منذ نشأة جماعة الإخوان عام 1928 وتحت قيادة حسن البنا، لم تكف الجماعة عن ممارسة رذيلة التجسس على الآخرين، مع قدرة عجيبة على تبرير تلك الفعلة المحرمة شرعاً والمنبوذة مجتمعياً، فبشهادة أحمد عادل كمال «أحد قادة النظام الخاص» يذكر فى كتابه «النقطة فوق الحرف» أنّ الجماعة كانت ترصد تحركات الخصوم السياسيين لحماية الدعوة، ومحمود الصباغ «عضو النظام الخاص» فى كتابه «حقيقة النظام الخاص» يؤكد وجود «متابعة دقيقة» لأشخاص ومنظمات ترى الجماعة أنهم يمثلون تهديدًا لها.
كما تشهد التحقيقات فى قضايا التخابر الأخيرة والمتهم فيها عدد كبير من قيادات الإخوان من الصف الأول والصف الثانى إلى أن فكرة التجسس متغلغلة فى عقيدة الجماعة بتبريرات مختلفة ومتعددة، هذه الحقائق تؤكد أننا نتعامل مع جماعة خطر على الأمن القومى، وليس مجرد تنظيم سياسى معارض.
ولكى نفهم كيف أصبحت «الجاسوسية» فضيلة عند الإخوان يتقربون بها إلى الله، نبدأ من عند حسن البنا الداعية الذى تجسس بالفعل على أتباعه، وتجسس على الأحزاب المختلفة، وتجسس على بعض رموز الدولة فى العهد الملكى، وتجسس حتى على حلفائه ومناصريه من أصحاب الفكرة الإسلامية.
ففى الإسماعيلية وبعدما اشتدت الخلافات بينه وبين الكثير من أهلها وبعض من أعضاء جماعته، قرر الانتقال إلى القاهرة، وظهرت معضلة من يخلفه فى قيادة الجماعة والجمعية فى الإسماعيلية، وكانت الآراء كلها تسير نحو شيخ أزهرى ذى علم ودين شهد له الجميع بحسن أدبه وعلمه، لكن حسن البنا لم يكن يرغب فى شيخ يزاحمه الثقافة الدينية بعلم أعلم منه، أو يتمتع بوجاهة اجتماعية أرقى منه، بل يريد رجلاً يسمع له ويطيع، فاختار رجلاً طيبا وخلوقاً لكنه كان ضعيف العلم.
واشتدت معارضة بعض أعضاء الإخوان لحسن البنا، وكان من رأى هؤلاء الأعضاء أنّ الأمر شورى، وأنّهم وحدهم من يختارون من يرأسهم، وهم قد اختاروا الأعلم، شعر حسن البنا بالخطر لو أنهم فرضوا عليه الشيخ العالم، فقرر أن يتلصص عليهم ليعلم ماذا يقولون وماذا يدبرون، ولنقرأ ما كتبه حسن البنا بنفسه عن هذه اللحظة فى مذكرات «الدعوة والداعية»، يقول: «قد أرِقت ليلة فخرجت لصلاة الفجر بالمسجد العباسى قبل الوقت بنحو ساعة أو أكثر، ومررت فى الطريق على بيت أحدهم فإذا هو مضاء ونوافذه مفتحة وهناك أصوات فى نقاش استرعت انتباهى، فإذا الشيخ جالس وهم حوله، وهو يرسم لهم طرائق الكيد والخصام».
بعيدا عن صدق أو كذب ادعائه أنه قد أَرِق وأن الوقت كان قبيل الفجر بساعة وأن الطريق يمر ببيت أحدهم، إنما من الصعب أن نصدق أنّ النوافذ كانت مفتوحة وأنه تمكن من سماع الحوار كاملاً بل ومشاهدة الجالسين بالترتيب الذى وصفه دون أن يراه أحد! إلا إذا كان يتخفى ويتجسس عليهم عمداً، العجيب أنّ أتباع حسن البنا يرددون هذه الحكاية بكل فخر دون أن يهتز لهم جفن بأنّ مرشدهم كان يتجسس على أتباعه ولا يخجل من أن يعترف بذلك.
قد يبرر الإخوان لحسن البنا أن تجسسه لم يكن مقصوداً فى ذاته، لكن إذا ضممنا تلك الواقعة إلى ما أورده محمود عساف رئيس قسم المعلومات الذى أنشأه حسن البنا فى كتابه «مع الإمام الشهيد حسن البنا» صفحة 18، نرى أنّ البنا كان يستخدم جواسيس فى أكثر الأماكن حساسية، وأنّ «عساف» اكتشف ذلك عندما رفع أحد البحارة العاملين على يخت الملك فاروق تقريراً لحسن البنا كتب فيه تقاصيل رحلة الملك، وأسماء الموجودين على ظهر اليخت، وأين ذهبوا ومع من تقابلوا.
