لم يعد موسم رأس السنة فى السينما المصرية والعربية نافذة للترفيه العابر، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مؤشر يدل على توجهات الصناعة وأسئلتها الكبرى، وفى هذا الموسم الجديد يبدو المشهد أكثر ازدحامًا وتنوعًا، حيث تتجاور الكوميديا الاجتماعية مع الدراما الإنسانية، وتدخل الأعمال الجدلية فى قلب المنافسة، فى محاولة للاقتراب أكثر من نبض الشارع وأسئلته، فهذا الموسم لا يقدم وصفة واحدة للنجاح، بل يطرح تعددًا فى الرهانات، وأفلاما تخاطب العائلة، وأخرى تناقش قضايا فكرية شائكة، وأعمالاً تراهن على الحس الإنسانى الخالص، ما يمنح الجمهور مساحة أوسع للاختيار، ويعيد فتح النقاش حول دور السينما وحدودها.
جاء فيلم «طلقنى» كى لا يراهن فقط على الكوميديا بوصفها وسيلة للضحك، بل يحاول الاقتراب من واحدة من أكثر القضايا حساسية فى المجتمع المعاصر، ومنها تفكك العلاقات الزوجية، وما يحيط بها من سوء فهم وضغوط اجتماعية ونفسية، ليأتى الفيلم فى صدارة الأعمال الجماهيرية لهذا الموسم، مستندًا إلى الكوميديا الاجتماعية كمدخل لمناقشة أزمة العلاقات الزوجية فى سياق معاصر.
ومع طرحه فى موسم رأس السنة، جاء فيلم «طلقنى» من فكرة بسيطة ظاهريًا، لكنها شديدة القرب من الواقع، زوجان يمران بأزمة انفصال، ويجدان نفسيهما مجبرين على العودة إلى نقطة تواصل بسبب ظرف طارئ، لتنكشف خلال الرحلة مساحات مهملة من علاقتهما، ومشاعر مؤجلة لم يُسمح لها سابقًا بالظهور.
وفى هذا السياق، أوضح السيناريست أيمن بهجت قمر، أن «العمل كُتب انطلاقًا من ملاحظات حقيقية حول العلاقات الزوجية، وأن الكوميديا هنا ليست هدفًا فى ذاتها، بل أداة للكشف عن التناقضات الإنسانية، وبعيدًا عن الصياغات المباشرة، يمكن وصف الفيلم بأن الضحك أحيانًا يكون الوسيلة الأصدق لقول ما يصعب قوله بشكل مباشر».
بينما كشف المخرج خالد مرعي، أنه تعامل مع النص بحذر واضح، ساعيًا إلى الحفاظ على إيقاع كوميدى خفيف، دون أن يفقد الشخصيات عمقها أو يحولها إلى نماذج كاريكاتيرية، وأن التحدى الأكبر كان فى إدارة المشاعر، وكيفية إضحاك الجمهور من الموقف، دون السخرية من الألم الكامن خلفه.
يقول النجم كريم محمود عبد العزيز: فيلم «طلقنى» قائم على تقديم كوميديا نابعة من الشخصية، وليس من النكتة الجاهزة، وأن الشخصية التى أقدمها ليست بطلًا مثاليًا ولا شريرًا، بل إنسان عادى يخطئ ويصيب، ويتورط فى مواقف صنعتها اختياراته، وهذا التصور انعكس على الأداء، حيث جاء أقرب إلى التلقائية، مع مساحات صمت ولحظات تردد، والعمل يستهدف الأسرة المصرية بكل تناقضاتها، معتمدًا على كوميديا نابعة من الواقع لا من المبالغة.
فى حين أكدت النجمة دينا الشربيني، أن ما جذبها إلى الفيلم هو غياب الحكم المسبق على الشخصية النسائية، حيث لا تُقدَّم الزوجة بوصفها ضحية مطلقة ولا طرفًا مذنبًا، بل شريكة فى علاقة معقدة، وأن هذا الطرح يمنح الشخصية مساحة إنسانية نادرة فى أفلام الكوميديا الاجتماعية، ويجعل الصراع قائمًا على الفهم، لا على الاتهام، مشيرة إلى أن الفيلم يتعامل مع فكرة الزواج من زاوية إنسانية بسيطة، بعيدًا عن التنظير أو الإدانة.
«خريطة رأس السنة»
فى موسم سينمائى يميل غالبًا إلى الكوميديا الصاخبة والرهانات التجارية الآمنة، يطل فيلم «خريطة رأس السنة» كعمل يختار السير فى الاتجاه المعاكس، بل هو فيلم هادئ، إنساني، يراهن على المشاعر الصادقة أكثر من الإبهار، وعلى الأسئلة الوجودية الصغيرة التى تسكن تفاصيل الحياة اليومية.
لم يسع صُنّاع «خريطة رأس السنة» إلى عمل سهل الاستهلاك، بل إلى تجربة سينمائية تحاول إعادة تعريف البطولة والرحلة الدرامية، عبر قصة تنطلق من الفقد، وتتشكل عبر البحث عن الذات والانتماء، لتنطلق «خريطة رأس السنة» من حدث بسيط فى ظاهره، لكنه شديد القسوة فى مضمونه، وهو وفاة الأب، وما يترتب عليها من انكشاف هشاشة الروابط العائلية، وضرورة إعادة ترتيب الحياة من جديد، ووسط هذا الفراغ، تبدأ رحلة بطلة تنتمى إلى فئة نادرًا ما وُضعت فى مركز الحكاية السينمائية، لتتحول الرحلة الجغرافية إلى رحلة داخلية لا تقل تعقيدًا.
ويشير الكاتب والسيناريست، يوسف وجدى، فى أحاديث متفرقة خلال الفعاليات الترويجية، إلى أن النص كُتب انطلاقًا من رغبة فى تفكيك فكرة «الاختلاف»، بل وتقديم شخصية لا تعترف بإعاقتها، بل بإنسانيتها، ومخاوفها، وقدرتها على الحب واتخاذ القرار، وبصياغة تحريرية، يمكن القول إن السيناريو لا يسعى إلى استعطاف المشاهد، بل إلى دعوته للتأمل وإعادة النظر.
فى حين تعامل المخرج رامى الجندى مع المادة بحساسية واضحة، مدركًا أن أى إفراط فى الميلودراما قد ينسف صدق التجربة، حيث أشار إلى أن تركيزه على فكرة أن الفيلم لا يريد «شرح» مشاعر شخصياته، بل تركها تتكشف تدريجيًا، عبر الصورة، والصمت، والمسافات بين الشخصيات، ولغة الفيلم البصرية جاءت متقشفة، تميل إلى الهدوء، وتمنح المكان دورًا دراميًا لا يقل أهمية عن الحوار، فى انسجام مع فكرة «الخريطة» التى لا ترشد فقط إلى الطريق، بل تكشف ما نخفيه عن أنفسنا.
أما بطلة الفيلم الفنانة، ريهام عبد الغفور، وتؤكد أنها تقدم فى فيلمها «خريطة رأس السنة» أداءً مختلفًا ويعتمد على الاحتواء لا الاستعراض، وأن التعامل مع شخصية تنتمى إلى عالم مختلف يتطلب قدرًا كبيرًا من التواضع والإنصات، ومعبرة عن شعورها بأن الفيلم يمثل تحديًا إنسانيًا قبل أن يكون فنيًا، بل وأن اختيارها للمشاركة فى العمل لم يكن بدافع البطولة التقليدية، بل لرغبتها فى خوض تجربة إنسانية أكثر تميزاً واختلافاً.
«ريهام»، أشارت إلى أن التعامل مع أطفال من ذوى متلازمة داون لم يكن عنصرًا دراميًا عابرًا، بل تجربة إنسانية حقيقية، جعلتها تعيد النظر فى كثير من المسلّمات، وتقترب أكثر من عالم مليء بالمشاعر الصافية والبساطة غير المصطنعة، حيث إن هذا القرب الإنسانى فى الشخصية انعكس مباشرة على أدائها، فحاولت أن تقدم الشخصية بعيدًا عن الشفقة أو التجميل الزائف، معتمدة على الصدق والهدوء، وأن التحضير للدور لم يقتصر على حفظ الحوار أو فهم السياق، بل شمل العمل التفاصيل الشكلية والنفسية، بما يخدم الشخصية ويجعلها أكثر واقعية، فالمظهر الخارجي، وطريقة الحركة، وحتى الإيقاع الداخلى للشخصية، كانت عناصر أساسية فى بناء الدور، فى محاولة لتقديم صورة تحترم عقل المشاهد ولا تفرض عليه تعاطفًا مصطنعًا.
يشارك ريهام عبد الغفور فى بطولة فيلم «خريطة رأس السنة» كل من محمد ممدوح، أسماء أبو اليزيد، هنادى مهنا، مصطفى أبو سريع، والطفل آسر، فى عمل طُرح ضمن موسم أفلام رأس السنة، من إخراج رامى الجندي، ويقدّم تجربة إنسانية هادئة تعتمد على البساطة والصدق بعيدًا عن الصخب المعتاد.
«الملحد»
مع نهاية عام وبداية عام جديد، يطل فيلم «الملحد» على جمهور السينما المصرية والعربية كأحد أكثر الأعمال إثارة للجدل، ليس فقط بسبب اسمه، بل لما يحمله من قضايا فكرية وإنسانية حساسة، ومنذ الإعلان عن موعد عرضه، تصدر الفيلم اهتمامات الجمهور والإعلام، خاصة بعد رحلة طويلة من الجدل القانونى والاجتماعى التى أحاطت بإنتاجه، حيث مرّ العمل بمراحل صعبة قبل وصوله إلى السينما، وواجه محاولات لوقف عرضه استنادًا إلى اتهامات بأنه يروّج للإلحاد، ورغم ذلك، حصل الفيلم على ترخيص رسمى من الرقابة على المصنفات الفنية، وأكد القضاء لاحقًا أنه لا مبرر لمنع العرض، ما أتاح لصناع العمل فرصة تقديم رؤيتهم بحرية كاملة أمام الجمهور.
وفى هذا السياق، أوضح الكاتب والسيناريست عبد الرحيم كمال، رئيس الرقابة على المصنفات الفنية، أن «الترخيص كان موجودًا منذ البداية، وأن الجدل القانونى الذى ظهر سابقًا لم يكن مرتبطًا بأى قرار من الرقابة نفسها، بل كان جزءًا من خلاف قانونى منفصل»، مؤكداً أن الفيلم استوفى جميع المتطلبات القانونية للعرض.
يعبر بطل الفيلم الفنان، أحمد حاتم، عن شعوره بالمسئولية والتحدى الكبير أثناء تصويره للعمل، مشيرًا إلى أن الفيلم يتناول قضايا إنسانية ونفسية عميقة تتجاوز مجرد الجدل حول عنوانه.
وأوضح «حاتم»، أنه فى بداية المشروع كان يشعر ببعض التردد، لكن مع تقدم مراحل التصوير، تحولت مخاوفه إلى ثقة فى قدرة الفيلم على إيصال رسالة حقيقية ومؤثرة للجمهور.
بينما يؤكد الكاتب والمؤلف إبراهيم عيسى، أن الجدل الذى سبق عرض الفيلم كان مبالغًا فيه، وأن العنوان جذب الانتباه أكثر من مضمون العمل نفسه، بل وأضاف أن الهدف من الفيلم ليس الترويج للإلحاد، بل استكشاف الصراع الداخلى لشاب مع معتقداته وتفاعله مع المجتمع، فى إطار يسمح بنقاش مفتوح بعيدًا عن الأحكام المسبقة، مشيرا إلى أن الجمهور قادر على تمييز القيمة الفنية والرسالة الإنسانية وراء العمل، مؤكدين أن السينما هى مساحة آمنة للنقاش والفكر، وأن هدفهم هو فتح حوار حضارى حول القضايا التى يطرحها الفيلم، لا إثارة الجدل بحد ذاته.
وفى هذا السياق، يقول الناقد الفنى محمد عبد الرحمن: رغم الجدل المحيط بعنوان الفيلم، يرى صناع العمل أن الفيلم لا يستهدف العقيدة، بل يناقش التحولات الفكرية وآثارها النفسية والاجتماعية، وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو الرافضة، يظل العمل نموذجًا لدخول السينما المصرية مساحة شائكة، طالما تم التعامل معها بحذر أو تجاهل.
«غاب القط»
يأتى فيلم «إن غاب القط» كواحد من أكثر الأفلام انتظارًا خلال موسم الأعياد، مقدمًا تجربة تجمع بين الكوميديا البوليسية، الإثارة، والمواقف الإنسانية الطريفة، منذ الإعلان عن موعد عرضه، وجذب الفيلم اهتمام الإعلام والجمهور على حد سواء، خاصة بعد حملة ترويجية مليئة بالتفاصيل المشوقة.
