رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من قلب «مدينة التاج البنفسجى».. تكساس تكشف أسرار صعود ترامب


4-12-2025 | 15:59

.

طباعة
رسالة أمريكا: إيمان السعيد

قبل زيارتى لبلاد العم سام، كانت صورة أمريكا فى مخيلتى مقصورة على الأخبار: البيت الأبيض، نيويورك المزدحمة، وكاليفورنيا الثرية. لكن خلال رحلاتى القصيرة بين الولايات، اكتشفت أن لكل مكان قصة وسياسة وحتى طقسا مختلفا. فى تكساس، إحدى أكبر الولايات الداعمة للحزب الجمهوري، شاهدت عن قرب «المواطن العادى» الذى يقف خلف ترامب، أو كما يُطلق عليه هناك: داعم ماجا. خلال الأيام القليلة التى قضيتها فى أوستن، جلست على طاولة مقابلات تحاول تفكيك الجذور التى صنعت هذا التيار الشعبوى، والمناخ الذى سمح لترامب أن يجد مكانه فى عقل المواطن الأمريكى.

 
 
 

أوستن مدينة ذات سحر غير تقليدى وخصائص بيئية فريدة. تُلقب بـ«مدينة التاج البنفسجي» لضوء القمر المتلألئ فوق التلال، وتشتهر بأكبر مستعمرة حضرية للخفافيش فى أمريكا الشمالية، حيث يعيش نحو 1.5 مليون خفاش تحت جسر شارع الكونجرس، وهو الشارع الذى سكنت فيه. حيث شاهدت، فى أول ليلة، السكان يتجمعون لمشاهدة الخفافيش تحلق على طول نهر كولورادو. أما أحياء أوستن فهى نابضة بالحياة، تعبق بالموسيقى الحية، والسكان المحليون يغنون على أنغام الريف، مرتدين قبعات رعاة البقر.

وفى أحد المطاعم، صادفنا أحد داعمى ترامب، الذى من خلال حديث أصدقائى معه، عبر عن دعمه القوى للسياسات التى تشدد على الفردية، والحكومة المحدودة، وأمن الحدود، وحقوق امتلاك الأسلحة، والاكتفاء الذاتى الاقتصادي. وقال: «ترامب يُدافع عن القيم التى نفتقدها اليوم، وأعتقد أنه سيُعيدها لأحفادنا».

وعلى طاولة المقابلات التى قمت بها خلال فترة إقامتى فى تكساس كان صعود ترامب وشعبيته فى الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة فى الولاية الحمراء كما يطلق عليها الساسة الأمريكيون، محور النقاش.

وفى مقابلة مع جيم هانسون، خبير استطلاعات الرأى ومدير مشروع «سياسات تكساس»، فى جامعة أوستن، أوضح أن صعود ترامب لم يكن حدثًا عشوائيًا، بل نتيجة تراكم طويل لعوامل اجتماعية وثقافية وسياسية، خصوصًا فى تكساس. وأشار إلى أن جذور التيار الشعبوى بدأت قبل سنوات مع حركة Tea Party التى ظهرت بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث كان الغضب الشعبى موجهًا نحو الأزمات الاقتصادية وتدخل الدولة، لكنه لم يكن مرتبطًا بالهوية الثقافية بعد. ومع انتخاب باراك أوباما، تحولت هذه الحركة تدريجيًا إلى تيار ثقافي، مع التركيز على ما وصفه هانسون بـ«الخوف من تغير الهوية الأمريكية التقليدية».

أشار هانسون إلى أن الأمريكى العادى لم يعد يختار حزبه على أساس برنامج اقتصادى فقط، بل على أساس شعوره بأن حزبه يمثل هويته الثقافية والاجتماعية. هنا يظهر العامل الأساسى الذى ساعد على صعود ترامب: قدرة الخطاب السياسى على ربط المطالب الاقتصادية بالمخاوف الثقافية والعرقية، فتتحول الاحتجاجات الفردية إلى حركة شعبية تدافع عن «الهوية الأمريكية الأصلية». الإعلام لعب دورًا رئيسيًا فى تعزيز هذا الاستقطاب، حيث ركز الإعلام المحافظ على مخاوف تغير أمريكا، فى حين ربط الإعلام الليبرالى صعود اليمين بالخطر على الديمقراطية والقيم الليبرالية، ما خلق فقاعات معلوماتية متوازية وزاد شعور الخوف والانتماء.

تكساس، بمدنها الكبرى ومناطقها الريفية، تمثل نموذجًا لفهم هذه الظاهرة. النمو السريع، التفاوت الاقتصادي، والتنوع الديموغرافى جعل من الولاية مختبرًا لكيفية تشكيل التحولات السياسية. اليوم، كثير من الولايات تشهد نقاشات حادة حول الهجرة، التعليم، الحقوق المدنية، وسياسات الصحة، وكلها مرتبطة بالشعور بالهوية والانتماء الذى أشار إليه هانسون. «الأمريكيون الذين يدعمون ترامب يرونه حاميًا لقيمهم، بينما يراه خصومه معيقًا للتقدم الاجتماعي».

هذا الشعور بالهوية يتجلى بوضوح فى قرارات ترامب الأخيرة، مثل حظر الهجرة من دول العالم الثالث، والذى يعكس الخوف نفسه من تغير التركيبة السكانية والثقافية للولايات المتحدة. فمن يدعم ترامب يعتبر هذا القرار حماية لنمط حياتهم وقيمهم، بينما يراه معارضوه أنه يعمق الانقسامات ويستند إلى مخاوف ثقافية أكثر من كونه حلًا اقتصاديًا. إلا أن هذا القرار يظهر كامتداد طبيعى للتيار الشعبوى الذى ركز على الهوية والثقافة، كما أوضح هانسون فى تحليله لصعود ترامب فى تكساس.

ما لفت انتباهى فى أوستن هو التناقض بين الحداثة والتقليد. المدينة تجمع بين الموسيقى والفن والحرية الفردية، وبين سكان يقدرون القيم التقليدية ويدافعون عن هويتهم. المشهد هناك أوضح إلى أن السياسة الأمريكية ليست مجرد انتخابات، بل تجربة يومية يعيشها المواطن بين بيئته وثقافته، بين التغيير والخوف من فقدان هويته وأن الصعود الشعبوى إذاً ليس مجرد شخصية أو حملة، بل انعكاس لتفاعلات اجتماعية وثقافية مستمرة منذ سنوات.

وفى نهاية زيارتى لـ«مدينة التاج البنفسجي» ، بينما كنت أشاهد الخفافيش تغادر جسر شارع الكونجرس عند الغروب، شعرت أن كل شيء فى تكساس يحكى قصة: عن الحرية، عن القلق، عن الهوية، وعن الشعب الذى وجد فى خطاب ترامب صوتًا يمثل مخاوفه وآماله. من بين ألوان السماء البنفسجية وألحان الريف، يظهر ترامب ليس كسياسى فقط، بل كرمز لصراع أوسع بين الماضى والحاضر، بين ما يريده الناس وبين ما يخافون فقدانه. وتكساس، بكل ألوانها المتناقضة وحيويتها، تبقى المثال الأكثر وضوحًا لفهم هذا الصعود الشعبوى الأمريكى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة