ولا شك أن مجلس النواب يمثل أحد الأعمدة الرئيسية للدولة الحديثة، ويكتسب المجلس المنتخب فى عام 2025 أهمية مضاعفة فى ظل تحديات اقتصادية معقدة، ومتغيرات إقليمية ودولية ضاغطة، وبالتبعية الحاجة إلى تشريعات مرنة ومتوازنة تدعم النمو والاستقرار الاجتماعى، ومن ثم، فإن قوة البرلمان لا تُقاس فقط بعدد القوانين الصادرة، بل بجودة التشريع، وفاعلية الرقابة، وقدرته على التعبير الحقيقى عن مصالح المجتمع.
وتمثل الفترة من 2026 إلى 2030 مرحلة مفصلية فى مسار الدولة المصرية، تتقاطع فيها تحديات اقتصادية وضغوط اجتماعية مع طموحات تنموية كبرى، وهو ما يضع على عاتق مجلس النواب الجديد مسئولية تاريخية تتجاوز التشريع التقليدى إلى صياغة المستقبل، ومن ثم على المجلس القادم وضع التشريعات والقوانين التى تساعد على تحقيق أهداف الدولة وتحقيق التنمية المستدامة، ولعل من أهم القوانين:
أولاً: تنظيم السوق العقارى المصرى وتحفيز تصدير العقار، فقبل الحديث عن الأولويات التشريعية العامة، يأتى تنظيم السوق العقارى فى مصر وتحفيز تصدير العقار كأحد الملفات الاقتصادية الرائدة التى يجرى العمل عليها، نظرًا لدورها فى جذب الاستثمارات الأجنبية، وزيادة عائدات العملة الصعبة، وخلق فرص عمل، والمساهمة فى تعزيز الناتج المحلى. هذا الملف يعد أولوية تشريعية بارزة فى العام التشريعى القادم، حيث مطلوب:
-1 إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة للسوق العقارى لضبط السوق، ومن أهم التشريعات التى اقترحها هى إنشاء هيئة تنظيم السوق العقارى كمؤسسة مستقلة تُشرف على ترخيص وتسجيل المطورين العقاريين والوسطاء والمسوّقين بما يحدّ من الممارسات غير المنظمة، مع وضع معايير مهنية واضحة للسوق وتطبيقها بمثابة قواعد حوكمة فاعلة، إضافة إلى فرض عقوبات تنظيمية على المخالفين كمَن يخلف التزامات التسليم أو يروج بإعلانات مضللة، مع إنشاء منصة تلقّى الشكاوى وتطبيق آليات حل النزاعات بشكل أسرع وأكثر عدالة، فهذه المطالبة جاءت بعد ثبوت صعوبات تنظيمية فى القطاع وعدم وجود جهة مستقلة تُراقب التراخيص والممارسات.
-2 تشريع قانون منصات السوق العقارية الرقمية، فلا شك أنه فى ضوء الاتجاه العالمى نحو الرقمنة هناك حتمية تشريع قانون ينظم منصات السوق العقارية الرقمية، الذى يشمل إجراءات منح تراخيص تشغيل إلكترونية للمنصات التى تعرض العقارات للبيع أو التأجير، أيضا قواعد الشفافية والإفصاح فى المعلومات المعروضة (الصور، المواصفات، الأسعار، موقع العقار)، كذلك حماية المستهلك من الإعلانات المضللة والاحتيالية فى التجارة الإلكترونية للعقار خاصة بعد صدور محكمة النقض الذى اعتبر العقار سلعة ويخضع لقانون حماية المستهلك، فهذا التشريع أيضا سيُسهّل دخول التكنولوجيا فى السوق العقارى ويدعم التفاعل بين المطورين والمشترين عبر منصات موثوقة إلكترونيًا.
-3 منصة تصدير العقار المصرى، من المسارات التشريعية الطموحة التى نأمل فى استصدار قانون لها هو تشريع منصة وطنية لتصدير العقار المصرى، تهدف إلى تسهيل بيع العقارات للمشترين الأجانب والمصريين بالخارج مقابل عملات أجنبية صعبة، ما يزيد من موارد النقد الأجنبى، وأيضا تنظيم الإجراءات البنكية والتسجيلية للتعاملات بالعملة الأجنبية مع إمكانية ربط هذا النظام بحوافز مثل منح إقامة/جنسية للمستثمرين العقاريين، استنادًا إلى تجارب ناجحة فى أسواق إقليمية، وهذه المبادرة حظيت بتغطية تشريعية وبرلمانية كإحدى الوسائل لتعزيز دور العقار فى جذب العملات الأجنبية وتحسين الميزان التجارى المصرى.
