مرت 16 يومًا على انطلاق الاحتجاجات في إيران، التي بدأت لأسباب اقتصادية قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مطالب ذات طابع سياسي، في ظل غموض يكتنف المشهد بسبب تعارض الروايات الرسمية للسلطات مع ما ترصده منظمات حقوقية، فبينما تصف هذه المنظمات الأسلوب الحكومي بأنه «قمع دموي» تجاه المتظاهرين، تؤكد السلطات أنها تتصدى فقط لـ«مثيري الشغب».
ويتناول هذا التقرير طبيعة الاحتجاجات في إيران، وما شهدته منذ انطلاقها، في ضوء المقارنة بين الرواية الرسمية والتقارير الحقوقية والوقائع الميدانية.
طابع الاحتجاجات
بدأت الاحتجاجات في إيران في 28 ديسمبر 2025، نتيجة تدهور اقتصادي حاد شمل انهيار قيمة الريال الإيراني وارتفاع الأسعار، ما أثار احتجاجات تجار «بازار» طهران قبل أن تمتد إلى الطلاب وشوارع المدن الأخرى.
ويبلغ سعر الدولار الأمريكي الواحد حوالي مليون ريال إيراني، بعدما فقدت العملة المحلية جزءًا كبيرًا من قيمتها أمام الدولار، نتيجة العقوبات المفروضة على البلاد.
وخلال الستة أشهر الأخيرة من عام 2025، انخفض الريال بنحو 56% مقابل الدولار، ما زاد الأعباء المالية على المواطنين، خاصة مع مرور إيران بخمس سنوات من الجفاف المتواصل.
كانت المظاهرات في بدايتها نتيجة أسباب اقتصادية خالصة، غير أنها لاحقًا اتخذت طابعًا سياسيًا مسَّ رأس النظام نفسه.
وسُرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى مدن ومحافظات مختلفة، وفي الوقت ذاته بدأت تظهر شعارات سياسية واضحة تُطالب بالتغيير السياسي وترفض بنية النظام القائم وانتقاد قيادته، إذ أحرق المتظاهرون صور المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وهتفوا «الموت للديكتاتور».
موقف السلطة
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لم ينكر مطالب الجماهير الاقتصادية، بل أعلن أن الحكومة مستعدة للاستماع إليها ومحاولة التعامل معها عبر الحوار وتنفيذ إصلاحات.
كذلك المرشد الإيراني علي خامنئي أقر بحقوق مطالب المتظاهرين على الصعيد الاقتصادي.
غير أن كلا الرجلين أكدا على ضرورة التصدي لمن وصفوه بـ«مثيري الشغب» ضمن المتظاهرين، متهمين الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء هذه التحركات.
التعامل مع الاحتجاجات
شنّت السلطات الإيرانية حملة قمع دموية على المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد منذ 28 ديسمبر 2025، باستخدام القوة والأسلحة النارية بشكل غير قانوني، إلى جانب اعتقالات تعسفية جماعية، بحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.
وأوضحت المنظمتان أن قوات الأمن، بما فيها «الحرس الثوري الإيراني» وقوات الشرطة الإيرانية المعروفة بالاختصار الفارسي «فراجا»، استخدمت البنادق الحربية وبنادق الخرطوش وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والضرب لتفريق المتظاهرين السلميين في الغالب، وترهيبهم ومعاقبتهم.
أسفر القمع عن مقتل 28 شخصًا على الأقل من المتظاهرين والمارة، بينهم أطفال، في 13 مدينة ضمن ثماني محافظات، خلال الفترة من 31 ديسمبر 2025 حتى 3 يناير 2026، وفق معلومات موثوقة جمعتها المنظمتان، وفق قولهما.
من جانبها، أفادت منظمة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، بمقتل 544 شخصًا منذ بدء الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025، منهم 496 متظاهرًا و48 من أفراد الأمن، واعتقال 10,681 شخصًا.
السلطات تبرر
نفت السلطات الإيرانية أن تكون قد تعاملت بشكل عنيف مع المتظاهرين السلميين، بل إنها تتصدى فحسب لـ«مثيري الشغب»، المحركين من قبل أطراف خارجية.
وأفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية قبل يومين بمقتل 109 من قوات الأمن والشرطة خلال الاحتجاجات في إيران في الأسبوعين الماضيين.
فيما أكد الرئيس الإيراني، أنه «لا بد من ضبط النفس مع المحتجين والامتناع عن أي سلوك عنيف ضدهم»، مشددًا على أنه يجب الاستماع إلى مطالب الشعب.
أين وصلت المظاهرات؟
ما تزال الاحتجاجات مستمرة في طهران وعدة مدن، فيما يتواصل انقطاع الإنترنت في البلاد منذ أكثر من أربعة أيام، وفي المقابل شهدت الساعات الأخيرة تظاهر إيرانيين للتنديد بأعمال الشغب ودعمًا للنظام القائم.