعال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم لم تخرج قيد أنملة عن الحكمة.

وعليه: فإن مادة الحكمة هى مادة دينية شرعية أصيلة، البحث فيها بحث فى باب من أبواب الدين، والأخذ بها أخذ بجزء أساسى من أجزاء الدين، وإهمالها أو الاستخفاف بها استخفاف وإهمال لجزء من الدين. لأن الدين عقل وتعقل، وروّية وتدبر، ودراسة وبرمجة وتبصر، ونجاح فى أعمال الدنيا والآخرة، وما الحكمة إلا العقل فى قمته، وما الحكمة إلا معرفة الأسباب والمسببات فى كل حركة من حركات هذا الكون، وما الحكمة إلا مادة النجاح فى أعمال الدنيا والآخرة.

وللحديث بقية..

    كلمات البحث
  • المسلمين
  • فقه
  • الصلاة
  • الصيام
  • الحج