رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الدراما المصرية إلى أين؟


4-12-2025 | 15:58

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

كان الرئيس عبد الفتاح السيسى على حق حين سلط عدسة مكبرة على مشكلات الدراما المصرية، مؤكدا الفجوة بين ما يراه المشاهد على الشاشة وبين ما يعيشه على أرض الواقع، لم يكن الرئيس فى لقائه التفاعلى مع المتقدمين الجدد لكليات الشرطة يخاطب فقط هذه الفئة المتقدمة أو تلك، وإنما كان كلامه موجها بالأساس لصُناع الدراما فى بلادنا، دون أن يغفل الرسالة التى وصلت بالتأكيد إلى هذه الأجيال الشابة المقدمة على حياة جديدة مليئة بالتحديات بعيدا عن الصورة الوردية أو المثالية التى يصدرها لنا صناع الدراما منذ سنين.

 
 

المدهش أن هذه لم تكن المرة الأولى التى يتوقف فيها الرئيس السيسى أمام المحتوى الدرامى المقدم على الشاشة، فقد تحدث منذ أشهر إبان الأعمال الدرامية التى عرضتها الشاشات المصرية فى شهر رمضان الماضى عن ضرورة الالتفات إلى محتوى تلك الأعمال، وبين المرتين جرت فى النهر مياه كثيرة، أبرزها قيام رئيس مجلس الوزراء بتشكيل مجموعة عمل، من المفترض أنها تضم خبرات ذات صلة وثيقة بهذا الملف، والتقى بها الدكتور مصطفى مدبولى من أجل تحويل الملحوظات الرئاسية إلى خارطة طريق تستطيع بها الدراما المصرية التخلص من شوائبها وآفاتها وإرثها الثقيل الذى أدى إلى ما وصلنا إليه.

ويوم أن تشكلت هذه المجموعة أو اللجنة واجهت كثيرا من التحفظات على تشكيلها، أبرزها استياء الدكتور أشرف زكى نقيب المهن التمثيلية من عدم وجود أى من أعضاء مجالس إدارات النقابات الفنية الثلاث ضمن هذه المجموعة رغم أنها تضم فى عضويتها المخرج عمر عبد العزيز رئيس الاتحاد العام للنقابات الفنية، ثم انعقدت ثلاثة اجتماعات أخرى على الأقل برئاسة وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، وخرجت بمجموعة من المحددات والتوصيات، كان أبرزها التأكيد على أهمية تشجيع الإنتاج الدرامى الجاد، من خلال تقديم تسهيلات إنتاجية ودعم الأعمال ذات المضمون الهادف، كما شددت اللجنة على ضرورة اكتشاف ورعاية المواهب الشابة عبر مسابقات متخصصة فى التأليف والتمثيل والإخراج، مع توفير فرص حقيقية للاندماج فى المشاريع الفنية، كذلك ضرورة صون حرية الإبداع كركيزة أساسية للتطور الفني، مع مراعاة التصنيف العمرى للأعمال بما يضمن توافقها مع الفئات المستهدفة.

كما أكد الاجتماع على أهمية معالجة قضايا المجتمع المعاصر مثل الهوية، والتعليم، والتحول الرقمي، والصحة النفسية، بما يسهم فى تعزيز الارتباط بين العمل الفنى والمجتمع، وأيضا التأكيد على ضرورة إنتاج محتوى موجه للشباب بلغة عصرية وموضوعات قريبة منهم، وكذلك إحياء دراما الطفل بوصفها إحدى الأدوات التربوية والثقافية التى تؤثر فى تشكيل وعى الصغار، بالإضافة إلى تنظيم مسابقات دورية فى التأليف الدرامى وتقديم النصوص الفائزة للجهات المنتجة، كذلك تم التأكيد على أهمية تقديم تسهيلات لتصوير الأعمال الفنية فى المواقع العامة والتاريخية، واقترح المجتمعون إنشاء مكتب دعم فنى يتبع وزارة الثقافة لتيسير الإجراءات والتنسيق بين الجهات المختصة.

ووصولا إلى تنفيذ هذه التوصيات على أرض الواقع، ناقش الاجتماع إعداد خطة تنفيذية شاملة بالتعاون مع وزارات ومؤسسات الدولة المعنية، تتضمن برامج تدريبية للمبدعين الشباب، وتفعيل شراكات مع المنصات الإعلامية الكبرى لتسويق الإنتاجات المصرية داخليًا وخارجيًا، مع التأكيد على أهمية إنشاء مرصد وطنى دائم لتحليل محتوى الدراما وقياس تأثيرها المجتمعى والثقافي.

