رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الرئيس واحتفالات عيد الميلاد.. بناء دولة المواطنة.. هدف «الجمهورية الجديدة»


7-1-2026 | 19:09

.

طباعة
بقلم: حلمى النمنم

صار تقليدًا رسميًا أن يزور الرئيس عبدالفتاح السيسى مقر الكاتدرائية، سنويًا ليلة الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، استحدث الرئيس هذا التقليد، فور توليه رئاسة الجمهورية، وهو تقليد غير مسبوق فى تاريخنا، كانت العادة أن يرسل الرئيس برقية تهنئة إلى قداسة البابا أو يقوم بإرسال مندوب عنه لحضور الاحتفال.. لكن الرئيس السيسى وجد أن الأفضل أن يذهب بنفسه لتهنئة قداسة البابا تواضروس الثانى، وأقباط مصر، فضلًا عن كل المصريين بهذه المناسبة، التى يحتفل بها الجميع.

 

لا يكتفى الرئيس بالزيارة والتهنئة فقط، بل يوجه من مقر الكاتدرائية رسالة إلى الأقباط وإلى الشعب المصرى كله، فضلًا عن أنها رسالة إلى العالم وإلى الإنسانية.

رسائل الرئيس سنويًا تتركز فى محورين، الأول يتعلق بالقضية التى تشغل الجميع فى لحظة الاحتفال، مرة كانت عن غزة ومرة كانت عن المصاعب الاقتتصادية التى تجابهنا، وعن أحوال المنطقة والعالم وهكذا..

المحور الثانى والثابت هو وحدة المصريين وتآلفهم جميعًا، يلحّ الرئيس على هذه النقطة دائمًا، ويؤكد أن أى مشاكل تقابلنا، وأيًا كانت صعوبتها أو خطورتها، فنحن جميعًا قادرون على مواجهتها وتخطيها، شريطة أن نحافظ على تماسكنا ووحدتنا جميعًا.

فى يناير الماضى 2025، قال الرئيس: «محبة المصريين لبعضهم البعض قوة تحمينا. والوعى عند المصريين كبير».. وقال أيضًا: “مصر محمية بمحبة شعبها وإرادة الله”. وفى يناير 2024 كانت كلمة الرئيس: “أى أزمة أو مشاكل أو ظروف صعبة.. قادرين على تخطيها.. طول ما إحنا مع بعض”.

وهكذا كل سنة.. رسالة واضحة، تؤكد على هذه المعانى.. إن أهم ما لدينا وحدتنا ومحبتنا كمصريين، وضرورة وعى الشعب بذلك، وعدم السماح بأى عبث فى هذه المنطقة.. قوتنا تكمن فى وحدتنا، والخطر هو عدم الوحدة وليست المشاكل الأخرى المتعلقة بأمور اقتصادية أو سياسية.

هذه الرسائل وتلك الزيارات هى جانب مهم ورئيسى فى ملف كبير عنى به الرئيس وهو ملف الوحدة الوطنية.

حين تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الرئاسة -يونيو 2014- كان ذلك الملف واجه العديد من المشكلات، منها ما هو قديم يعود لأسباب بعضها بيروقراطى وبعضها تشريعى، ولم يتم الوصول فيها إلى حل ناجع رغم توافر النوايا الحسنة لدى معظم الأطراف، لكن لم يحدث اختراق حقيقى له.. مثل أزمات بناء دور العبادة أو تجديدها، فيما يخص الأقباط.. وبسبب هذه المشكلة وقعت حالات احتدام طائفى، وللحق كان يتم السيطرة عليها ولا تتجاوز الحد، الذى يهدد تماسك وسلام المجتمع عمومًا لكنها كانت تستنزف قوة وتماسك المجتمع.

أضيف إلى ما سبق وجود جماعات التشدد والتطرف، التى اتخذت من العنف والإرهاب وسيلة لها، وتحول الإرهاب إلى غاية بحد ذاته، هذه الجماعات استهدفت الجميع فى مصر، ممن لا يتفقون معها، لكن كان التركيز على الأقباط، فقد تصوروا أن الأقباط هم خاصرة مصر الضعيفة، والإساءة إليهم يمكن أن تثير هجمات العالم على الدولة المصرية وتؤلب المصريين على المسئولين، يمكن أن نلاحظ ذلك فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فقد ازداد الهجوم على الكنائس وعلى الأقباط، حدث ذلك فى إمبابة بالجيزة وفى غيرها.

ولما تولى إخوان البنا الحكم سنة 2012، استهدفوا بشكل كامل الأقباط، ليثبتوا لجماعات التطرف الأخرى أنهم مخلصون لشعارات ما قبل السلطة.. حتى وصل الأمر إلى مهاجمة مقر الكاتدرائية بالعباسية ومحاولة إحراقها، ولما هبّ المصريون فى 30 يونيو ضد حكم الجماعة، حاولت الجماعة تحييد الأقباط وإخراجهم من المعادلة السياسية والوطنية، رفض الأقباط ذلك بإصرار يُحسب لهم، وكانت النتيجة أن تم يوم فض بؤرة رابعة الإرهابية، أغسطس 2013، أن تم إحراق أكثر من 56 كنيسة فى يوم واحد، فضلًا عن عشرات المبانى التابعة لكنائس فى أنحاء الدولة.

وقرر الرئيس التعامل مع ملف الوحدة الوطنية تعاملًا جذريًا، وإن شئنا قلنا تعامل عاجل وآخر آجل أو دائم.

العاجل كان فى تكليف القوات المسلحة بإعادة بناء وترميم الكنائس التى أُضيرت من أفعال الجماعة الإرهابية، صيف سنة 2013، فضلًا عن الجرائم الإرهابية الأخرى التى قاموا بها فى فترة مجابهة الإرهاب قبل تفجير كنيسة طنطا والكنيسة البطرسية. وبالفعل تولت الإدارة الهندسية بالقوات المسلحة المهمة، ولما جاء احتفال عيد الميلاد المجيد، يناير 2016، ولم تكن المهمة اكتملت، شرح الرئيس سبب التأخر والظروف التى أدت إلى ذلك.

العاجل أيضًا، كانت المبادرة الشخصية من الرئيس بأن يزور الكاتدرائية كل سنة ليلة عيد الميلاد ليهنئ الإخوة الأقباط. يمكن القول إن ذلك كان حلمًا وأمنية قديمة، لدى قيادة الكنيسة، البابا شنودة لم يحظَ بمقابلة خاصة مع الرئيس السادات -رحمه الله- ولا مع الرئيس حسنى مبارك، كانت هناك لقاءات، لكن كانت ضمن مناسبات عامة يحضرها الجميع. أما الزيارة ولقاء خاص فلم يحدث.. وقد فعلها الرئيس عبدالفتاح السيسى، ليس فقط مقابلة خاصة مع قداسة البابا، بل زيارة سنوية فى احتفال عيد الميلاد المجيد.

يمكن القول إن هذه الزيارة الرئاسية أزالت بعض الشوائب التى يمكن أن تعلق بالنفوس من جراء القيل والقال.. ومجتمعات النميمة والوسوسة، ناهيك عن محاولات العبث فى ملف الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى.

فى الحلول أو المواقف الاستراتيجية كان قانون بناء دور العبادة الذى تقدمت به الحكومة إلى مجلس النواب سنة 2016، وتم إقراره بخصوص حرية وحق بناء دور العبادة لغير المسلمين، تحديدًا الأقباط، هذا القانون انتزع فتيلًا ضخمًا، كان يقضّ مضجع المجتمع منذ مطلع سنة 1971، حين وقع حادث الخانكة، تم تضخيم المشكلة فيما بعد، لأسباب كثيرة سياسية بقصد إحراج الدول والمزايدة عليها، أصل مشكلة بناء دور العبادة يرجع إلى قوانين وتشريعات بعضها وضع فى العصر العثمانى أو عصر محمد على، والذى حدث أن المجتمع تطور فيما بعد، ولم تتطور التشريعات فى هذا الجانب، وكان قانون سنة 2016 حلًا جذريًا، الأمر الذى دفع د. أندريا زكى رئيس الطائفة الإنجيلية، إلى القول إن عدد الكنائس التى تم توفيق أوضاعها منذ سنة 2016 يجاوز ما تم بناؤه فى 200 سنة.

وهكذا، رُفع عن كاهل المصريين عبء ثقيل، لم يكن هناك ما يبرر تحمله، فلم يكن معقولا أن إصلاح باب أو حائط أو دورة مياه داخل كنيسة يقتضى الرجوع إلى رئيس الجمهورية، وحدث أن تخفف الرئيس مبارك من هذا العبء، وفوّض السادة المحافظين به، لكن ذلك لم يحل المشكلة، بل زاد تعقيدها، بسبب تردد معظم المحافظين من التعامل مع تلك القضية الشائكة.

إلى جوار ذلك تم تحديد عدد من المقاعد فى البرلمان بغرفتيه، النواب والشيوخ للأقباط، كما للشباب وللنساء.. الأهم من كل ذلك هو الإصرار والإرادة السياسية لدى الرئيس السيسى، على تقوية أواصر الوحدة الوطنية.

غنى عن القول إن المجتمع المصرى متماسك طوال التاريخ، ولم نعرف فى تاريخيًا الانقسامات الطائفية الحادة، على النحو الذى عرفته مجتمعات كثيرة فى المنطقة وخارجها، كل ما كان لدينا بعض مناوشات وإحن تنشب من جراء وقائع فردية، فضلًا عن الأزمات التى كانت تقع بسبب تشريعات متوارثة، لم يقترب منها التعديل.

ويجب ألا نغفل فترة الاحتلال البريطانى، حيث عمد رجال الاحتلال إلى إحداث الفرقة بين المصريين لكسر وحدتهم، وقد روى «سميكة باشا» مؤسس المتحف القبطى فى مذكراته، بعض الوقائع التى قام بها المعتمد البريطانى قبل الحرب العالمية الأولى لإثارة الأقباط علي المسلمين.

حين شرع الرئيس فى اتخاذ خطوات نحو دعم الوحدة الوطنية، تعرض للهجوم من خصوم الدولة المصرية، خاصة إخوان البنا، السبب المباشر أن ما يقوم به الرئيس كشف العوار الذى أصابهم طوال السنة التى حكموا فيها مصر، وكشف عوار فكرهم وسلوكهم مع الأقباط، منذ نهاية الأربعينيات، حين قاموا بإحراق كنائس فى الزقازيق وفى السويس، وتهديد بيوت المسيحيين فى شبرا بالقاهرة، لكن تأتى الأيام وأحداث المنطقة، لتؤكد أن الوحدة الوطنية شرط لوجود الدولة الوطنية، قوية ومتماسكة.

لنتأمل أوضاع عدد من دول المنطقة، سوريا الشقيقة، مهددة بالتشظى والتفتت بسبب أن الوحدة الوطنية لم يتم احترامها، وقعت اعتداءات وهجوم على مناطق السويداء فى الجنوب السورى، حيث الأغلبية من الدروز، فكان أن قرر فريق منهم الاحتماء بإسرائيل، حيث الدروز هناك على الحدود.. استغلت الحكومة الإسرائيلية المذبحة التى تعرض لها الدروز، وراحت تتواصل معهم وتمدّ يد المساندة لهم.

وفى سوريا كذلك وقعت مذبحة فى الساحل، شهر مارس الماضى، فُقد فيها عدة آلاف من المواطنين، فى الساحل الأغلبية من العلويين والمسيحيين، ترتب على ذلك أن هناك مطالبات بحكم ذاتى لمنطقة الساحل، وراح بعضهم يفتش عن دعم ومساندة أجنبية.

العراق الشقيق، قضى سنوات من المعاناة بسبب إثارة الفتن الطائفية بين المكون السنى والمكون الشيعى، وراح آلاف الضحايا، فى النهاية وجد الجميع أنه لا بد من التعايش وبناء وحدة وطنية.

وهكذا الحال فى كل المجتمعات والدول التى تعرضت لاهتزازات شديدة، أمامنا ما جرى ويجرى فى الصومال منذ مطلع التسعينيات، وما يحدث فى السودان، بدأ بصراع عرضى بين العربى والإفريقى، وفى مرحلة سابقة كان صراعًا دينيًا.. الأمثلة عديدة فى المنطقة العربية وفى آسيا وأمريكا اللاتينية، بل فى تاريخ أوروبا ذاتها، الحروب الأهلية عادة تنشب بسبب افتقاد الوحدة الوطنية، بين مكونات وأبناء الوطن الواحد، لأسباب دينية ومذهبية أو عرقية، ربما ثقافية.

من حسن حظنا، أن المصريين طوال التاريخ سبيكة واحدة، كان اللورد كرومر وليس أحد غيره هو الذى لاحظ فى كتابه «مصر الحديثة» أن فى مصر لا فارق بين مسلم ومسيحى، إلا أن المسلم يذهب إلى المسجد يوم الجمعة والمسيحى يدخل الكنيسة يوم الأحد.. ولما راح بعضنا يردد مقولة عنصرى الأمة، قلنا بل عنصر واحد، هكذا يثبت علم الجينات والتاريخ المصرى.. لكن هذا لا يعنى أن يمر مجتمع بلا أزمات أو محاولة افتعال أزمة لسبب ما، المغرضون كثر والخصوم أيضًا.

وقد اهتدت مصر إلى الحل الناجع، وهو أولا بناء دولة وطنية ومدنية، يكون فيها المعيار والاحتكام إلى قيم المواطنة بقوانينها وروحها، بحيث لا يتم التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو المذهب وأن تتحول المواطنة إلى تشريعات ولوائح وقوانين، وإنفاذ القوانين، وقبل ذلك الوعى الجمعى العام بضرورة التماسك الوطنى والعيش المشترك فى تآخٍ وسلام.

وهذا ما تعمل عليه الدولة وهو هدف الجمهورية الجديدة.