رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

نهاية على الكسار


15-1-2026 | 18:41

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

فى الخامس عشر من يناير 1957، رحل الممثل على الكسار، أشهر ممثل كوميدى، ظهر على شاشة السينما فى سنوات الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، فقد كان الكسار الذى جاء إلى السينما مدعومًا بنجاح مسرحى لافت لم يشاركه فيه سوى منافسه المسرحى التقليدى نجيب الريحانى، لكنه كان أكثر منه غزارة بفضل إيمان المخرج توجو مزراحى بقدراته على إضحاك مشاهديه.

 

الأمر نفسه كان على خشبة المسرح حيث تنافس الاثنان على عرش الكوميديا، وإن كنت أرى أن تجربة الريحانى كانت أكثر جدية وعمقا بفضل اتساع ثقافته وقدرته على الكتابة لنفسه بعكس الكسار الذى كان يعتمد عادة على كتابات آخرين، وعلى رأسهم أمين صدقى المنافس الأهم لبديع خيرى فى الكتابة المسرحية خلال تلك الفترة.

كانت سنوات صعود الكسار مع بداية عمله على مسرح الماجستيك فى 6/1/1919 بمسرحية «ليلة 14» التى حولتها الرقابة إلى القضية نمرة 1914 وشهدت السنوات من 1919 إلى 1925 مجد الكسار الحقيقى الذى يعيش عليه اسمه حتى اليوم. فى هذه السنوات كان الكسار ندًّا قويًّا للريحانى، وفيها كان أكثر تفاعلا مع الروح الثورية المتأججة أثناء وبعد ثورة 1919 وكذلك مع القضايا الاجتماعية المُثارة فى تلك الفترة كحقوق العامل وحرية المرأة وما إلى ذلك، وفى هذه الفترة أيضا اجتذبت السينما على الكسار حتى قبل أن يبدأ التأريخ الحقيقى للسينما الروائية فى مصر، ففى الخامس من مايو عام 1920 عرضت سينما راديوم (مكان مسرح الريحانى حاليا) فيلمًا قصيرًا من فصلين بطولة على الكسار وأمين صدقى، عنوانه «الخالة الأمريكانية» عن الرواية الإنجليزية الشهيرة «عمة تشارلي»، ومن إخراج الإيطالى بونفيللي.

لكن يبدو أن هذه التجربة السينمائية المبكرة لم تثِر حماس على الكسار للسينما، بدليل أنه لم يعُد للظهور على الشاشة إلا بعد خمسة عشر عاما، وبالتحديد فى عام 1935 على يد المخرج ألكسندر فاركاش فى فيلم «بواب العمارة»، وقد يكون فقدان الكسار لحماسه السينمائى بعد فيلمه القصير «الخالة الأمريكانية» راجعًا إلى عدم وجود عنصر الصوت فى مرحلة السينما الصامتة التى امتدت حتى 1932، ما يعنى تنازله عن إحدى أهم أدواته كممثل، وأعنى لهجته النوبية المحببة لدى الجماهير، لكن بمجرد أن لمس بنفسه نجاح فيلمه الروائى الطويل الأول «بواب العمارة» الذى نطق فيه لأول مرة على شاشة السينما راح يتعامل مع هذا الفن بكل دأب ونشاط.

غير أن على الكسار كان بحاجة إلى مخرج متمكن أولا من حرفية السينما وميال ثانيا لتقديم الكوميديا ومؤمن ثالثا بقدراته كممثل، ولم يكن هذا المخرج سوى توجو مزراحى الذى التقاه لأول مرة عام 1936 فى فيلم «غفير الدرك»، وصنع معه أهم أفلامه، مثل: ميت ألف جنيه – التلغراف - الساعة سبعة – عثمان وعلى – سلفنى 3 جنيه – على بابا والأربعين حرامى – ونور الدين والبحارة الثلاثة، وليس أدلّ على أهمية توجو مزراحى فى سينما على الكسار من أن بربرى مصر الوحيد كان فاقدا لبريقه الفنى فى الأفلام القليلة التى قام ببطولتها مع مخرجين آخرين مثل «يوم المنى» لالفيزى أورفانيللى سنة 1938 أو «محطة الأنس» لعبدالفتاح حسن سنة 1942، ليس هذا فقط بل إن سنوات انحدار على الكسار تزامنت تقريبا مع توقف توجو مزراحى عن نشاطه السينمائى فى مصر عام 1946، حيث تحول الرجل فجأة عن أدوار البطولة إلى أدوار مساعدة وثانوية لا تليق باسمه الكبير، وبدا فاقدًا لكل حيويته وبريقه كما لو كان ممثلاً آخر غير على الكسار الذى أضحك الملايين فى «سلفنى 3 جنيه» أو «على بابا والأربعين حرامى» على سبيل المثال، هكذا كان فى «رصاصة فى القلب» أمام محمد عبدالوهاب و«صاحبة العمارة» أمام محمد فوزى و«آخر كدبة» أمام فريد الأطرش و«أمير الانتقام» أمام أنور وجدى و«قدم الخير» أمام شادية.

وليس هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن سينما على الكسار لأنه كان تقريبًا أسير شخصية واحدة جلبها معه من المسرح وهى شخصية عثمان عبدالباسط الرجل الطيب الذى تصل طيبته إلى حد السذاجة والذى لا يواجه عادة المصاعب القدرية فحسب، وإنما يواجه أيضا المنغصات التى تسببها له حماته سليطة اللسان، وليس هناك تفسير لشهرة هذه الشخصية وتعلق الناس بها سوى أنهم أحبوا فى عثمان عبدالباسط طيبته هذه وانتصاره فى النهاية على أية عقبات رغم تجرده التام من أية أسلحة اللهم إلا نقاء سريرته، والغريب أن شخصية عثمان عبدالباسط التى كانت سببا فى نجومية على الكسار كانت هى ذاتها سبب انحسار شعبيته وانفضاض الناس عنه، فكل شيء يزيد على الحد يؤتى آثارًا عكسية، وقد سئم الناس هذه الشخصية مع وقوع الكسار فى فخّ النمطية والتكرار بعكس منافسه نجيب الريحانى الذى كان أكثر ذكاء وتطورا ومجاراة لأذواق الجمهور حين خلع عن نفسه عمامة «كشكش بيه» وراح يقدم فى المسرح والسينما أدوارًا متنوعة، ومن هنا انتهى الريحانى نجمًا وبطلًا وصاحب مدرسة وأسلوب.

واللافت أن تراجع الكسار كان مع تنامى تيار الكوميديا عقب نهاية الحرب الثانية، ولو كان انتبه إلى استنفاد شخصية عثمان عبد الباسط لأغراضها، وسعى لتنوع أدواره لربما كان أبرز نجوم العصر الذهبى للكوميديا بحكم نجوميته التى دخل بها هذه المرحلة الجديدة بخلاف كل الآخرين الذين لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى مرحلة النجومية طبعا مع استثناء الريحانى الذى ترك الساحة مبكرًا بوفاته سنة 1949، غير أنه بدلا من أن يستفيد الكسار من الفراغ الذى تركه منافسه ترك نفسه للسنوات العجاف حتى توقف عن التمثيل للسينما عام 1953 قبل أربعة أعوام من وفاته، بل إنه اضطر للانضمام للمسرح الشعبى التابع لوزارة الإرشاد القومى وظل به مجرد موظف حتى سقط مريضًا على المسرح قبل أن يدخل إلى مستشفى قصر العينى لإجراء جراحة فى المسالك البولية، حيث لقى ربه هناك فى الخامس عشر من يناير سنة 1957.

ولا أجد فى نهاية الحديث عن الكسار أبلغ من العبارة الموجزة والموحية التى قالها «دينى دينيس» عميد الكوميدى فرانسيز لتلميذه زكى طليمات يصف فيها مشاعره بعد أن شاهد على الكسار على المسرح سنة 1937:

«إننى على جهلى التام باللغة التى يؤدى بها هذا الممثل الملون أرانى منجذبا إليه ولا أرى سواه على المسرح، إن فى نبرات صوته وحركته تعبيرا صادقا وواضحا عن المعانى التى يحسها كل الناس، ولا يحتاج أمر التأثر بها إلى تفهم اللغة التى تعبر عنها».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة