رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

النقشبندى.. الإنشاد من القلب قبل الحنجرة الذهبية


5-12-2025 | 08:21

.

طباعة
بقلم: أحمد النبوى

«دولة التلاوة» ليست مجرد اسم برنامج ناجح يُذاع على شاشة التلفاز ويتابعه الملايين وسط الإشادات والإعجاب أو مجرد مسابقة يفوز بها البعض فى النهاية، بل هو جزء من الهوية المصرية المتأصلة فى وجدان الشعب المصرى المتدين بالفطرة المحب لله ورسوله الكريم ولآل البيت، بجانب أنه شعب ذواق للأصوات الجيدة، رغم درجات الاختلاف بينها، فعلى مدار عقود أنجبت مصر العشرات من الأصوات المتميزة والتى كانت من أهم عوامل القوة الناعمة المصرية فى المنطقة بأكملها.

 

ما زالت تلك الأصوات تعيش بيننا إلى اليوم أمثال المشايخ محمد رفعت ومحمد صديق المنشاوى وعبدالباسط عبدالصمد ومحمود على البنا والحصرى وأبوالعينين شعيشع، والذى كان أول قارئ مصرى يقرأ بـالمسجد الأقصى وطه الفشنى ومصطفى إسماعيل وعبدالفتاح الشعشاعى وعلى محمود، وغيرهم بالطبع من المئات والآلاف من الأصوات التى ارتبطت بوجدان الشعب المصرى، ولكن هذه الأسماء نماذج لا يمكن أن يختلف عليها اثنان، رغم أن كلاً منهم مدرسة صوتية مختلفة عن الآخر، ولكن تجد أن الشعب يستمع إليهم جميعًا، فالتنوع هو سبب النجاح والاستمرار وهو نفس الأمر الذى ستجده فى الإنشاد الدينى الذى يعد الشيخ على محمود المؤسس الحقيقى لعلم الإنشاد الحديث، ورغم ذلك ستجد أسماء كثيرة أمثال المشايخ طه الفشنى والفيومى والنقشبندى ونصرالدين طوبار والطوخى وعمران والهلباوى حتى نصل إلى الشيخ ياسين التهامى، فعندما تستمع إلى تلك الأصوات ستجد اختلافًا فيما بينهم ولكنك لن تستطيع أن تستغنى عن الاستماع لأحدهم دون البقية وهذا هو سر ريادة التلاوة والإنشاد فى الشخصية المصرية على مدار عقود طويلة، وما زالت ممتدة ومتواصلة، فلن تجد قرية أو نجعًا إلا وبه شيخ يقرأ القرآن ومنشد ولا يخلو أى سرادق عزاء فى كل محافظات مصر من مقرئ أو أكثر، وهذا سبب من أسباب تواصل الأجيال والاحتفاظ بالريادة فى هذا المجال الذى هو جزء من الشخصية المصرية.

الإنشاد الدينى فى مصر حكاية لا يمكن أن تنفصل عن التلاوة، فعندما تقرأ مولاى إنى ببابك قد بسطت يدى مَن لى ألوذ به إلاك يا سندي؟ ستجد نفسك عزيزى القارئ تنشدها بأداء الشيخ النقشبندى صاحب الحنجرة الذهبية بصوته الأخاذ والقوى والمتميز، والذى طالما هزّ المشاعر والوجدان، حيث يصافح آذان الملايين وقلوبهم بأحلى الابتهالات التى كانت تنبع من قلبه قبل حنجرته فتسمو معه مشاعر المسلمين وتجعلهم يرددون بخشوع معه، فهو واحد من أبرز مَن ابتهلوا ورتلوا وأنشدوا التواشيح الدينية وكان ذا قدرة فائقة فى الابتهالات والمدائح حتى صار صاحب مدرسة ولُقّب بالصوت الخاشع والكروان.

وصف الدكتور مصطفى محمود فى برنامج العلم والإيمان الشيخ سيد النقشبندى بقوله (إنه مثل النور الكريم الفريد الذى لم يصل إليه أحد) وأجمع خبراء الأصوات على أن صوت الشيخ الجليل من أعذب الأصوات التى قدمت الدعاء الدينى، فصوته مكون من ثمانى طبقات، وكان يقول الجواب وجواب الجواب، وصوته يتأرجح ما بين الميزو-سوبرانو والسوبرانو. دخل الشيخ الإذاعة العام 1967م، وترك للإذاعة ثروة من الأناشيد والابتهالات إلى جانب بعض التلاوات القرآنية لدى السميعة.

