رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. محمود علوان.. عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية: احذروا المؤامرة على الهوية المصرية


5-12-2025 | 08:31

الدكتور مهندس محمود علوان.. شيخ الطريقة الخلوتية العلوانية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية

طباعة
حوار: صلاح البيلى - عدسة: إبراهيم بشير

لماذا يكرر بعض المتشددين الهجوم على الحضارة المصرية القديمة؟ ولماذا تنهض تلك الدعوات كلما أنجزت مصر المعاصرة منجزًا عظيمًا مثل المتحف المصرى الكبير؟.. السؤالان السابقان وغيرهما الكثير واجهنا بها الدكتور مهندس محمود علوان، شيخ الطريقة الخلوتية العلوانية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، والذى كان واضحًا فى تقديم ما يستحق أن يوصف بـ«الإجابة النموذجية».

«د. علوان»، كشف لـ«المصوّر» الهدف البعيد لتلك الحملات، ألا وهو «الصفرية الحضارية»، وتجريد مصر من قوتها الناعمة، ونكران وجود أية حضارات نشأت على أرض مصر، وأكد لنا أن مصر أرض التوحيد من آلاف السنين، والمدّ الروحى لم ينقطع يومًا عنها، ونور النبوة تواصل على أرضها من إدريس وإبراهيم إلى موسى وهارون ويوسف ومريم وعيسى، وختاما بآل بيت النبى محمد وإلى نص الحوار:

 

 

لماذا تتعرض حضارتنا المصرية القديمة للهجوم باستمرار من المتشددين؟

الهجوم المتشدد والمتكرر على الحضارة المصرية القديمة، ووصفها بالكفر المطلق يأتى تحت شعار «الصفرية الحضارية»، وليس مجرد جدال فقهى سطحى، بل هو حرب استراتيجية استباقية ممنهجة، لا تهدف فقط إلى تدمير الذاكرة القومية، بل تستهدف تقويض الثقل الجيوسياسى للدولة المصرية عبر تجفيف مصادر قوتها الناعمة والاقتصادية، هذا الموقف ينهار منطقيًا، وروحيًا، وشرعيًا، واقتصاديًا، أمام المنهج السليم، وإجماع المؤسسات الدينية، والضرورة الجيوسياسية لحفظ الهوية، فمصر مهد الرسالات السماوية، وعقدة معرفية وحضارية لا غنى عنها للاستقرار العالمى والإقليمى، وبقاء مصر هوية حضارية متراكمة ضرورة عالمية وإنسانية.

وكيف نرد على الأصوات الشاذة الحاقدة على الحضارة المصرية القديمة كلما أنجزنا صرحا حضاريا جديدا، وآخر الصروح المتحف المصرى الكبير؟

هناك عدة أسباب، أولها، تفكيك الكتائب المتضاربة بالمنهجية المنطقية، بالهجوم المرتد على العقل والتاريخ، فحجج المنتقدين والمكفرين تثبت التناقضات الصارخة، وتؤكد أنهم لا يمتلكون قناعة فكرية، بل يجمعهم هدف واحد مشترك هو تصفية الذاكرة القومية المصرية لصالح خدمة أجندات خارجية، وهو ما يفضح ضعف منهجيتهم المنطقية، فقد وقعوا فى مغالطات منطقية وفلسفية فى التكفير المطلق، ووقعوا فى مغالطة الإلزام بالتجانس والتناقض التاريخى، فالفكر العدمى الذى يروجون له يرتكب مغالطة فلسفية كبرى بافتراض أن حضارة تمتد لآلاف السنين يجب أن تكون متجانسة إيمانيا بشكل مطلق، وهذا تبسيط مخل يتنافى مع تعقيد حركة التاريخ وتداوله بين فترات التوحيد والشرك.

ويشهد التاريخ المصرى القديم على بذور توحيدية مثل «التوحيد الآتونى»، فى عهد «إخناتون»، ما يثبت أن صراع الإيمان والشرك كان صراعا مستمرا وداخليا.

وهناك أيضا مغالطة «تجريم الوسيلة»، حيث يرفض المهاجمون الإبداع الهندسى بذريعة أنه أدى للشرك منطقيا، ويجب هنا التفرقة بين غاية صناعة التمثال للعبادة، وبين وسيلة صناعته للهندسة والنحت، وليقرأ هؤلاء المتنطعون ما ورد فى القرآن الكريم عن مفهوم الوسيلة: «يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ»، آية: 13 من سورة سبأ، ما يثبت أن النظر للإتقان الهندسى ليس شركًا لذاته، بدليل أن القرآن الكريم استشهد به، وهذا يقودنا لفهم وتقدير فلسفة الإتقان والعمارة، بمعنى تقدير الإنجاز البشرى فى الهندسة والعمارة والفلك والطب، فهو ليس مجرد مادة خام، بل هو تجسيد للإتقان الذى يمثل أعلى مستويات الإحسان، والمعروف أن مقام الإحسان أعلى مقامات العبادة، والفكر العدمى المتشدد والمنتقد للحضارة المصرية القديمة ينفى هذا المقام ولا يعترف به، ويضيع مقصد الدين فى عمارة الأرض بالمعرفة والقيادة الحضارية.

