رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ثمن إنهاء حرب أوكرانيا


3-1-2026 | 12:16

.

طباعة
بقلم: سناء السعيد

رغم أن « فلاديمير بوتين» ينظر إليه على أنه مستبد ومناور سياسى مخضرم، فإنه لا يخفى مشاعره، وغالبا ما تعكس تعابير وجهه ما يدور فى ذهنه، حتى أن السيناتور الأمريكى الراحل «جون ماكين» كان حين يمزح يقول: «إنه عندما كان ينظر فى عينى بوتين كان يرى ــ ثلاثة أشياء ــ kgb ــ » فى إشارة إلى ماضيه كضابط فى جهاز الاستخبارات السوفييتية، خطرت هذه العبارة ببالى وأنا أشاهد لقطات لزعيم روسيا جالسا فى الكرملين قبالة مبعوثين أمريكيين، لم يخف مشاعره وبدا واثقا بنفسه إلى حد كبير، فهو يرى أن المدد الدبلوماسى بات يميل لمصلحته فى ظل تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وتحقيق مكاسب على أرض المعركة.

 

 

بعض المحللين يقولون إن «بوتين» لا يملك حافزا للتراجع عن مطالبه التى تشمل تخلى أوكرانيا عن نحو 20 فى المائة من إقليم «دونيتسك» الذى لا يزال خاضعا لسيطرتها والاعتراف الدولى بجميع الأراضى المحتلة باعتبارها أراضى روسية، وتقليص الجيش الأوكرانى إلى الحد الذى قد يفقده القدرة على التأثير، واستبعاد انضمام أوكرانيا إلى «الناتو»، وفى ظل المعطيات الحالية تبرز عدة سيناريوهات محتملة: أولها أن يحاول «ترامب» فرض وقف لإطلاق النار على أوكرانيا ــ بشروط قد لا تحظى بقبول شعبى ــ تتضمن التنازل عن أراض، وتفتقر إلى ضمانات أمنية كافية لردع أى عدوان روسى مستقبلى، أما إذا رفضت أوكرانيا هذه الشروط أو اعترضت روسيا عليها فقد ألمح ترامب إلى أنه عندئذ قد ينأى بنفسه عن الحرب لا سيما وقد قال فى وقت سابق: (أحيانا عليك أن تترك الناس يتقاتلون فيما بينهم).. وقد يقدم أيضا على سحب الدعم الاستخباراتى الأمريكى الحيوى الذى تعتمد عليه أوكرانيا لرصد الطائرات الروسية المسيرة قبل وصولها لتنفيذ ضربات تستهدف منشآت الطاقة الروسية.. وثمة احتمال آخر يتمثل فى أن تستمر الحرب فى التعثر ودون حسم مع مواصلة القوات الروسية تحقيق تقدم بطيء فى شرق أوكرانيا.

أما استراتيجية الأمن القومى الجديدة لإدارة ترامب فقد أشارت إلى أن روسيا لم تعد تمثل تهديدا وجوديا للولايات المتحدة.. هذا ودعت إلى إعادة إرساء الاستقرار الاستراتيجى مع موسكو، تزامن مع ذلك تراجع الدعم الأمريكى لأوكرانيا إلى حد أثار تساؤلات جدية، ولعل أبرز سؤال: ما الذى يمكن ــ فيما لو تراجع الدعم بالفعل ــ أن يغير حسابات «بوتين»؟ وماذا يمكن لأوكرانيا وأوروبا بل وحتى الصين أن تفعله فى مجابهة ذلك؟. وهل بإمكان أوروبا أن تفعل المزيد؟. وفيما إذا لم تقدم الولايات المتحدة الأمريكية مزيدا من الدعم العسكرى، فهل تستطيع أوروبا بمفردها القيام بدور أكبر؟.

