تنفرد المتاحف المصرية بين كل متاحف الدنيا بأنها تحمل صفة (المتاحف الطاهرة)، حيث لا يحتوى أى متحف مصرى على أى قطعة آثار مسروقة من أى مكان آخر، فكل الآثار المعروضة فى متاحفنا تعبر عن التاريخ المصرى بكل حقبه ومراحله وأحداثه، بداية من حضارة مصر القديمة بكل أسراتها وملوكها ومكانتها، إلى العصر الإسلامى بكل مراحله.
أما المتاحف الأخرى وخاصة متاحف الغرب، فغالبيتها العظمى على خصام مع صفة (الطهارة)، حيث تقوم معروضات تلك المتاحف على سرقة آثار الحضارات الأخرى، خاصة الحضارة المصرية بكل مراحلها وتجلياتها، وخاصة حقبة الحضارة المصرية القديمة.
وقبل أن نفنّد بعض عمليات سرقة الآثار المصرية، نؤكد على أن القوانين المصرية كانت تسمح باقتسام الآثار مع البعثات التى تقوم بعمل الحفائر واكتشاف تلك الآثار، حيث صدر فى عام 1874 قانون ينص على اقتسام الآثار المكتشفة: 50 فى المائة لمصلحة الآثار المصرية، و50فى المائة للبعثة التى اكتشفت تلك الآثار. والأسوأ من هذا أن الغرب كان حريصًا على احتكار (علم المصريات) والعمل على إبعاد المصريين عن هذا العلم، حتى يستمر هؤلاء العلماء الغربيون فى نهب تلك الآثار والحصول على أفضل القطع المكتشفة، وتم إلغاء قانون قسمة الآثار فى عام 1951 بعد أن نجح بعض المصريين فى التمكن من علم المصريات وفى مقدمتهم الرائدان: د. أحمد كمال باشا، ود. سليم حسن.
ورغم إلغاء قانون اقتسام الآثار المكتشفة، إلا أن تجارة الآثار ظلت تجارة مشروعة حتى صدر قانون بتجريمها فى عام 1983. ونتيجة لكل هذا يؤكد علماء الآثار أن عدد قطع الآثار المصرية التى تم سرقتها وتهريبها للخارج يتعدى رقم المليون قطعة أثرية، يتم عرضها فى أربعين متحفًا موجودة فى كل دول الغرب تقريبًا، وقد نجحت مصر فى استعادة ثلاثين ألف قطعة فقط من تلك القطع المسروقة.
ورغم أن القانون كان يسمح باقتسام القطع الأثرية المكتشفة، إلا أن الكثيرين من العلماء الغربيين الذين قاموا بالحفريات فى ربوع مصر قد مارسوا الكثير من وسائل الغش والاحتيال لسرقة القطع الأثرية الأكثر ندرة وأهمية، ويتضح ذلك فى عملية سرقة (رأس نفرتيتي)، تلك القصة النادرة والمتفردة والمعروضة منذ سنوات طويلة فى متحف برلين، وتمثل أهم أسباب الجاذبية والإقبال من مئات الآلاف من كل دول العالم لزيارة هذا المتحف.
وقد تم اكتشاف تلك القطعة النادرة عام 1912 فى منطقة تل العمارنة الواقعة فى زمام محافظة المنيا الآن، وهى المنطقة التى شهدت مولد ديانة التوحيد على يد الملك إخناتون، وقام بالكشف عن هذه القطعة النادرة بعثة ألمانية يقودها العالم لودفيج بورشارت. وأدرك الرجل أنه أمام قطعة نادرة تمثل قمة الفن المصرى القديم، فقرر أن يحتال على مندوب مصلحة الآثار المصرية. ومن الواضح أنه كان قليل الخبرة والعلم، حيث أخبره لودفيج أن رأس نفرتيتى مصنوع من الجبس، والحقيقة أن تلك الرأس مصنوعة من الحجر الجيرى، والآثار المصنوعة من ذلك الحجر ممنوع خروجها من مصر، ولكن مندوب مصلحة الآثار المصرية وافق على ما قاله العالم الألمانى ووقع على محضر اقتسام القطع المكتشفة، ووصل هذا المحضر إلى مدير مصلحة الآثار فى ذلك الوقت (جاستون ماسبيرو)، الذى وقع هو الآخر على المحضر كإجراء روتيني. وسارع لودفيج بإرسال رأس نفرتيتى إلى ألمانيا، وتم تسليمها إلى تاجر خيول يهودى كان يمول حفريات لودفيج بورشارت، لتتحول هذه القطعة النادرة إلى أهم قطع الآثار المعروضة فى متحف برلين.
وعندما زرت ألمانيا قبل عشرين عامًا لحضور فعاليات معرض الإكسبو فى مدينة هانوفر، علمت بوجود متحف كامل للآثار المصرية فى مدينة صغيرة اسمها هيلدزهايم، لا تبعد كثيرًا عن مدينة هانوفر، فذهبت إلى ذلك المتحف لأكتشف تضافر السرقة مع التزوير، فالمتحف كبير، خمسة أدوار، وكل معروضاته تقريبًا من الآثار المصرية، إلا بضع القطع القليلة جدًا مكتوب عليها إنها من الآثار اليهودية، واسم المتحف (متحف الآثار المصرية واليهودية)، وسألت مديرة المتحف عن هذا الخلط غير المقبول فقالت ومعها كل الحق: إنها ليست صاحبة قرار، ولكنها فقط تدير الكيان الموجود. ولم يكن لديها إجابة أيضًا عن كيفية وصول كل هذه القطع المصرية إلى هذا المتحف وهل كان ذلك بشكل شرعى أم عن طريق السرقة؟
أما فى فرنسا، فإن أى مصرى لا بد وأن يشعر بالفخر والسعادة عندما يرى المسلة المصرية العملاقة تقف شامخةً فى قلب ميدان الكونكورد فى بداية أهم شوارع باريس، شارع الشانزليزيه. فالميدان واسع ورائع، يليق بهذه المسلة العملاقة التى جعلها الفرنسيون تقف شامخة أمام النصب التذكارى الفرنسى الذى يقع فى نهاية شارع الشانزليزيه، وكأنها المعادل الموضوعى لرمزهم الوطنى.
وإذا ما ترك المصرى ميدان الكونكورد بمسلته الشامخة وذهب إلى متحف اللوفر، أحد أهم متاحف العالم إن لم يكن أهمها، فلا بد وأن يُصاب بالحزن عندما يدخل إلى الجناح المصرى العملاق الموجود فى ذلك المتحف. فالسؤال البديهى الذى يتبادر إلى الذهن هو: كيف وصلت كل هذه الآثار المهمة والنادرة إلى فرنسا؟ والجناح المصرى فى متحف اللوفر هو الأكثر ازدحامًا والأكثر ارتيادًا من رواد المتحف، فرغم أن المتحف يحتوى على جناح فارسى كبير أيضًا، ورغم أنه يحتوى على جناح خاص للوحة ليوناردو دافنشى (الموناليزا)، إلا أن الإقبال على الجناح المصرى أضعاف أضعاف الإقبال على أى جناح آخر.
وبالطبع فإن الآثار المصرية تحتل صدارة متحف لندن، حيث نجح الإنجليز طوال مدة احتلالهم لمصر، والتى تعدت السبعين عامًا، فى سرقة الكثير من الآثار المهمة والنادرة ووضعها فى متحفهم القومى لتكون أكبر عناصر الجذب.
ونفس الشيء موجود فى متحف المتروبول فى نيويورك وفى الكثير من متاحف إيطاليا وتركيا وغيرهما من دول أوروبا، كما تقف المسلات المصرية شامخة فى ميادين فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وأمريكا وتركيا.
وبعد هذا السرد السريع عن رحلة الآثار المصرية المسروقة، والتى يؤكد علماء الآثار بأنها تزيد على المليون قطعة، نصل إلى السؤال الأهم وهو: هل يمكن إعادة تلك الآثار إلى حضن الوطن؟ وإذا لم نستطع إعادتها، هل من الممكن الإفادة منها حتى وهى مسروقة؟
والإجابة عن هذا السؤال المركّب تؤكد أنه من الممكن إعادة الكثير من تلك الآثار المسروقة، بل إن بعض الدول قد بادرت بعد افتتاح المتحف المصرى الكبير، وهو المتحف الأكبر فى كل العالم، إلى الإعادة الطوعية لبعض القطع الأثرية المسروقة. والأمر يحتاج إلى تشكيل لجنة رفيعة المستوى من علماء الآثار وأساتذة القانون الدولى. ومن السهل على هذه اللجنة الحصول على محتويات المتاحف الأربعين التى تحوى الآثار المصرية المسروقة، ثم الشكوى أمام المؤسسات الدولية المعنية وعلى رأسها منظمة اليونسكو لإعادة تلك القطع المسروقة بعد تقديم وثائق خروجها من مصر بطرق غير مشروعة.
ومن المؤكد أننا لن نستطيع إعادة كل الآثار المسروقة، لننتقل إلى المستوى الآخر، فالعالم كل العالم يدافع منذ عدة سنوات عن حق (الملكية الفكرية)، ومن البديهى أن مصر، ومصر وحدها، هى التى تمتلك حق الملكية الفكرية لتلك الآثار المسروقة، مما يجعلها شريكًا فى كل الموارد التى تحصل عليها المتاحف التى تعرض الآثار المصرية. وإذا حسبنا هذا الحق بأثر رجعى فإننا نستطيع أن نحصل على مليارات الدولارات، هى حق أصيل لمصر.
وهذا الأمر بسيط وفى متناول أساتذة القانون الذين يجب دعمهم من كل مؤسسات الدولة السياسية والثقافية والدبلوماسية، لنضع هذه المتاحف أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما إعادة تلك الآثار المسروقة إلى حضن الوطن، وإما مشاركتهم فى الإفادة من العوائد الضخمة التى يحصلون عليها نتيجة الإقبال الجماهيرى الرهيب لرؤية الآثار المصرية.