تحدث الإنجليزية والفرنسية والتركية ، ولكنه عشق وصف (خادم اللغة العربية) ، واعتز بنشأته فى حى ( السيدة زينب ) وغضب ممن يصفه بأن أصوله تركية ! عاش فى الظل ، ورفض عروضاً للكتابة فى (الأخبار والأهرام) ورضي بالكتابة فى صحف أقل شهرة ، وأخلص في كل موقع ثقافي شغله ، وأفاد نجيب محفوظ وباكثير بمنحة التفرغ حين أسس لها عرف الجمهور المصري والعربي يحيى حقي أحد رواد القصة القصيرة في العالم العربي منذ نشر قصته ( فله ومشمش ولولو ) سنة 1926م ، وعرفه أكثر حين كتب قصته الفريدة ( قنديل أم هاشم ) والتي تحولت إلى فيلم سينمائي ، ثم فيلم ( البوسطجي ) عن قصة له ، وعرفناه مديرا لمصلحة الفنون فأدخل الربابة والفنون الشعبية إلى دار ( الأوبرا ) ، وعمل تحت رئاسته كل من نجيب محفوظ وعلى أحمد باكثير، كان يستفزه كثيرا وصفه بأن أصوله تركية ، ويحب أن يصفه الناس بأنه ( خادم اللغة العربية ) ، كما كان يحب البطاطا والكوارع والفتة ، ويطربه نداء الباعة على بضاعتهم بتعبيراتهم المدهشة ، وهو الفنان الكبير الذي يتحدث عدة لغات !..وفي ذكرى مولده في 7 يناير سنة 1905م نتذكره قيمة وقامة . إنه المتذوق للموسيقى ، وله في ذلك كتاب ( تعال معي إلى الكونسرفتوار ) ، إنه مجمع مواهب ، ومع ذلك راض وقنوع وزاهد في المال والمناصب ، عرض عليه أن يكتب في ( الأخبار) ثم في (الأهرام ) بصفة دورية فرفض واكتفى بمقالاته في ( المساء ) وغيرها من الصحف الأقل شهرة مثل ( التعاون ) ، لم يصطدم يوما مع زميل أو مع مؤسسة ، ولم ينافس أحداً على أي شيء . تزوج من ( نبيلة عبد اللطيف سعودي ) ابنة المحامي الوفدي صديقه ، وأنجب ابنته الوحيدة ( نهى ) ، وبعد وفاتها تزوج زوجته الفرنسية، وبسبب زواجه تنازل عن وظيفته كوزير مفوض في الخارجية المصرية ، وارتضى بأن يتحول لموظف عادي بوزارة التجارة ، وكانت شروط العمل بالخارجية في عصر عبد الناصر لا تسمح بالزواج من أجنبية ، ثم انتقل للعمل بوزارة الثقافة تحت قيادة الوزير ثروت عكاشة ، وأغضب مرة عبد الناصر وأراد إيقافه عن العمل ، فدافع عنه الوزير ، ولكنه اضطر لنقله مستشاراً لدار الكتب لشهور ، واستقال بعدها ! وبنظرة بسيطة على عناوين قصصه تفصح لنا عن بوصلته الشعبية المصرية مثل ( صح النوم ) ، و( كناسة الدكان ) ، و( دماء وطين ) ، و( ناس في الظل ) ، و ( يا ليل يا عين ) ، و( خليها على الله ) التي شرع بها في كتابة مذكراته مسلسلة في ( الجمهورية ) حتى توقفت بأمر من الضابط صلاح سالم رئيسها آنذاك ! نزاهته وهنا وقفة تستحق الذكر لفهم شخصية هذا الرجل النزيه ، وملخصها أنه كان يقبض خمسة عشر جنيها مقابل كل مقالة يكتبها في صحيفة ( المساء ) في مطلع الخمسينيات ، وحين نشر مذكراته كمعاون إدارة في صعيد مصر بعنوان ( خليها على الله )، في صحيفة ( الجمهورية )- لسان حال ثورة 23 يوليو سنة 1952م - قرر الضابط صلاح سالم رئيس مجلس إدارة الصحيفة أن يمنحه مكافأة قدرها خمسون جنيها عن كل حلقة ، فرفض استلام المكافأة الكبيرة بمقياس ذلك الزمان ، وقال إنه لن يشارك في نهب المال العام ، فما كان من صلاح سالم إلا أن أمر بإيقاف نشر بقية مذكراته ! قدم الأدباء الشباب في كل موقع شغله ، فقد قضى ثلاث سنوات في مصلحة الفنون رئيساً لها وعمل تحت قيادته نجيب محفوظ وعلى أحمد باكثير ، فأنشأ المعاهد الفنية ، ومسرح العرائس ، وأوركسترا القاهرة السيمفوني ، وكورال الأوبرا ، وأدخل الربابة والفنون الشعبية لمسرح الأوبرا في عرض راقص أمام ( عبد الناصر وتيتو ) ، وحين غضب عليه عبد الناصر لاحقا ، وطلب من الوزير ثروت عكاشة إيقافه عن العمل نقلوه مستشارا لدار الكتب ، وبعد شهور قدم استقالته ، ولكنه عاد رئيسا لتحرير مجلة ( المجلة ) سنة 1962م وظل بها حتى 1970م ، وخلال السنوات الثماني تلك قدم حقي جيلا كاملا من الأدباء الشباب دون أن يعرفهم ، وغالبية نجوم جيل أدباء الستينيات نشروا للمرة الأولى قصصهم بفضل دعمه وتشجيعه لهم مثل سعيد الكفراوي ومحمد جبريل ومحمد حافظ رجب وغيرهما . ترجم كتاب ( القاهرة ) لديزموند ستيوارت عن الإنجليزية ، وطلب من صديقه د. جمال حمدان تقديم الكتاب ، كما ترجم رواية ( البلطة ) لأديب مجري . بدأ (مشروع التفرغ ) بوزارة الثقافة ، حين سأل نجيب محفوظ يوما عن جديده في الرواية ، فقال محفوظ إنه لا وقت عنده بسبب قيود الوظيفة ، وتمنى لو كان متفرغا من العمل للإبداع ، فما كان من يحيى حقي إلا أن حكى ذلك لوزير الثقافة ثروت عكاشة ، فتقرر عمل إدارة جديدة في الثقافة باسم ( التفرغ ) وكان نجيب محفوظ وأحمد علي باكثير أول من استفاد من منحة التفرغ ، وكان بمرتب قيمته مائة جنيه شهرياً آنذاك ، في مطلع الستينيات ، وهو رقم كبير وقتئذ . وهو المنصف الذي أثنى على محفوظ يوم فاز بنوبل في الأدب ، وقال إنه وهب حياته للرواية ولا يقارن به أحد آخر . كان صديقا للعلامة ( محمود محمد شاكر ) – أبي فهر – وكانا يسكنان (حي مصر الجديدة) معا ، وكان حقي يزوره باستمرار ، ويسأله عن دقائق اللغة العربية وأسرارها ،وهو أيضا عاشق للعامية المصرية ، ونداءات الباعة المتجولين ، حيث ولد في بيت بحارة ( الميضة ) خلف مسجد السيدة زينب في 7 يناير سنة 1905م وعاش وسط الناس ، واستخدم تعبيراتهم مثل ( عصلج ) بمعنى ( أصبح معقدا وصعبا ) ، وغيرها من الكلمات السائرة .