هى حالة وطنية، جزء عزيز من وجدان هذا الوطن، وإن حاول البعض إنكار ذلك أو التشكيك فيه، عقب هزيمة يونيو 1967، انشغل كثير من المثقفين والكُتاب بالبحث فى أسباب الهزيمة وما وصلنا إليه، وتفتق ذهن بعض اليساريين إلى أن أم كلثوم هى سبب رئيسى، لأنها كانت تقدم أغنيات تأخذ الناس بعيدا عن الواقع، وتمجد نظام الحكم والرئيس عبد الناصر شخصيا، وتحولت بعض الجلسات فى مقهى ريش وغيرها إلى جلسات إدانة لكوكب الشرق، دعنا الآن من رفض جماعة حسن البنا لها، لأسباب معروفة، هم لا يحبون الفن ولا الفنانين، وفى جلسات نجيب محفوظ، يوم الجمعة فى «ريش» ارتفعت الأصوات أمامه بانتقاد «الست»، غضب بشدة، لأنه يحب أم كلثوم وفنها، وصل به الأمر أن سمى إحدى ابنتيه باسمها، حدثنى القاص الراحل سعيد الكفراوى، وكان من رواد ندوة محفوظ كل يوم جمعة، أن الأستاذ نجيب أنهى الندوة مبكرا، وهمَّ بالانصراف ثم ناداه بصوت عالٍ، وقال له: «يا كفراوى.. لا أحب أن يتم الهجوم على أم كلثوم فى حضورى»، وهكذا توقف الهجوم عليها، على الأقل فى جلسات الأستاذ.
وما إن بدأت أم كلثوم مشروعها، غير المسبوق، لدعم المجهود الحربى، وقامت بما لم يقُم به أولئك الذين هاجموها، صمتت الألسن، كان دورها فى مواجهة «النكسة» يفوق أولئك الذين اكتفوا بالولولة والندب ولطم الخدود، باختصار كان فى مصر جناح آخر، راح ينفض الهزيمة ويستعد لتحقيق النصر، بدءًا من الفريق فوزى وعبدالمنعم رياض، وكانت هى فى ذلك الفريق الذى كللت جهودهم بانتصار أكتوبر سنة 1973.
أم كلثوم، التى يرمونها بالبخل والحرص على جمع الأموال، تبرعت للمجهود الحربى فى أصعب أوقات شهدتها مصر، بما يفوق الآن مبلغ 4 مليارات جنيه مصرى، لم يكن الهجوم والتحامل عليها بعد الهزيمة الأول من نوعه، ولا كان الأخير.
فى بداية مشوارها فى القاهرة، تعرضت للعديد من الحملات، كان الهدف هو إزاحتها نهائيا من طريق الفن، لم يكن الأمر مجرد منافسة فنية فقط، بل كان أبعد من ذلك بكثير، كانت ثورة سنة 1919، حررت المصريين وأسقطت الكثير من القيود، خاصة استعلاء المستتركين على أبناء مصر، خاصة أولئك الذين يقطنون الأرياف. كان سعد زغلول نفسه فى نهاية الأمر فلاحًا، وترتب على ذلك تحرير الفن المصرى من التقاليد العثمانية، على يد سيد درويش، وهكذا فإن الحملة على أم كلثوم، كان مقصودًا بها وقف موجة التمصير التى اجتاحت الفن والطرب المصرى.. من الذوق العثمانلى إلى الذوق المصرى - العربى.. وهذا ما يفسر الدعم الهائل الذى لقيته أم كلثوم فى تلك المعركة من بعض رموز ذلك العصر، حتى تربعت بموهبتها وجهدها على عرش الغناء والطرب.. حتى منحها الملك فاروق وسام الكمال سنة 1944، وهو أرفع وسام كانت تناله سيدة وقتها قبل الكثير، مثل أن الوسام كان مقابل امتداحها للملك، وفى ذلك الوقت كان الكل يمتدح الملك فاروق، خاصة بعد حادث 4 فبراير سنة 1942، كان الكل متعاطفًا مع الملك لأسباب وطنية، فلم يقبل العديد أن يهدد السفير البريطانى الملك، ولا أن يقتحم القصر بدباباته وجنوده.
فى تلك الفترة كانت الإذاعة تتبع الحكومة، وكانت كل جمعة تنقل وقائع أداء رئيس الوزراء مصطفى النحاس صلاة الجمعة من أحد المساجد وهتافات المحبين له، وتتجاهل الملك تماما، وهكذا كان الملك ينتهز فرصة احتفال كبير تنقله الإذاعة ويذهب إلى هناك، ويتلقى تحية الجماهير وتنقل الإذاعة ذلك كله، باختصار كانت تلك لعبة الصراع السياسى والإعلامى بين الملك والنحاس باشا، وهكذا لم يكن أمام جلالة الملك سوى حفلة تُحييها أم كلثوم فى النادى الأهلى، ليذهب إلى هناك، وفى لحظة الابتهاج يقرر منحها هذا الوسام الرفيع، وقد أسعد معظم المصريين أن تنال هذا التكريم الملكى سيدة من بنات هذا الشعب، جاءت من أعماق الريف المصرى، لم تكن ابنة بك ولا باشا، ولا وُلدت فى أسرة من الأعيان.
فى فترة الحرب العالمية الثانية أيضا، صارت أم كلثوم حالة مصرية وعربية، صوتها يتردد عبر الأسطوانات بين بغداد ودمشق والقدس وحيفا وبيروت، وتكشف الوثائق البريطانية أنه مع اقتراب روميل من الحدود المصرية وإمكان وصولهم إلى الإسكندرية، وضعت السلطات البريطانية خطة لاختطاف أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، خوفا من أن يصل النازى إليهما، ويرغمهما على أن يذيعا بيانات خاصة بألمانيا النازية، فى تلك الفترة غادر عباس محمود العقاد إلى السودان، خاصة، وأنه كان مطلوباً لدى النازيين، أثر الكتاب الذى أصدره عن هتلر بعنوان «هتلر فى الميزان» وكان يهاجم فيه هتلر بضراوة وأصدره سنة 1941.
أم كلثوم لم تغادر مصر، ظلت فى القاهرة تترنم بالقصائد العاطفية والوطنية أيضا، ولما قامت ثورة يوليو 1952، أراد البعض تصنيفها فى خانة «النظام البائد» لكن رجال العهد الجديد كانوا يدركون قدرها ويعرفون دورها، قائد الجناح عبداللطيف البغدادى نائب رئيس الجمهورية فيما بعد ورئيس الوزراء، دخل الكلية الحربية بتوصية منها، هو نفسه ذكر ذلك فى مذكراته (الجزء الأول)، لقد أشاع البعض أنه تم منع أغنياتها فترة بعد الثورة، لكن بالبحث والتدقيق تبين عدم صحة ذلك الادعاء.. وظلت تغنى وتبدع، قدمت العديد من الأغنيات الوطنية المهمة إلى اليوم.
وبعد وفاتها، لم تتوقف الحملات ولا محاولة تجاهلها والقفز عليها، فى منتصف السبعينيات اتجهت بعض الصفحات الفنية إلى تدشين الفنانة وردة لتكون خلفا لأم كلثوم، خاصة بعد أن لحّن لها بليغ حمدى، كانت وردة مطربة ناجحة ومتميزة، لكن لا تنافس أم كلثوم ولا تقترب من مكانتها، وهى نفسها أقرت بذلك ثم جاء عصر ما أُطلق عليه «الأغنية الشبابية»، وقيل إن أغنيات أم كلثوم طويلة، والعصر يحب الأغنيات السريعة والقصيرة، لكن ما زالت أغنياتها إلى اليوم الأكثر إقبالا من المستمعين.
ومع فشل مشاريع الوحدة العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، توصل الجميع إلى أن الفنون والآداب هى أشد ما يجمع العرب، اختلف العرب بين مشارقة ومغاربة، فقراء وأغنياء.. متقدمين ورجعيين، خلافات كثيرة وعديدة تم اصطناعها أو فرضتها الظروف السياسية والاقتصادية، لكن أم كلثوم ظلت موضع التقاء العرب جميعا وتوحدهم، قيل فى وقت من الأوقات إنه مساء الخميس الأول من كل شهر، حيث كانت حفلتها الشهرية، كان العرب جميعا من المحيط الأطلنطى إلى الخليج العربى يتحلقون حول المذياع لمتابعة أحدث ما تقدمه من أغنيات. لذا نالت التكريم من ملك المغرب، ورئيس تونس الحبيب بورقيبة، وصولا إلى الشيخ زايد بن سلطان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، فى كل بلد عربى احتفاء وحبّ وتكريم، ثم جاء التكريم من خارج المنطقة العربية من الرئيس الفرنسى شارل ديجول.. ذلك هو قدر الفن والإبداع.
الحق أن أم كلثوم لم تكن مجرد موهبة متميزة، يمكن أن تكون هناك موهبة كبيرة، لكن المهم هو الحفاظ على الموهبة وعدم تبديدها فى العبث والهراء، هى حافظت على الموهبة وقامت بتطوير ذاتها وبناء نفسها، متجددة باستمرار، مَن يراجع البدايات ويتأمل ما آلت إليه، لا بد أن ينحنى لهذا الوعى وذلك النجاح الكبير.
وهى طوال ذلك، لم تنسَ أنها جزء من هذا الوطن، عليها دور تجاهه، لم تكن أنانية، ولا شعرت باستعلاء على أبناء هذا الوطن، لم تعطِ ظهرها لبلدها فى أى لحظة أو موقف صعب.
ومع كل ذلك، فلا نقول إن أحدًا له قداسة أو عصمة، فلا يوجد إنسان منزّه عن الخطأ أو القصور، وكما تقول الحكمة الكمال لله وحده، نعرف جميعا أن مقولة الصوفية عن الإنسان الكامل محض خيال.
فارق كبير بين البحث عن سلبية هنا أو خطأ هناك وفبركة وقائع ودسّ مواقف لم تحدث ولا يذكر لنا أحد المصدر الذى اعتمد عليه فى ذلك.
فى بداياتها الأولى ألبسها والدها زى الأولاد، كانت محاولة لإنكار هويتها أو التحايل لتقديمها إلى الجمهور، تحايل على عادات شعبية وهروب من أقاويل سخيفة، لكن ذلك الصبى الذى حاولوا أن يضعوها فى قالبه، ما لبث أن أعلن عن هويته «الآنسة أم كلثوم» ومنحها المصريون لقب الست بألف لام التعريف، وكانت تعتز بهذا اللقب، تمسكًا بهويتها وثقة بنفسها وبدورها.
وقد قررت أم كلثوم منذ بداية رحلتها الفنية، أن تكون حياتها الخاصة بعيدًا عن الأضواء، ما يهمّ الجمهور هو فنها فقط، وليس حياتها الشخصية، هناك آخرون يقومون بالعكس، حكايات محمد عبدالوهاب مع الإنفلونزا والبرد معروفة للجميع، وكذلك أمور أخرى عديدة فى حياته، عبدالحليم حافظ نفس الشيء، الجميع كانوا يعرفون تفاصيل حالته الصحية وحياته الخاصة، واتهم أنه يجتذب عطف الناس بالحديث عن مرضه، ولم يكن ذلك صحيحًا.. أم كلثوم كانت غير ذلك، كانت تعانى من آلام الكلى، ولم تخبر أحدًا وعانت من الغدة الدرقية ولم تتحدث فى الأمر، لكن الرأى العام يتساءل كثيرًا عن حياتها وأمورها الخاصة، لذا راجت حكايات فى مجالس النميمة، بعضها استنتاجات تمس أصحابها وبعضها تعبر عن أحقاد وكراهية.. وبعضها كان من باب التندر، مثل قصيدة أحمد فؤاد نجم عن «كلب الست» كتبها الفاجومى من باب الحب والتقدير لهذه الفنانة العظيمة.
لكن حكايات النميمة تظل فى موضعها وحجمها دائمًا، لا تكون أساسًا لكتابة وبناء سيرة ذاتية ولا تقديم عمل أدبى أو فنى.
والآن نحن بإزاء حالة من الاستسلام لدى البعض لمجالس النميمة وما تردد من قبل لاغتيال اسمها ومكانتها، وهذا يحدث مع الكثيرين، حدث مع محمد عبدالوهاب، وفى الأدب مع طه حسين، ومع نجيب محفوظ، وفى الشعر مع أحمد شوقى وحافظ إبراهيم، وآخرين كثر، هذا كله مفهوم ومعروف، ربما منافسات وصراعات أبناء المجال الواحد، على طريقة «عدوك ابن كارك».. وفى ذلك هى تعرضت للكثير وللكثير. وهذا ما يحلو للبعض تكراره، ربما تصور أنه من باب التميز ومعرفة الخبايا، يرددون تلك النمائم دون أن ينتبهوا إلى ما فيها من تناقض، مثل أنها كانت جشعة للمال وبخيلة، لكنها هى نفسها تتبرع لصحفى كبير بعدة آلاف ليؤسس مجلة أسبوعية، فى الثلاثينيات، وهى نفسها تتبرع للمجهود الحربى بما يساوى مليارات الجنيهات الآن. إنها لم تتبرع للمجهود الحربى فى مصر فقط، سبق وأن تبرعت لمدينة أغادير المغربية بحفلة كاملة، حين تعرضت هذه المدينة لزلزال مدمر مطلع الستينيات.
لا يحاول ملوك النميمة أو من يأخذون بها فكّ ذلك التناقض أو تقديم تفسير له.
الأخطر من أحاديث وحكايات النميمة أن هناك موجة نراها منتشرة بين البعض، يمكن أن نسميها موجة إنكار التاريخ.
محاولة إنكار التاريخ بالتشكيك فيه كلية والطعن فى أساسه، الهدف هنا هو أن نفقد الذاكرة الوطنية والوعى الجمعى، أن نصحو ذات يوم فلا يكون هناك نجيب محفوظ ولا طه حسين ولا أم كلثوم ولا أى رمز على مستوى التاريخ المعاصر، ليس فقط التاريخ السياسى، بل التاريخ الاجتماعى والثقافى والإنسانى، وهذا هو أخطر من أى مؤامرة. إذا كان تقديس التاريخ ورموزه خطأ علميًا، فإن إنكار التاريخ جريمة متكاملة الأركان.