فى الوقت الراهن تستعد القارة الأوروبية للتعامل مع احتمال وقف إطلاق النار، وباسم ما يعرف بـ«ائتلاف الدول المستعدة للمشاركة» يجرى الإعداد لقوة عسكرية دولية تهدف إلى مساعدة أوكرانيا على ردع أى غزو روسى فى المستقبل، إلى جانب جهد مالى لدعم إعادة إعمار البلاد التى أنهكتها الحرب، ولكن بعض المسؤولين يرون أنه يتعين على أوروبا بدلا من ذلك الاستعداد من الآن لفرضية استمرار الحرب دون حسم، وهنا يدعون إلى دعم أوكرانيا ليس فقط من أجل «كسب المعركة اليوم» عبر مزيد من الطائرات المسيرة والتمويل، وإنما أيضا من خلال تقديم دعم طويل الأمد والاستعداد لأى صراع مع روسيا قد يمتد من 15 إلى 20 عاما. كما يمكن لأوروبا أيضا بذل المزيد من الجهود لحماية الأجواء الأوكرانية من الصواريخ والطائرات المسيرة الروسية. وهناك بالفعل خطة قائمة تعرف باسم «مبادرة الدرع الجوى الأوروبي»، والتى يمكن توسيع نطاقها بحيث تسمح لأنظمة الدفاع الجوى الأوروبى بحماية غرب أوكرانيا.

ويرى آخرون أنه يمكن نشر قوات أوروبية فى غرب أوكرانيا للمساعدة فى مراقبة الحدود، ما يتيح تحرير مزيد من الجنود الأوكرانيين للقتال على خطوط المواجهة الأمامية، إلا أن معظم هذه المقترحات قوبلت بالرفض خشية استفزاز روسيا أو تصعيد الصراع.. ولا شك أن هذه المخاوف غير مبررة ذلك أن هناك قوات غربية موجودة بالفعل على الأرض، وأن نشر منظومة الدرع الجوى فى غرب أوكرانيا يمكن أن يتم من دون أى احتمال يذكر لوقوع اشتباك مع الطائرات الروسية، لاسيما أن القيادات الأوروبية يمكن أن تنخرط فى الصراع بشكل يحدث فروقا فعلية، فالشىء الوحيد الذى من شأنه أن يوقف العدوان الروسى هو وجود قوات غربية قوية بما يكفى فى المناطق التى تسعى روسيا إلى مهاجمتها، إلى جانب إظهار العزم والإرادة على استخدامها فى الدفاع. بيد أن هذه الاستراتيجية ستجابه بصعوبات سياسية كبيرة فى ظل رفض بعض الناخبين فى أوروبا الغربية المخاطرة بمواجهة مباشرة مع روسيا. ومع ذلك فإن قلة من المحللين يتوقعون أن تتمكن أوكرانيا من قلب موازين الحرب وتحقيق مكاسب ميدانية حقيقية.

فى المقابل يقول بعض الدبلوماسيين الغربيين إن الروس يضللون «بوتين» عبر تصوير الوضع الميدانى على أنه أفضل مما هو عليه فعليا فى إطار ما يرونه استراتيجية متعمدة لتضخيم المكاسب الروسية بهدف الإيحاء بأن أوكرانيا باتت فى موقف ضعيف ويجب عليها السعى إلى السلام.. ووفقا لأحد المحللين فإن روسيا لم تستول هذا العام سوى على نحو 1 فى المائة من الأراضى الأوكرانية، وجاء ذلك بكلفة تجاوزت 200 ألف قتيل وجريح.

وهناك من يقول: (إن أكبر عنصر يصب فى مصلحة «بوتين» هو اعتقاد الكثيرين بأن أوكرانيا هى الطرف الخاسر فى الحرب على الرغم من أنها تمتلك اليوم أقوى قوة عسكرية فى أوروبا.. ومن اللافت أنها صمدت كل هذا الوقت ولا سيما أنها كانت تعامل بيد واحدة مقيدة خلف ظهرها).

 
 
 

الاكثر قراءة