وتكشف سارة نوح، مخرجة الفيلم، أن التحدى الأكبر كان فى مزج الكوميديا مع التشويق والمطاردات بطريقة طبيعية على الشاشة، وأضافت أن كل شخصية فى العمل كانت لها مساحة للتنفس، ما منح الفيلم توازنًا بين الفكاهة والتشويق والجريمة، كما أنها أكدت أن هدفها كان تقديم كوميديا بوليسية بمستوى مختلف فى السينما المحلية، مع معالجة الأحداث بطريقة تجعل الجمهور يضحك ويتفاعل مع تطورات القصة فى الوقت ذاته.
ويوضح آسر ياسين الذى يشارك فى البطولة، أن العمل يمثل تجربة مختلفة تمامًا عما قدمه سابقًا؛ إذ يمزج بين الضحك والإثارة والمواقف الإنسانية، وأن الفيلم يأخذ الجمهور فى رحلة مشوقة منذ اللحظات الأولى، كما أشار إلى أن التجربة كانت فرصة لاختبار قدراته فى تقديم شخصية مركبة تتفاعل مع أحداث غير متوقعة، بعيدًا عن الأدوار التقليدية.
«الست»
مع موسم سينمائى مليء بالأعمال الجديدة، يبرز فيلم «الست» حياة أم كلثوم الإنسانية والشخصية أكثر من الفنية، ولم يقتصر تأثيره على شباك التذاكر فحسب، بل أثار نقاشات واسعة حول كيفية تقديم شخصية تاريخية محورية فى ذاكرة الجمهور العربي.
ويقول الكاتب أحمد مراد، إن ما ميّز هذا المشروع، أنه لم يُقدَّم باعتباره فيلمًا توثيقيًا عن أم كلثوم، بل قراءة درامية لشخصية استثنائية شكّلت وجدان أجيال كاملة، حيث شدد أحمد مراد قبل التصوير، على أن أكبر التحديات لم يكن جمع المادة التاريخية، فحياة أم كلثوم موثقة بشكل واسع، وإنما فى كيفية اختيار زاوية التناول، وأوضح أن السينما، بخلاف الكتب أو الوثائقيات، تحتاج إلى روح درامية قادرة على الإمساك باللحظة الإنسانية، لا الاكتفاء بسرد الإنجازات.
بدورها، تقول النجمة منى زكي، بطلة الفيلم، إن الدور كان من أصعب أدوارها على الإطلاق، ليس فقط من الناحية الفنية، بل بسبب العبء النفسى المرتبط بتجسيد شخصية بهذا الثقل التاريخي، وأنها خضعت لفترة تحضير طويلة امتدت لأكثر من عام، وركزت خلالها على فهم الحالة النفسية للشخصية، وليس تقليد الأداء أو الصوت بشكل حرفي، مشيرة إلى أن الهدف لم يكن تقديم نسخة طبق الأصل، بل أداء يحترم روح أم كلثوم ويعبّر عن رحلتها الإنسانية، مع إدراكها المسبق أن أى اجتهاد سيظل محل مقارنة وانتقاد.
وفى مواجهة بعض الانتقادات التى طالت أداءها، شددت «منى» على أن الفيلم لم يكن يهدف إلى إعادة تقديم أم كلثوم كما عرفها الجمهور حرفيًا، بل إلى طرح رؤية فنية تحاول الاقتراب من الإنسانة خلف الأسطورة، مؤكدة على أن تقديم شخصية تاريخية دون إبراز تعقيداتها يجعلها أقرب إلى صورة جامدة، وهو ما يتعارض مع طبيعة الدراما، وأوضحت أن المقارنة بين الممثل والشخصية الحقيقية تظل حتمية فى مثل هذه الأعمال، لكنها لا يجب أن تلغى حق الفنان فى الاجتهاد ضمن رؤية العمل، مشيرة إلى أن مجرد خوض هذه المغامرة الفنية يمثل إضافة مهمة لمسيرتها، بغض النظر عن تباين ردود الفعل، وأن مشاركتها فى «الست» جاءت انطلاقًا من إيمانها بأهمية تقديم أعمال تفتح باب النقاش حول رموزنا الثقافية، وتعيد طرحها برؤية فنية معاصرة تحترم قيمتها التاريخية.