لا شك أن العالم مع قواعد اللعبة والنفوذ والهيمنة الجديدة يبحث عن المستقبل المنظور بعين العلم والتكنولوجيا الحديثة والمعرفة، بعدما كانت رحلة العام الماضى هى عصر المعادن الثمينة والحرجة والتكنولوجيا بامتياز، ولم يعد أمام العالم إلا أن يتحول من مجرد مقلد إلى مبتكر، فلم يعد يجدى أن ترتمى أى دولة فى ذيل التحديث الصناعى أو الاقتصادي أو الزراعى، ولم تعد القدرة المحدودة على التصنيع والانتقال البطيء نحو الازدهار الصناعى الجديد القائم على حرب قامت بالفعل، وهى حرب المعادن النادرة والبحث عن السيليكون.
ولابد أن يفهم الجميع ويتوقف عن الجدل ويستمع، فنحن أمام نماذج مفتوحة، نموذج اقتصادى لا يتفكك، يضرب قلب العواصم والمدن فى العالم، نموذج يختلف فكرياً وتنظيميا قائم على الابتكار الحقيقى والمخاطرة الفريدة والشركات الناشئة، هذا النموذج قد يكون طريقة أمريكا فى تفكيرها الصناعى، بينما هناك مدرسة أخرى وهى النموذج الصينى القائم على تحويل الابتكار إلى إنتاج جماعى سريع والتوسع إلى السوق العالمية بسرعة قياسية لتحويل المنتج إلى معيار عالمى.
ومن هنا كان وادى السيليكون الصينى نقطة تمحور فى الارتكاز الجيوسياسي وأدوات النمو المستدام، لقد ارتكزت أمريكا فى رحلتها التكنولوجية الحديثة على وادى السيليكون، واعتقدت أنها تقود العالم من قلب هذا الوادى، لكن كانت الصين تفكر بشكل هادئ، بنموذج خاص بها وادى سيليكون، ذى صبغة صينية لا يعتمد مطلقا على أمريكا أو حلفائها الغربيين.
إنها معركة من نوع خاص على عقل المستقبل بدون انتظار موافقة أحد وليست قصة شركات أو تدبير أموال، وإنما قلب الموازين وكسر الهيمنة الأمريكية، فلم تعد أوروبا أو أمريكا هى باب الأفكار ومركز الأبحاث والابتكار، فوادى السيليكون الأمريكى الذى يقبع فى ولاية كاليفورنيا الأمريكية كقطعة صغيرة، انطلقت منه الشرارة الأولى التكنولوجيا الحديثة التى يلهث خلفها كل منْ على الكوكب، وخرج من هذا النموذج الصغير شركات التكنولوجيا التى تسيطر على العالم، وأصبحت هناك كيانات عملاقة كآبل وجوجل وفيسبوك، وأصبحت أمريكا الرابح التكتيكى المرادف للتفوق التقنى والابتكار، لكن الزمن لا يرحم أحدا اعتقد أنه امتلك كل شيء، فعلى الطرف الآخر من العالم كانت هناك أمة تفكر بهدوء وتستيقظ، لفظت الفقر المدقع وأصبحت بالعلم والتكنولوجيا الحديثة، وليس بالتنظير، لتصبح مركزا لصناعة العالم، وخطوة خطوة صارت أهم أمة تفكر كمبدعة خارج كل الأطر التقليدية.
مدينة صغيرة اسمها شنزن تحولت بفعل فاعل إلى وادى السيلكون الصينى؛ لتكون بداية تغيير قواعد الأنظمة فى لعبة السياسة والاقتصاد العالمى وخريطة الابتكار والتكنولوجيا؛ لتصنع العقول ما تحتاجه الجيوش فى العالم لتطوير صناعاتها الدفاعية، وأصبحت هناك مقارنة اليوم منْ يتفوق على الآخر، سيليكون فالى الأمريكى أم وادى السيليكون الصينى، منْ فيهما يملك مفاتيح المستقبل، منْ يحل الأمور الشائكة؟! ربما حمل وادى السيلكون الصينى إجابات فى صورة جديدة تقول لأمريكا نحن لا نحتاج إليكم ولا نريد رقائق إلكترونية ذكية أمريكية، سنعتمد على أنفسنا!!!.
لقد أصبح أسطول الصين التكنولوجي يجلب رأس المال حول العالم والعقول، عاد إليه الطلاب الذين كانوا فى أمريكا، عاد إلى شنزن الصينية أو وادى السيليكون الصينى 2200 طالب وملايين الأيدى العاملة من الصينيين، فتشكل وادٍ غزير الإنتاج بالتكنولوجيا والرقائق الحديثة.
لذلك عندما اختتمنا عام 2025 بتوقيع اتفاقية إنشاء مجمع السيليكون المعدنى المصرى بـ140 مليون دولار، أدركت أننا على طريق التنمية الجيوسياسية بمنطقة العلمين؛ لتلحق بمشروع الكوارتز فاى، دولة تقوم بتحويل المواد الخام إلى قيمة مضافة، فهذه بداية التكنولوجيا الحقيقية لصناعات المستقبل، وعبور التكنولوجيا الحديثة، وتوطين صناعة الخلايا الشمسية والكابلات وغيره خصوصاً أن السيليكون المصرى يتميز بنسبة نقاء تفوق السيليكون الأمريكى، وحتى نختصر المسافة لنصل إلى ما نريد، إن تدعيم سلاسل القيمة المضافة العالية يؤدى إلى طريق الأودية التكنولوجية الحديثة كالوادى الصينى أو سيليكون فالى الأمريكى.
لذلك قلبت بكين الطاولة على الأجندة الترامبية، ورفضت هديته من الرقائق الإلكترونية وأطاحت بانفيديا، العالم كله كان ينتظر أن تنحنى الصين، ولكن جاء الرد الصينى قويا وصادما ومهينا سياسيا، لم نعد نحتاج إلى رقائقكم، هكذا ردت الصين، بعدما اعتبرها منْ أشعل حرب المعادن آخر طلقة لإخضاع التنين الصيني فى حرب المعادن الثمينة والحرجة والتكنولوجيا الحديثة.
لقد رفضت الصين رقائق انفيديا اتش 200 الأمريكية كحرب وجودية لعقول المستقبل، وعادت لغة الصدام من جديد فأمريكا وجدت منافسا صريحا، وانفيديا هى جوهرة العطاء والنجاح الأمريكى فى صناعات التسليح الحديثة، والصين لا تحتاج، فقد اعتمدت على نفسها لأن الاعتماد على الرقائق الأمريكية خطر استراتيجى لا يؤدى إلى التنمية الجيوسياسية التى نتحدث عنها.
والخلاصة أن الدول يجب ألا تراهن على التفوق اللحظى، وإنما يجب أن يكون لها بدائل من الخوارزميات والهندسة الذكية تتجاوز اللعبة والنفوذ والهيمنة الجديدة، لذلك علينا تجاوز مناطق كثيرة المجاهيل والذهاب سريعاً إلى تمكين وتوطين صناعة الرقائق الإلكترونية، فنحن لدينا أنقى وادى سيليكون ينافس الأمريكى، لا نفكر فقط فى الاقتصاد، وإنما التنمية الجيوسياسية والنمو والتعافى المستدام والتأثير الطويل.
وإلى حديث آخر..