رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اللواء د. سمير فرج: الإنذارات المصرية فلسفة حماية الأمن القومى


25-12-2025 | 17:28

.

طباعة
حوار: أحمد جمعة

ما لبث العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة أن يضع أوزاه بعض الشيء، إلا وتصدرت الحرب فى السودان المشهد من جديد بعد جرائم ومجازر ارتكبها عناصر الدعم السريع وسط محاولات لفرض الأمر الواقع، ليعود مصطلح «الخطوط الحمراء» المصرية ليتصدر العقيدة الاستراتيجية للدولة المصرية بوصفه أداة ردع وحماية للأمن القومى.

من السودان جنوبًا، إلى ليبيا غربًا، مرورًا بالقضية الفلسطينية وأمن الخليج والمياه، تفرض القاهرة معادلتها الواضحة «لا مساس بثوابت الأمن القومى المصرى».

فى الحوار التالى، يشرح اللواء د. سمير فرج، المفكر الاستراتيجى، فلسفة الخطوط الحمراء المصرية، ودلالاتها العسكرية والسياسية، وكيف نجحت الدولة المصرية خلال العقد الأخير فى ترسيخ اتزان استراتيجى مكنها من فرض إرادتها دون الانزلاق إلى صدام مفتوح، فى إقليم لا يعترف إلا بلغة «القوة والردع».. فإلى نص الحوار:

 

 

خلال زيارة الفريق البرهان إلى القاهرة، حددت مصر بوضوح الخطوط الحمراء فى التعامل مع الأزمة السودانية.. كيف تقرؤون دلالاته الاستراتيجية؟

البيان الرئاسى كان واضحًا وحاسمًا، وحدد ركائز أساسية تحكم الموقف المصرى، وعلى رأسها الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السودانى، إضافة لعدم السماح بانفصال أى جزء من أراضى السودان، والرفض القاطع لإنشاء أى كيانات موازية أو الاعتراف بها باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه، مع تأكيد الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بهذه المؤسسات.

بالتأكيد هذه المحددات المصرية تُقرأ من 5 ركائز، أولها أن السودان يُمثل العمق الاستراتيجى المباشر لمصر؛ فالجغرافيا لا تنفصل، وأى اضطراب فى السودان ينعكس فورًا على الأمن المصرى، والثانية أن نهر النيل الرابط بين البلدين، وهو شريان الحياة لمصر والسودان معًا، ومن ثم فإن أمنه وعدم السماح بأى تهديد له مسألة وجودية، والثالثة أن مصر ترفض بشكل قاطع أى محاولات لتقسيم السودان أو تفكيك مؤسساته أو أن تكون هناك جبهتان واحدة شمالا وأخرى جنوبا، وتتمسك بوحدة الدولة السودانية أرضًا وشعبًا.

والركيزة الرابعة هى الدعوة المصرية لضرورة الوقف الفورى لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب السودانى، وخامساً الإشارة إلى وجود إطار للتنسيق والدفاع المشترك، وهو خيار لا تسعى مصر لتفعيله، لكنه يظل قائمًا إذا فُرضت تهديدات مباشرة على الأمن القومى.

فى هذا السياق، كيف تقيم الجهود المصرية لاحتواء الأزمة، فى ظل ما يُوصف بحرب الوكالة الدائرة على الأراضى السودانية؟

الجهود المصرية فى التعامل مع الأزمة السودانية واضحة ومعلنة، وتعكس تحركًا نشطًا على المستويين السياسى والدبلوماسى، سواء من خلال استقبال رئيس مجلس السيادة السودانى الفريق أول عبدالفتاح البرهان، أو عبر الاتصالات والتحركات المستمرة لوزارة الخارجية المصرية مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة.

وبالتأكيد فهذه الجهود تستند إلى إدراك مصرى عميق لخطورة ما يجرى فى السودان وانعكاساته المباشرة على الأمن القومى المصرى والإقليمى، وبالتالى تبذل القاهرة أقصى ما لديها للحفاظ على وحدة الدولة السودانية، ومنع انزلاقها إلى سيناريوهات التفكك أو الفوضى الممتدة، وتعمل على الدفع باتجاه حلول سياسية تُنهى الصراع المسلح، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتخفف من معاناة الشعب السودانى، فى إطار رؤية واضحة تقوم على أن استقرار السودان هو جزء لا يتجزأ من استقرار مصر والمنطقة بأكملها.

هذه ليست المرة الأولى التى تعلن فيها مصر خطوطًا حمراء لحماية أمنها القومى.. سبق ذلك فى ليبيا، وفى ملف التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، ولحماية الأمن المائى.. كيف تصفون فلسفة الخطوط الحمراء فى السياسة المصرية؟

عندما تعلن مصر خطًا أحمر، فهى تعلن موقفًا غير قابل للتراجع، والرسالة الأساسية أن هناك أفعالًا لن يُسمح بها تحت أى ظرف، والتجربة أثبتت ذلك فى ليبيا، عندما أعلنت مصر أن سرت – الجفرة خط أحمر، ورافقت التصريحات استعدادات عسكرية حقيقية على الأرض حيث استعدت الفرقة 33 فى المنطقة الغربية وكل العناصر المسلحة كانت موجودة، وهو ما حال دون تجاوز هذا الخط، ومن ثم فالأمر الواضح أن «الخط الأحمر المصرى» ليس تهديدًا لفظيًا، بل تعبير عن إرادة وقدرة على التنفيذ.

هل يمكن توصيف ذلك بأنه «ردع استباقى»؟

هو ردع عام وليس استباقيًا.. مصر تقول بوضوح إنها لن تصمت على تجاوز هذه الخطوط، وإذا لم يتم الالتزام، فهناك أدوات وإجراءات أخرى متاحة.. هذه هى فلسفة الردع «منع الخطر قبل وقوعه عبر الوضوح والحسم»، من خلال وضوح الموقف، وجدية الرسالة، وإدراك الأطراف الأخرى أن هذا الوضوح يستند إلى قدرة حقيقية على التنفيذ، ما يجعل تجاوز الخطوط الحمراء خيارًا مكلفًا وغير محسوب العواقب بالنسبة للقوى الأخرى، وهو ما يحول دون اختبار هذه الخطوط ويقلل احتمالات الانزلاق إلى صدام مفتوح.

ما الرسالة التى توجهها مصر لمن يختبر خطوطها الحمراء؟

الرسالة بسيطة وواضحة: مصر عندما تعلن خطًا أحمر، فإنها تلتزم به.. حدث ذلك فى ملف التهجير، وحدث فى ليبيا، وتم الالتزام الكامل بهذه الخطوط رغم الضغوط الدولية.. من يختبر هذه الخطوط عليه أن يدرك أن مصر تعرف ما تقول، وتملك القدرة على تنفيذ ما تعلن عنه.. والرئيس عبدالفتاح السيسى عندما يعلن موقفًا، فإنه موقف مدروس وقابل للتنفيذ، ومن المؤكد أن مواقف الرئيس السيسى لا تُطلق كرسائل سياسية عابرة، بل تصدر بعد حسابات دقيقة، وتُعبر عن قرارات قابلة للتنفيذ، ما يمنح السياسة المصرية مصداقيتها ويجعل خطوطها الحمراء ركيزة ثابتة فى معادلة الردع الإقليمى.

ما تداعيات انهيار الدولة السودانية أو تفكيك مؤسساتها على الأمن القومى المصرى؟

الأمن القومى السودانى امتداد مباشر لا ينفصل عن الأمن القومى المصرى، فى ظل روابط تاريخية وجغرافية عميقة صنعتها وحدة المصير قبل وحدة الحدود، فنحن نتحدث عن تاريخ مشترك، وجغرافيا واحدة، ونهر يوحد الشعبين، وقبل عام 1952 كانت مصر والسودان دولة واحدة، وهذه الحقيقة التاريخية تعكس عمق الترابط، ومن ثم، فإن أى حالة فوضى أو تفكك أو انهيار لمؤسسات الدولة السودانية لا يمكن النظر إليها باعتبارها شأنًا داخليًا معزولًا، بل ستنعكس بالضرورة وبشكل مباشر على مصر، وهو ما يضع استقرار السودان فى صميم معادلة الأمن القومى المصرى.

إذا ما استمرت الحرب دون تسوية سياسية، ما أخطر السيناريوهات المحتملة؟

هناك سيناريوهات متعددة للتعامل مع تطورات الأوضاع، لكن بطبيعة الحال ليست كل هذه السيناريوهات مطروحة للنقاش العلنى التزامًا باعتبارات الأمن القومى وحساسية المرحلة.. ما يمكن تأكيده أن الدولة المصرية تدرس كل الاحتمالات، ولديها تقديرات موقف واضحة للتصرف فى الوقت المناسب، ويعكس هذا النهج حرصًا على الجاهزية الكاملة، بما يضمن القدرة على التحرك فى التوقيت المناسب، وفقًا لما تفرضه تطورات المشهد، وبما يحفظ مصالح الدولة العليا ويحول دون فرض سيناريوهات غير محسوبة على الأمن القومى المصرى.

أخيرًا.. كيف تقيّم مبدأ الاتزان الاستراتيجى فى السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات العشر الأخيرة؟

السياسة الخارجية المصرية اليوم تتسم بالاتزان وعدم الانحياز لمحور واحد.. فلدينا علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والاتحاد الأوروبى، وهذا التوازن منح مصر مكانة خاصة على الساحة الدولية، يكفى أن نشير إلى أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب اختار شرم الشيخ لاستضافة مؤتمر سلام بشأن غزة، وهو ما يعكس حجم الثقة الدولية فى الدور المصرى وقدرته على لعب أدوار محورية فى الإقليم.

كما أسهمت هذه السياسة فى تأكيد مصر لمكانتها الدولية، وتعزيز قدرتها على الدفاع عن مصالحها الوطنية دون الدخول فى صدامات غير محسوبة، ولعب الرئيس السيسى دورًا محوريًا فى إعادة صياغة السياسة الخارجية المصرية على أسس من الاتزان والواقعية الاستراتيجية، بما عزز من ثقل الدولة المصرية وجعلها رقمًا صعبًا فى معادلات الإقليم المضطرب.

الاكثر قراءة