-4 حوافز مالية وضريبية لتصدير العقار، ومن الممكن أن يتضمن الإطار التشريعى الواجب تطويره أيضا حوافز مالية وضريبية مثل تخفيض أو إعفاءات ضريبية للمطورين الذين يحققون مبيعات فى السوق الدولى، تسهيلات فى التحويلات البنكية بالعملة الأجنبية للمطورين والمشترين، مع مزايا فى الرسوم التنظيمية للمشروعات التى تستهدف تصدير العقار، وتأتى هذه الحوافز فى سياق سعى الدولة لجعل العقار المصرى من القطاعات الصاعدة التى تدفع بعجلة الاقتصاد الوطنى وتوفر موارد جديدة من العملات الأجنبية.
-5 قانون لحماية المستثمرين العقاريين، فكما من المتوقع أن يتجه مجلس النواب أيضا نحو تشريع إطار قانونى يصون حقوق المستثمرين والمشترين فى السوق العقارى من خلال عقوبات تنظيمية وتشديدات ضد المطورين غير الجادين فى التسليم أو المخالفين للشروط التعاقدية، وآليات قانونية أسرع لحل المنازعات العقارية، بعيدًا عن التعقيدات الروتينية فى المحاكم، بخلاف ضبط وتنظيم المسوّقين العقاريين عبر تحديد شروط الترخيص والمعايير المهنية ومراجعة آليات عملهم بما يحمى المنتج العقارى ويضمن جودة الخدمات، وهذا الاتجاه التشريعى انطلق بالفعل من مناقشات نيابية سابقة حول ضرورة وضع قواعد واضحة للممارسة المهنية فى العقار، والحماية من الممارسات التى تضر بسوق الاستثمار العقارى.
ثانيًا: تحديث قانون الاستثمار والتسهيلات الضريبية، وأعتقد أن تحديث قانون الاستثمار يأتى فى صدارة أولويات التشريع فى 2026، وذلك بهدف تحسين مناخ الاستثمار وتوفير بيئة جاذبة لرأس المال المحلى والأجنبى ضمن هذا السياق يُنتظر أن يشمل التحديث تبسيط إجراءات تأسيس الأعمال على أن يستهدف فى القانون الجديد تسريع الإجراءات المتبعة لدى الجهات الرقابية والوزارات لتأسيس الشركات، وتحسين سرعة الانتهاء من الترخيص، والاستغناء عن الإجراءات اليدوية قدر الإمكان من خلال المنصات الرقمية، بما يدعم الاختصار فى الوقت والتكلفة على المستثمرين.
وتوسيع نطاق الحوافز الاستثمارية يركز التحديث على تقديم حوافز ضريبية وجمركية للمشروعات التى تُسهم فى تنمية الصادرات، رفع المكون المحلى، دخول مشروعات رأس المال التكنولوجى، خلق فرص عمل عالية التأهيل هذا يشمل إمكانية إعفاءات ضريبية أكبر لفترات معفاة أطول ضمن مناطق الاستثمار ذات الأولوية، أيضا تأسيس أطر للمناطق الاستثمارية والخاصة، حيث نحتاج إلى تنظيم المناطق الاقتصادية الخاصة ومناطق الحوافز بشروط أكثر مرونة وحماية للمستثمرين، مع ضمان الالتزام بالبيئة والمعايير المهنية فى الاستثمار.
فالبيانات الرسمية تشير إلى أن الحكومة تركز بالفعل على تفعيل هذه النقاط فى إطار برنامجها لتسهيل وتبسيط الاستثمار، مع دعم من مؤسسات دولية فى مجال تطوير السياسات الاستثمارية.
ثالثًا: إصدار قانون جديد للصناعة الوطنية يرتبط هذا الملف بتحديث القانون الاستثمار، ولكنه قائم بذاته كأحد أعمدة التشريع الواجب استكماله، وذلك لأن الصناعة الوطنية تحتاج إلى قواعد واضحة تحمى المنتج الوطنى وتُحفز على إضافة قيمة محلية أعلى، وتشمل أولويات القانون حوافز ضريبية وجمركية للصناعات التى تعتمد على قيم مضافة محلية، تشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة الصناعية، دعم القدرات الإنتاجية فى القطاعات الاستراتيجية (مثل الأغذية، الدواء، المواد الأساسية)، إنشاء منظومة لإعادة تأهيل المناطق الصناعية القديمة، ويندرج هذا القانون ضمن مساعى الدولة لخلق قطاع صناعى قوى قادر على المنافسة فى الأسواق الإقليمية والدولية.
رابعًا: دعم الاقتصاد الرقمى ومنصات التجارة الإلكترونية، فمع النمو المتسارع للاقتصاد الرقمى، أصبح من الضرورى وجود تشريع أُطر قانونية تنظم عمل منصات التجارة الإلكترونية، الدفع الرقمى، وحماية البيانات الشخصية، وتشمل أهم ما تتضمنه التشريعات المطلوبة حماية البيانات الشخصية للمستخدمين وتعزيز الأمن السيبرانى، وتنظيم المعاملات الإلكترونية والحدّ من الاحتيال الرقمى، إضافة إلى قواعد تعاملات التجارة الإلكترونية عند الحدود، ولا نغفل حوكمة المنصات النشطة فى التسويق والبيع الرقمى للمنتجات والخدمات، ولا شك أن هذه التشريعات تُسهم كذلك فى تعزيز الشمول المالى ودفع قطاع التكنولوجيا المحلية نحو الابتكار والنمو.
خامسًا: تطوير التشريعات المتعلقة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل العمود الفقرى لاقتصادات ناشئة فى كثير من الدول، وهى من أهم مصادر العمالة والدخل. فى مصر، يُنتظر أن يناقش البرلمان تشريعات تهدف إلى تبسيط إجراءات الترخيص والتسجيل، وتقليل البيروقراطية على المستثمرين الصغار، وتوفير منصة واحدة لتسجيل الأعمال والحصول على التراخيص اللازمة.
ونستكمل ذلك عبر وسائل تمويل مرنة، وتشريعات تسمح بتقديم قروض بضمانات مخفّضة، منح صغيرة، وصناديق دعم محلية لتشجيع رواد الأعمال، كما يمكن ربطها ببرامج التدريب والدعم اللوجستى، أيضًا دعم التصدير للمشروعات الصغيرة من خلال حوافز ضريبية وإعفاءات مؤقتة للأعمال التى تُركز أنشطتها على التصدير، ما يُسهم فى تنشيط قطاع الصادرات غير النفطية.
سادسًا: تعديل قانون التأمينات والمعاشات، فتتطلب منظومة الحماية الاجتماعية فى مصر تطويرًا تشريعيًا لتحسين استدامة الصناديق التأمينية وضمانات معاشات المحالين والمعاشيين، ومن ذلك تعديل قواعد احتساب المعاشات لتحقيق توازن بين الاستدامة والعدالة الاجتماعية، وتحديث نظم الاشتراك التأمينى وربطها بسوق العمل المرن، مع تعزيز ربط التأمين الصحى مع نظام المعاشات لضمان رعاية أفضل للمستفيدين، هذه التعديلات تأتى فى ظل حاجة الدولة إلى حماية الطبقات الضعيفة والمتوسطة، وتقديم نظم قابلة للتطبيق على المدى الطويل.
سابعًا: قوانين لضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار، ومن المؤكد لمواجهة تقلبات الأسعار وضغوط السوق ننتظر طرح تشريعات متقدمة فى مجال تعزيز الرقابة التموينية، وتحديث قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، ومعها قوانين لضبط أسعار السلع الأساسية واستقرارها فى الأسواق، فهذه التشريعات تُعَد ضرورية لحماية المستهلك وتحسين فاعلية الأسواق، وتقليل الاستغلال الذى قد ينشأ فى غياب رقابة فعالة.
ثامنًا: تطوير منظومة التأمين الصحى الشامل ويمثل القطاع الصحى أحد أهم التحديات الاجتماعية، ولذلك يشمل جدول الأعمال التشريعى تحديث قانون التأمين الصحى الشامل، وتعزيز جودة وكفاءة الخدمات الطبية، ضمان توفير أطباء وأطقم طبية مؤهلة، تطوير آليات التمويل والتشغيل لمستشفيات الحكومة، حيث يهدف هذا الإطار إلى تقديم خدمات صحية متكاملة للمواطنين، وتقليل الأهمية المالية للعلاج على الأسرة، ودعم الاستدامة المالية للنظام الصحى الوطنى.
تاسعًا: تشريعات لتنمية رأس المال البشرى، فنحتاج أيضا التركيز على التشريع للتعليم الفنى والتدريب المهنى كأساس لتعزيز تأهيل القوى العاملة للشهادات المطلوبة فى سوق العمل، ويشمل ذلك قوانين لدعم الجهات التدريبية بهدف ربط مؤسسات التعليم بسوق العمل فعليًا، وتشجيع التدريب المهنى الخاص والعام، ولا شك أن هذا سيسهم فى تقليل فجوة المهارات وتحسين فرص حصول الشباب على وظائف ذات جودة.
ولا شك أن أجندة التشريع فى 2026 يجب أن تعكس رؤية متوازنة تعالج الأولويات الاقتصادية الرئيسية، مثل: الاستثمار، الصناعة، النقل الرقمى، وتنظيم الأسواق، مع الالتزام بالعدالة الاجتماعية من خلال إصلاح منظومات التأمينات، الحماية الاجتماعية، الصحة والتعليم. إن تنفيذ هذه التشريعات المتناغمة سيسهم فى دفع مصر نحو نمو اقتصادى مستدام وشامل، وتعزيز القدرة التنافسية على الصعيدين الإقليمى والعالمى.