كل هذا جميل ورائع ويصب بالتأكيد فى صالح الدراما المصرية، لكن هذا كله لم يكن له التأثير الواضح على أرض الواقع رغم قصر المدة بين لحظة إعلان هذه التوصيات وبين إعادة الرئيس السيسى التأكيد على ضرورة الانتباه إلى محتوى الأعمال الدرامية التى تقدم وخاصة للشباب وللمرأة المصرية، لا سيما عبر المنصات التى لا تلتزم بمواسم درامية محددة، بعكس الحال فيما يخص خريطة القنوات الفضائية التى تعتبر الموسم الرمضانى موسمها الدرامى الأكثر أهمية، فربما تكون المنصات قد اخترقت موسمية الدراما التليفزيونية وزادت من عدد الأعمال المنتجة سنويا بشقيها التليفزيونى والسينمائى؛ إلا أن الأمر يجب ألا يقف عند حدود الكم، وإنما البحث عن الكيف وتقديم النماذج الإنسانية الحقيقية والصورة الفعلية لما يعيشه الإنسان المصرى على أرض الواقع، وقد أظهرت الدراسات النفسية والاجتماعية أن أكثر من اثنين وستين بالمائة من الناس يتلقون ثقافتهم المعرفية من خلال الدراما، وأن تلك الدراما بشقيها التليفزيونى والسينمائى مسئولة عن حدوث ما يقرب من خمسة وسبعين بالمائة من حالات الحنق الاجتماعى والأسرى، أو ما يمكن اعتباره إحباطا حقيقيا بفعل تلك الفجوة التى يشعر بها المتلقى بين ما يعيشه فى الواقع وما يراه على الشاشة، فما بالنا وقد زاد مسئولو القنوات الأمر سوءا بتقديم الدراما التركية والمكسيكية المدبلجة التى تقوم على دغدغة مشاعر المرأة تحديدا وبيع الوهم النفسى والاجتماعى لها، ما يدفعها إلى التمرد على واقعها والوصول إلى حد الطلاق، وهو ما نبه له الرئيس السيسى مؤخرا.

فإذا ما أضفنا إلى ذلك موجة العنف التى طغت على أعمالنا الفنية فى السنوات الأخيرة، أصبح الأمر أشد خطورة وخاصة بين الشباب، إذ لم تكن الدراما التليفزيونية تعرف بالفعل أعمال العنف والبلطجة، وكان ذلك معقودا فقط على أفلام السينما ربما منذ بداياتها الأولى، هذه النوعية من الأفلام صنعت نجومها على مر السنين أمثال: أنور وجدى وفريد شوقى ومحمود المليجى وزكى رستم ورشدى أباظة وأحمد رمزى وعادل إمام ونور الشريف، وصولا إلى أحمد السقا وأحمد عز والشحات مبروك ثم محمد رمضان بطبيعة الحال، ولكن ظل منْ لحق من هؤلاء بعصر الدراما التليفزيونية ملجومين بقيود صارمة عند مشاركاتهم عبر الشاشة الصغيرة فيما عرف بأدبيات الدراما التليفزيونية وأعرافها، تماما مثل الثالوث الرقابى المقدس الجنس والدين والسياسة احتراما لأفراد الأسرة الذين يقتحمهم البث التليفزيونى دون استئذان، فإذا بكل هذه الاعتبارات الأخلاقية تتوارى شيئا فشيئا لصالح متطلبات السوق والتوزيع الخارجى لدول لا تحب أن ترى فى المواطن المصرى سوى ما هو سلبى وهدام.

وعلى ذلك فإن الأمر بحاجة إلى وقفة جادة وتحويل توصيات اللجان ومجموعات العمل إلى واقع، وأتصور أن دعوة الرئيس السيسى جاءت فى وقتها تماما فى ظل بدء العد التنازلى للموسم الرمضانى وانشغال استوديوهاتنا حاليا بتصوير الأعمال الدرامية الجديدة، فإذا لم ننتبه ونتحرك بوعى وحكمة فى هذا الملف، فإننا نعرّض مجتمعنا لمخاطر كبيرة لا تحمد عقباها.

 

أخبار الساعة