التجسس بـ «خمس جنيهات»
لم يقف نشاط التجسس عند البنا على أتباعه أو الملك، بل وصل إلى الأحزاب، يقول عساف أيضاً: «عندما اشتدت الشيوعية فى مصر، دَفَعنا هذا إلى زرع أحد الإخوان داخل صفوف الحزب الشيوعى وكان يتقاضى خمسة جنيهات شهرياً مقابل إمداد الإخوان بأخبار الشيوعيين وذلك عام 1946.
ومن المتواتر عند الإخوان حكايات الحاج فرج النجار الذى زرعه حسن البنا فى الحزب الشيوعى إلى أن وصل إلى منصب مهم فى فرع الحزب بالغربية، وأنّه كان ينقل لهم أخبار الحزب، وقراراته ومواقفه السياسية من الحكومة ومواعيد المظاهرات. وبعد هزيمة الجماعة الإرهابية أمام إرادة الشعب المصرى، وانحياز مؤسسات الدولة إلى خيارات المواطنين، اختار تنظيم الإخوان طريق الانتقام من الدولة ومن الشعب معًا، لم يقتصر انتقامهم على العمليات الإرهابية أو بثّ الشائعات أو محاولة خلق أزمات اقتصادية، بل انحدروا إلى أدنى مستويات الانحطاط السياسى والأخلاقى.
ولقد تورّطت الجماعة فى التخابر مع دول وجهات معادية لمصر، وتعاونت معها وتقاضت مقابل هذا التعاون أموالًا ودعمًا، نقلوا معلومات حسّاسة تتعلق بالأمن الوطنى إلى أطراف خارجية استغلتها وسيلة للضغط على الدولة المصرية، ولإضعاف قدراتها السياسية، وتهديد سلامها الاجتماعى.
وتحت تبريرات واهية بأن ما يفعلونه هو «لصالح الإخوان»، نشأت عناصر الجماعة على عقيدة منحرفة مفادها أن التنظيم يأتى أولاً قبل أى شيء: قبل الوطن، قبل المجتمع، قبل الأسرة، وقبل أى قيمة أخلاقية أو إنسانية. فالجماعة – فى تصورهم – تعلو ولا يعلو عليها شيء.
وبسبب هذا المنهج التربوى المغلق، كان من السهل على أفراد التنظيم أن يتخابروا ويتجسّسوا على الدولة والوطن لصالح الآخرين، فمادام الولاء المطلق للجماعة هو المقدَّم، تصبح كل خيانة للوطن مباحة، وكل تجاوز مبرَّرا، طالما يصبّ فى مصلحة التنظيم.
وهذا ليس ادعاء ولكنه الحقيقة التى خرجت من التحقيقات فى قضايا التخابر التى وقعت فى الفترة من 2014 إلى 2020، مثل القضية رقم 10145 لسنة 2014 باعتبارها قضية جنائية تتعلق بتجسس/تخابر مع دولة أجنبية، وكذلك القضية رقم 3690 لسنة 2014 (نيابة جنوب الجيزة) و «315 لسنة 2014 (نيابة أمن الدولة)» والقضية رقم «39 لسنة 2014 (نيابة – أمن الدولة)» هذه القضايا اُتهم فيها محمد مرسى، ونحو 35 آخرين من قيادات الإخوان على رأسهم محمد بديع، خيرت الشاطر، محمود عزت، سعد الكتاتنى، وغيرهم، إضافة للقضية رقم 955 لسنة 2017 (أمن دولة)، والتى تعرف إعلاميًا بـ «قضية التخابر الكبرى» وتتضمن الاتهامات التجسس لصالح دولة أجنبية والتخابر مع جهات ومنظمات أجنبية، وإفشاء أسرار الأمن القومى.
إن رحلة الجاسوسية داخل جماعة الإخوان، التى بدأت بالتلصّص والتنصت من تحت نافذة فى الإسماعيلية، وانتهت بإفشاء أسرار الدولة والتعاون مع جهات أجنبية لنقل المعلومات، تؤكد أن خطورة هذه الجماعة على الدولة والمجتمع أكبر بكثير مما يُتوقَّع. فهذه جماعة تشكّل خطرًا حقيقيًا على الدولة لأنها تمسّ جوهر الأمن القومى المصرى.
فالجاسوسية داخل جماعة الإخوان لم تكن يومًا تصرّفًا فرديًا، بل ممارسة راسخة وإرثًا من خطايا الجماعة؛ إرثٌ لا تستطيع الهروب منه مهما حاولت تبريره أو تغليفه بالشعارات الدينية. وسيظل هذا السلوك وصمة عار تلاحقهم، كاشفًا حقيقة دورهم المخادع الذى يختبئ وراء ستار العمل الخيرى والدعوى والالتزام الدينى.
إن أخطر ما تقوم به الجماعة هو العبث بالقيم الأخلاقية والثوابت الاجتماعية؛ فإضفاء الشرعية الدينية على التجسّس والقتل والكذب يمثل عدوانًا مباشرًا على الضمير الجمعى، ويدفع المجتمع إلى اختلال المعايير، وتشويش المفاهيم، وإرباك الوعى العام، وإضعاف الثقة فى القيم الأخلاقية الراسخة.