تضم القاهرة، عاصمة مصر لأكثر من ألف عام، عددًا كبيرًا من الشوارع والميادين التاريخية التي يعود تاريخها إلى قرون وتعد هذه الأماكن مقصدًا للعديد من السياح، لما تحمله من طابع جمالي وأهمية ثقافية وتاريخية، مما يجعلها من أبرز معالم القاهرة السياحية والتاريخية، ومنها شارع مكرم عبيد.
وُلد وليم مكرم جرجس ميخائيل عبيد في 25 أكتوبر عام 1889، بإحدى قرى مدينة قوص بمحافظة قنا، داخل أسرة قبطية بارزة في صعيد مصر، عُرفت بالثراء والنفوذ، كان والده يعمل في مجال الإنشاءات، وأسهم في إنشاء خط السكك الحديدية بين نجع حمادي والأقصر، وحصل لاحقًا على رتبة الباكوية، إلى جانب امتلاكه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
تلقى مكرم عبيد تعليمه الابتدائي في المدرسة الأميرية بقنا، ثم التحق بالمدرسة الأمريكية في أسيوط، قبل أن يسافر إلى بريطانيا لدراسة القانون في جامعة أكسفورد، حيث حصل على درجة الامتياز عام 1908، ولم يكتفِ بذلك، بل واصل دراسته في فرنسا، ونال درجة الدكتوراه في القانون من جامعة ليون عام 1912، ليعود إلى مصر مسلحًا بعلم رفيع وثقافة واسعة.
بدأ حياته العملية سكرتيرًا لجريدة الوقائع المصرية عام 1913، ثم عمل سكرتيرًا خاصًا للمستشار الإنجليزي خلال الحرب العالمية الأولى، لكن مواقفه الوطنية ومعارضته للاحتلال أدت إلى إقالته.
عمل بعد ذلك أستاذًا بكلية الحقوق، ثم اتجه للمحاماة، حيث لمع اسمه كمحامٍ بارع نذر وقته للدفاع عن المعتقلين في القضايا السياسية، واشتهرت مرافعاته بقوتها المنطقية وبلاغتها. وانتُخب نقيبًا للمحامين ثلاث مرات، وكان من أبرز قضاياه دفاعه عن الأديب الكبير عباس محمود العقاد.
سياسيًا، كان مكرم عبيد أحد أبرز قادة حزب الوفد، ولقبته الصحافة بـ«الخطيب المفوه»، شارك بقوة في ثورة 1919، ونُفي مع سعد زغلول إلى جزيرة سيشل عام 1921، ثم عاد وانتُخب نائبًا عن قنا، تولى عدة مناصب وزارية، أبرزها وزارة المالية التي شغلها سبع مرات، وكان سكرتيرًا عامًا لحزب الوفد.
توفى مكرم عبيد في 5 يونيو 1961، وشُيّع في جنازة مهيبة، وأُقيم له تأبين بالكنيسة المرقسية بالأزبكية، حضره أنور السادات نيابة عن الرئيس جمال عبد الناصر، وبقي اسمه محفورًا في تاريخ مصر كأحد رموز النضال الوطني والفكر السياسي الجريء.