كذلك تهدف كتائب المتشددين إلى نزع الثقة بالماضى، أو عمل نزع داخلى عبر استراتيجية الهجوم المزدوج كأداة تفتيت جيوسياسى، وكلما نجحوا فى نزع الثقة بالماضى شقوا الصف الداخلى، وأضعفوا المقاومة الفكرية ضدهم كتيارات متطرفة، وبالتوازى مع كتائب المتطرفين بالداخل، توجد كتائب السرقة الخارجية، أو النزع الخارجى، وتهدف لتجفيف صفة الأهلية عن الحضارة المصرية القديمة، تمهيدا لإضعاف موقف مصر القيادى فى محيطها الإقليمى والدولى.

من وجهة النظر الشرعية، كيف ننسف حجج المتطرفين المنتقدين للحضارة المصرية القديمة والمتربصين؟

بالمرجعية الشرعية والروحية، بإعمال فقه المقاصد وحبل الوصال، وبناء عليه تسقط جميع المرجعيات الدينية العليا فى مصر حجج المتشددين، مؤكدة أن التعامل مع الآثار الباقية لنا من الحضارة المصرية القديمة ومن الحضارات التالية عليها، إنما هو من باب التدبر والتفكر، وممارسة للرؤية الباطنية، التى يرسخها فقه المقاصد، خاصة مع الأمر القرآنى بالتدبر وإعمال المنهج الاستقرائى، حيث أمر الله تعالى بالسير فى الأرض، والنظر والاستقراء للعظة، فقال الله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)، والآثار هى البيانات المادية التى أمرنا المنهج الإلهى بدراستها وتحليلها، ورفضها هو رفض للمنهج المعرفى القرآنى.

أيضًا فقه المقاصد وحفظ الضروريات، حيث يندرج الحفاظ على الآثار تحت هذا المفهوم، وتحت مقاصد الشريعة الكلية، وتحديدا: (حفظ المال، وحفظ العقل)، وهل يشك أحد فى أن الآثار مصدر دخل قومى لا يجوز تبديده بل إكثاره وتنميته، كما أن الآثار مصدر معرفى وتكنولوجى لا يجوز تدميره ولا إهمال براهينه المادية، ولنا فى السلف الصالح قدوة حسنة، حيث أعملوا منهج الاستيعاب الروحى، فقد بنوا مسجد أبى الحجاج الأقصرى بجوار معبد الأقصر، ما يثبت مفهوم الاستيعاب والبناء ووصل الحاضر بالماضى، هنا تظهر البصيرة الروحية التى تفصل بين مكان العبادة والإيمان، وتحفظ الأثر كإرث حضارى شاهد على قدرة الإنسان على تطبيق أساليب العمارة الفذة بإتقان.

هل فى المنهج النبوى المحمدى ما يرسخ فكرة استيعاب الحضارات السابقة؟

هنا نربط بين قوتنا الناعمة ممثلة فى الحضارة المصرية القديمة وبين نهج سيدنا النبى (صلى الله عليه وسلم)، والذى ربط بين حب الأوطان والإيمان، وتجلى ذلك فى أرض مصر فكانت موضع التجليات الإلهية، والبركة النبوية، حيث تجلى رب العزة (سبحانه وتعالى) على أرضها، فى الوادى المقدس بجنوب سيناء، واستقرت فيها أنوار الأنبياء الذين عبروا فيها وعاشوا على أرضها من (إدريس وإبراهيم وموسى وهارون ويوسف وعيسى وأمه مريم)، مرورا بآل بيت النبى صلى الله عليهم جميعا، فقد اتخذوا أرض مصر مستقرا ووطنا، وأحبوها وعاشوا بين أهلها، ودفنوا فيها، والدفاع عن هذا الإرث هو دفاع عن الوصل الروحى والجغرافيا المقدسة للأمة.

ماذا عن البعدين العلمى والاستثمارى للحضارة المصرية القديمة؟

نعم، إن الهجوم على الحضارة المصرية القديمة إنما هو هجوم على مصدرين أساسيين للقوة الوطنية، وهما المعرفة والمال، وفى الجانب المعرفى تمثل الآثار مخزنًا للتقنية والمعرفة، لدراسة التخصصات العلمية المتقدمة لجوانب الإبداع المصرى القديم بما يحوى من تقنيات دقيقة فى علوم عديدة، مثل: الهندسة الفلكية، فتصميم المعابد والأهرامات والمسلات لخدمة الرصد الفلكى وتحديد المواسم الزراعية، أيضا دراسة الكيمياء وعلوم المواد، بدراسة علم التحنيط وأسرار الأصباغ وثباتها الكيميائى وهو ما يمثل لليوم تحديا للعلوم الحديثة، فضلا عن قيمة الدليل المادى الأركيولوجى، فالآثار تمثل الدليل المادى الملموس على تقدم سابق لأجدادنا، وهى مختبر طبيعى لدراسة طرق ومواد البناء المقاومة للزمن، والقضاء على هذا الدليل هو تدمير لفرصة البشرية فى التعرف على هذه التقنيات وتطويرها فى المستقبل، ما يخدم التجهيل المتعمد.

لا شك أن الحضارة المصرية القديمة لا تزال ملهمة للعلماء والباحثين.. تعقيبك؟

نعم، فهى مصدر إلهام لفتح آفاق جديدة لدراسة العمارة والفلك والهندسة والتحنيط والبيئة المستدامة، وهى قيمة معرفية تستخدم فى برامج البحث والتطوير العالمية، كما أن الآثار المصرية هى المنتج الاقتصادى الأبرز الذى تتميز به مصر عالميا، حيث إن إيرادات السياحة المباشرة وغير المباشرة تمثل نسبة كبيرة من الناتج القومى علاوة على تشغيل عدد كبير من الشباب، ما يجعلها ورقة رابحة لاستقطاب العملة الصعبة.

كيف نحافظ على هذا الإرث الحضارى الكبير فى المستقبل فضلا عن إتاحته بالعرض المتحفى؟

الحفاظ على هذا الإرث الحضارى الكبير يتطلب استثمارات ضخمة فى الرقمنة والتوثيق الإلكترونى للمواقع الأثرية لضمان سلامة البيانات، وإدارة تحديات التسويق واستدامته عبر الزمن، وعلى النقيض مما سبق فإن الفكر العدمى بدعوته لهدم أو إهمال الآثار يدعو بشكل مباشر إلى تدمير أحد أهم مصادر الدخل القومى للدولة المصرية، ما يفاقم المشكلات الاقتصادية ويزعزع الاستقرار.

لماذا يشكل التاريخ المصرى القديم أزمة وعقبة كبيرة لدى أصحاب الفكر المتشدد والتكفيرى؟

هنا يبرز البعد الجيوسياسى وتجليات الأنبياء على أرض مصر، وبالتالى تعتبر مصر «عقدة» حضارية واستراتيجية لأعدائها، فتاريخ مصر ينسف حجة التفكير المطلق، ويؤكد أن مصر أرض التوحيد ومحور الأمن الإقليمى، ولدينا من التاريخ ما فعله سيدنا يوسف كإدارى ناجح فى تحقيق مخزون الأمن الحقيقى والإقليمى، حيث نجح فى حل أزمة وجودية، وقام بتأمين إمدادات الغذاء لسنوات، ومن ثم سد جوع بقية المعمورة، وأسس لأهمية مصر الجيوسياسية كسلة غذاء، ومركز اقتصادى إقليمى وقت الأزمات.

أيضا رحلة إبراهيم الخليل لأرض مصر، حين أصاب القحط أرض الشام فلجأ لمصر فوفرت مصر الملاذ الآمن لأهل التوحيد وقت المجاعات. كما وفرت الملاذ الآمن للعائلة المقدسة، حين فرت مريم بابنها عيسى المسيح عليهما السلام، فوجدا المأوى والطعام والأمن فى مصر، وتنزلت على أرض مصر الرحمات بفضل بنيتها الاستيعابية والإنسانية.

كما يعمل التكفيريون والأعداء على تدمير صورة مصر وإرثها الثقافى والدبلوماسى كمرجعية ثقافية خاصة فى اليونسكو، أو التقليل من شأن قوتها الناعمة.

أخيرا، كيف نتصدى نحن المصريين شعبا وحكومة لهذه الدعوات الهمجية ضد حضارتنا العريقة؟

بتماسك الجبهة الداخلية، والتمسك بالهوية المصرية كضمان لاستقرار الدولة ودورها كمرساة إقليمية تتحكم فى ممر قناة السويس العالمى، فاستهداف الهوية يعمل على إحداث فوضى داخلية تتيح التدخل الخارجى وتفكيك الدولة المحورية المركزية من آلاف السنين، كما حدث فى مناطق أخرى مجاورة، عندما قامت مجموعات (داعش) المتطرفة بتدمير الآثار خدمة لأجندات استعمارية خارجية، أو عمالة لقوة إقليمية مصنوعة فى المنطقة كرأس حربة للاستعمار الغربى، والخلاصة القاطعة أن واجب الوقت هو الحفاظ على هوية مصر وحضارتها القديمة، ومواصلة البناء المستنير، والتأكيد على الإجماع الشرعى والوطنى على الفخر بآثارنا وحضارتنا وماضينا القديم، وهو ما يلتقى مع مقاصد الشريعة فى العمارة والمعرفة، والوصول لمقام الإحسان، وفى النهاية يصبّ فى الوزن النسبى لثقل مصر ومكانتها الجيوسياسية، وإننا كمصريين عقلاء نرفض (الصفرية الحضارية)، التى تحاول إلغاء المنهجية المنطقية والاقتصادية والتاريخية لمصر، وإن دفاعنا عن حضارتنا وماضينا إنما هو دفاع عن وحدتنا الوطنية، وأمننا القومى، مرتكز اقتصادى حيوى، فآثار مصر سجل للحضارة الإنسانية، ومادة للبحث العلمى والتكنولوجى، ومصدر للدخل القومى، ومرتكز للثقل الجيوسياسى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة