سلطت الحرب التجارية التى اندلعت بين الصين والولايات المتحدة الضوء على ورقة الضغط الكبيرة التى تعوّل عليها بكين، والتى جعلت واشنطن تُعيد حساباتها، وهى ورقة «المعادن النادرة»؛ حيث لجأت بكين إلى فرض قيود على صادراتها من المعادن النادرة، وذلك ردًا على الرسوم الجمركية مما خلق حالة من التوترات الجيوسياسية، واستمر ذلك حتى اتفق الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ونظيره الصينى شى جين بينج، الشهر الماضي، على أن تُعلق الصين الضوابط لمدة عام مقابل خفض الولايات المتحدة للرسوم الجمركية.
ومن واقع التقارير، فإن الصين، تهيمن بشكل كبير على سوق المعادن النادرة، حيث تنتج أكثر من 90 فى المائة من المعادن النادرة المُعالجة فى العالم، مما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير فى سلاسل التوريد العالمية، وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى التحرر من الاعتماد على الصين وتأمين إمدادات بديلة مثل توقيعها لاتفاقية إطارية مع اليابان لتعاون مشترك فى مجال المعادن النادرة والحيوية، واتفاق آخر مع أوكرانيا من شأنه أن يمنحها إمكانية الوصول إلى المعادن النادرة بكييف. تعمل بكين على ترسيخ مكانتها، وحماية مصالحها التنموية من خلال العمل على استخراج هذه المعادن بكفاءة عالية.
وفى خطوة استباقية ردًا على الانتقادات الغربية حول القيود الأحادية على المعادن الأساسية للتكنولوجيا، كشفت بكين عن مبادرة تعدين ضخمة تأتى بالشراكة مع 19 دولة، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، تهدف إلى «تعزيز التعاون القائم على المنفعة المتبادلة والاستخدام السلمى للمعادن النادرة».
من جانبها، وافقت الهند على خطة بقيمة 700 مليون يورو لتعزيز استخراج ومعالجة المعادن النادرة؛ بهدف «تعزيز الاستقلالية وجعل الهند لاعبًا رئيسيًّا فى السوق العالمية». بينما يعمل الاتحاد الأوروبى على إعداد خطة لضمان الإمدادات من المعادن الأرضية النادرة، فى ظل قيود التصدير الصينية. ومن المتوقع أن تتضمن الخطة تعزيز الشراء المُشترك للمعادن النادرة، وتكثيف إعادة التدوير فى أوروبا، والعمل مع شركاء موثوقين، وإبرام شراكات جديدة».
وفى خطوة متأخرة عن نظيراتها، انضم الدب الروسى لركب المنافسة بين النسر الأمريكى والتنين الصيني، حيث أمر الرئيس الروسى فلاديمير بوتين الحكومة بوضع خارطة طريق لاستخراج المعادن الأرضية النادرة بحلول الأول من ديسمبر.
وتقدر هيئة المسح الجيولوجى الأمريكية، فى أحدث تقرير لها، وجود 110 ملايين طن من الرواسب فى جميع أنحاء العالم، من بينها 44 مليون طن فى الصين. بينما تمتلك موسكو خامس أكبر احتياطيات معروفة من المعادن النادرة، بإجمالى 3.8 مليون طن متفوقة على الولايات المتحدة التى يبلغ احتياطها 1.9 مليون طن.

فى هذا السياق، قال الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ اقتصاديات التنمية، إن «التنافس على المعادن النادرة أصبح أحد أبرز ملامح الجغرافيا السياسية والاقتصادية خلال العقدين الأخيرين، نظرًا لوظيفتها الحيوية فى الصناعات التكنولوجية والعسكرية والمدنية المتقدمة، ويتخذ هذا الصراع أنماطا متعددة كأن يكون تنافسا (جيو - اقتصادى) متعدد الأبعاد من خلال احتكار مراحل الاستخراج والتكرير والتصنيع؛ والاستثمار فى البحث عن بدائل صناعية وتقنيات إعادة التدوير. وأضاف: كذلك قد يتخذ نمط الصراع التكنولوجى والذى يستند إلى الهيمنة الصناعية من خلال محاولة السيطرة على تصنيع أشباه الموصلات، والطائرات، والصواريخ، الطاقة المتجددة (خاصة توربينات الرياح والبطاريات)، الذكاء الاصطناعى والحوسبة المتقدمة. وقد يتخذ نمط توظيف سياسيا واستراتيجيا للموارد؛ حيث تستخدم الدول المسيطرة على سلاسل تصنيع المعادن النادرة هذه الأداة كورقة ضغط جيوسياسى مثل تهديد الصين بتقييد تصدير الجاليوم والجرمانيوم فى 2023، وتوجه الولايات المتحدة للحد من وصول الصين إلى تقنيات أشباه الموصلات، وبذلك تتحول المعادن من مجرد موارد اقتصادية إلى عنصر فى الدبلوماسية الاقتصادية الردعية».
وحول إمكانية أن يُهدد هذا التنافس العلاقات الاقتصادية الدولية، قال «رضوان»: يمكن الإجابة عن هذا التساؤل من خلال مشاهد تبدو جلية؛ المشهد الأول تصاعد الجيوسياسية التكنولوجية؛ حيث بدأت العلاقات الدولية تنتقل من صراع عسكرى مباشر إلى صراع تكنولوجى يعتمد على التحكم فى سلاسل الإمداد، حماية الملكية الفكرية، فرض قيود تصدير على التقنيات الحساسة، تقليل الاعتماد المتبادل.
وتابع: المشهد الثانى، تفكك العولمة وبروز تكتلات جديدة؛ حيث من المتوقع أن تتشكل ثلاث كتل رئيسية: (كتلة أمريكية تسعى لخلق سلاسل توريد بديلة - كتلة صينية تعتمد على توسع بكين فى إفريقيا وآسيا الوسطى - كتلة أوروبية–آسيوية هجينة تبحث عن استقلال استراتيجي)، وبهذا سينتقل العالم من العولمة المفتوحة إلى «عولمة مجزأة»، والمشهد الثالث، ارتفاع مخاطر الصراعات التجارية مما يزيد من هشاشة النظام الاقتصادى الدولي. «رضوان»، أكد أن التنافس بين الصين والولايات المتحدة على الثروات المعدنية ليس مجرد تنافس اقتصادي، بل معركة على قيادة القرن الحادى والعشرين.