أبى عام 2025 وهو يُلملم أوراقه أن يغادرنا دون أن يصطحب معه واحدا من أهم مخرجى السينما المصرية فى العقود الأربعة الأخيرة، رحل إذن المخرج الكبير داوود عبد السيد بعد أن قال كلمته: «أنا لست لهذا المناخ الطارد، لن أستطيع مجاراة واقع سينمائى محبط، وكفانى سباحة ضد التيار، من الأفضل لى أن ألزم بيتى حتى لو كان فى ذلك مشقة على النفس».. هكذا توقف عبد السيد عن النبض السينمائى منذ عشر سنوات قبل أن يتوقف قلبه تماما عن النبض منذ أيام تاركا لنا سيرة فنية وإنسانية طيبة وأعمالا تؤكد على تميز هذا الرجل ليس فقط بين أبناء جيله، وإنما أيضا بين كل مخرجى السينما المصرية. هذه السيرة الفنية التى أنجبت لنا تسعة أفلام فقط خلال ثلاثين عاما بين سنتى 1985 و2015 ليثبت الرجل أن التاريخ والبصمة ليسا بحاجة إلى الكم والعدد، يكفينا ويكفيه أنه صاحب الكيت كات وأرض الخوف ورسائل البحر. وكما كل أبناء جيله لم يكن مشوار داوود عبد السيد سهلا أو آمنا، فقد واجه الكثير من الصعوبات والإحباطات، وربما هذا هو الذى أنهكه وأرهق أنفاسه، وجعله لا يقدم سوى هذه الأفلام التسعة، قبل أن يفقد حماسه تماما للسينما التى عشقها على أثر تقديمه لفيلمه الأخير «قدرات غير عادية» عام 2015، وفى تقديرى فإن تحديين هامين كانا الأبرز فيما واجهه عبد السيد خلال مشواره الفني، فقد تخرج الرجل المولود فى نوفمبر 1946 فى المعهد العالى للسينما العام 1967، شاب لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره مفعم بالأمل فى تقديم سينما كان يحلم بها، وفضلها عن عشقه الآخر وهو الصحافة والكتابة بشكل عام، فإذا بهزيمة مريرة تسد كل النوافذ وتدعو إلى الإحباط، وتأخذ من أعمار هذا الجيل أجمل سنوات العمر سواء كان على جبهة القتال فى مواجهة المحتل، أو داخل جبهة داخلية متشحة باللون الأزرق والأنوار المطفأة وأصوات صفارات الإنذار والهرولة إلى المخابئ، فإذا كنت تود أن تطل برأسك وتبحث لنفسك عن مكان بين صناع السينما فليس أمامك سوى أحد طريقين: إما أن تفعل مثل الأغلبية وتبحث عن أفلام المغامرات والعرى ودغدغة مشاعر الملايين كحال غالبية إنتاج فترة ما بين حربى يونيو 1967 وأكتوبر 1973، وإما أن تناضل مع المظاليم فى عالم الأفلام التسجيلية، فكان هذا هو اختيار داوود عبد السيد الذى قدم بعد تجارب قليلة كمساعد مخرج مع يوسف شاهين وكمال الشيخ وممدوح شكرى مجموعة من الأفلام التسجيلية كان أولها «رقصة من البحر» سنة 1972، وربما كان أهمها «وصية رجل حكيم فى شئون القرية والتعليم» سنة 1976 الذى نكأ فيه جرح الأمية وتفشيها فى ريف مصر، وكان من وراء هذا المناخ أن تأخر تقديم فيلمه الروائى الأول «الصعاليك» حتى سنة 1985 بعد ثمانية عشر عاما على تخرجه فى معهد السينما، ولم تكن أزمة داوود وحده، وإنما كانت أزمة جيله كله، فرفيق مشواره وابن دفعته فى معهد السينما خيرى بشارة احتاج هو الآخر خمسة عشر عاما قضاها أيضا فى عالم الفيلم التسجيلى قبل أن يقدم أول أفلامه الروائية «الأقدار الدامية» و«العوامة 70» سنة 1982، ولولا أن رفيق دفعتهما الثالث على بدرخان كان أوفر حظا بحكم اقترابه من الحياة الفنية (ابن المخرج الكبير أحمد بدر خان وزوج الفنانة سعاد حسنى) لربما تأخر هو الآخر فى تقديم فيلمه الروائى الأول، وهذا كان التحدى الأول الذى واجهه عبد السيد. وعندما واتته الفرصة لتقديم فيلمه الروائى الأول سنة 1985 حاول داوود تقديم السينما التى يريدها لا سيما وهو كاتب أفلامه أيضا مع استثناءات قليلة، فقدم أولا فيلم الصعاليك من بطولة نور الشريف ويسرا ومحمود عبد العزيز، ثم أتبعه بـ«البحث عن سيد مرزوق» فى وقت بدا فيه وكأنه يحلق خارج السرب فى زمن أفلام المقاولات الذى لوّن عقد الثمانينيات بأكمله، فكان عليه – وهو التحدى الثانى – أن يبحث عن النغمة المفقودة فى علاقته بالجمهور دون أن يقدم تنازلات السوق لا سيما بعد أن طارده توصيفه بأنه مخرج مهرجانات، فكان فيلمه الثالث «الكيت كات» الذى كتب له السيناريو والحوار عن رواية «مالك الحزين» للروائى إبراهيم أصلان فيحطم به كل الإيرادات ويكتسب ثقة النقاد وشباك التذاكر معا، وفى تصورى أن هذا التماس الذى كان يبحث عنه داوود لم يكن مشكلة المخرج الراحل وحده، فرفيق جيله خيرى بشارة – مثلا – ظل هو أيضا موصوما بأنه مخرج مهرجانات فى أفلامه الأولى: العوامة 70 والأقدار الدامية والطوق والإسورة ويوم مر ويوم حلو، إلى أن قدم «كابوريا» سنة 1989 واضعا يده - من وجهة نظره - على الخلطة التى يمكن أن يصل بها إلى الناس، كذلك فعلها شريف عرفة الذى يعتبر على أطراف هذا الجيل حين صادف أفلامه الأولى: الأقزام قادمون، الدرجة الثالثة، سمع هس، عدم إقبال الجمهور عليها قبل أن تتحسن الأمور تدريجيا فى «يا مهلبية يا» ثم كان التصالح الأهم مع شباك التذاكر فى «اللعب مع الكبار» ارتكانا إلى شعبية الزعيم عادل إمام. غير أن عبد السيد لم يدر رأسه النجاح اللافت لفيلم «الكيت كات» بل بقى مقاوما لمقتضيات السوق مكتفيا فقط بسطوة النجم - إذا جاز التعبير - فى اختيارات أبطال أفلامه مثلما حدث فى حالة لوسى وفاتن حمامة وأحمد زكى تحديدا فى أفلام: سارق الفرح وأرض الأحلام وأرض الخوف، ولكن يجب الانتباه إلى أن حتى هؤلاء كانوا مختلفين مع داوود عبد السيد، ليبقى الرجل ليس فقط مجرد مخرج تمكن من أدواته السينمائية، وإنما هو أيضا صاحب فلسفة ووجهة نظر شديدة الخصوصية حتى لو استعصى على الآخرين فهمها فى بعض الأحيان، وأذكر أننى وصفته ذات مرة بالمفكر السينمائي، فعقب على ذلك بروحه الهادئة وتواضعه الجم بأنه فقط يقدم السينما التى يحبها وتعبر عن نفسه.