وكان للشيخ نصيب من اسمه فكلمة (نقشبندي) بمعنى نقش حب الله على القلب. والنقشبندى نسبة إلى فرقة من الصوفية يعرفون بالنقشبندية ونسبتهم إلى شيخهم بهاء الدين نقشبند المتوفى سنة 791 هجرية.

وُلد الشيخ سيد فى حارة بقرية دميرة إحدى قرى محافظة الدقهلية فى 7 يناير عام 1920 ولم يمكث فى (دميرة) طويلاً، حيث انتقلت أسرته إلى مدينة طهطا فى جنوب الصعيد وفى طهطا حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ أحمد خليل قبل أن يستكمل عامه الثامن وتعلم الإنشاد الدينى فى حلقات الذكر بين مريدى الطريقة النقشبندية.

وفى عام 1955 استقر فى مدينة طنطا وذاعت شهرته فى محافظات مصر والدول العربية، وسافر إلى حلب وحماه ودمشق لإحياء الليالى الدينية، كما زار أبوظبى والأردن وإيران واليمن وإندونيسيا والمغرب العربى ودول الخليج ومعظم الدول الإفريقية والآسيوية، وأدى فريضة الحج خمس مرات خلال زيارته للسعودية.

فى عام 1966 كان الشيخ سيد النقشبندى بمسجد الإمام الحسين بالقاهرة والتقى مصادفة بالإذاعى أحمد فراج فسجل معه بعض التسجيلات لبرنامج فى رحاب الله ثم سجل العديد من الأدعية الدينية لبرنامج «دعاء» الذى كان يذاع يوميًا عقب أذان المغرب، كما اشترك فى حلقات البرنامج التلفزيونى فى نور الأسماء الحسنى وسجل برنامج الباحث عن الحقيقة والذى يحكى قصة الصحابى الجليل سلمان الفارسى.

ابتهال مولاى أشهر الابتهالات الدينية فى العالم الإسلامى وكان له قصة جميلة أعتقد أننا جميعًا نعرفها ولا نحتاج إلى تكرارها ويكفى قولة: «بليغ ده عفريت من الجن» وكان بداية التعاون بينهما حيث قدما سويًا 14 عملًا وجرى إذاعتها فى شهر رمضان، من خلال برنامج جرى إعداده خصيصًا لذلك، اسمه «أنغام الروح» هذا بالإضافة إلى مجموعة من الابتهالات الدينية التى لحنها محمودالشريف وسيد مكاوى وأحمد صدقى وحلمى أمين.

ومن الابتهالات التى ما زالت تحيا معنا حتى يومنا ونسمعها دائمًا خصوصًا فى بداية أى فرح ابتهال أسماء الله الحسنى لحن سيد مكاوى والذى كان أول مَن قدمها كان الشيخ النقشبندى.

وتُوفى الشيخ النقشبندى عام 1976 تاركًا لنا إرثا غاليًا ما زلنا نحيا به.

وتوفى الشيخ سيد النقشبندى عن عمر يناهز 55 عامًا ولم يكن مريضًا وقبل الوفاة بيوم واحد كتب ورقة وأعطاها لشقيقه وطلب منه عدم فتحها إلا فى حينها، وبعد الوفاة ثانى يوم تبين أنها وصية بأن يدفن مع والدته فى مقابر الطريقة الخلوتية بالبساتين وعدم إقامة مأتم له والاكتفاء بالعزاء والنعى بالجرائد وأوصى برعاية زوجته وأطفاله.

ولم يكن تصريح حفيد النقشبندى غريبًا عندما قال: إن جده عندما مات لم يكن فى جيبه سوى (3 جنيهات)، ولم يترك أرضًا أو بيتًا أو أموالاً، حيث كان ينفق كل ما يأتيه على الفقراء، وكان يقول دائمًا: «الله أكرمنا كى نكرم خلقه».

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة